كيف استغلت “مايكروسوفت أزور” تخبّط منافسيها في الشرق الأوسط لتتسيّد على السحابة في المنطقة

كيف استغلت “مايكروسوفت أزور” تخبّط منافسيها في الشرق الأوسط لتتسيّد على السحابة في المنطقة
أستمع الى المقال

بلغ حجم سوق الحوسبة السحابية في الشرق الأوسط 2.6 مليار دولار أميركي في عام 2020. ومن المتوقع أيضًا أن يصل السوق إلى 9.9 مليار دولار أمريكي بحلول عام 2027، ومن المتوقع أن ينمو بمعدل نمو سنوي مركب قدره 20.7% خلال الفترة 2021-2027 بحسب تقرير لـ “بلو ويف للاستشارات” (Blue Weave Consulting)، وهي شركة عالمية لأبحاث ودراسات السوق ومقرها الهند. ونظرًا لأن الحلول الصناعية القادمة ستكون قائمة على السحابة بمعظمها، فسوف يحتاج مقدّموها إلى منصة تحتضن الأعمال الرقمية الخاصة بهم. 

ومع تقييد الوصول إلى المواقع المادية بسبب الوباء خلال الفترة الماضية، أصبحت الحلول المستندة إلى السحابة التي تمكّن المؤسسات من المراقبة بالفيديو عن بُعد والتحكم في الكاميرات وتقييم صحة النظام وإجراء الصيانة وتحديث البرامج الثابتة لا تقدر بثمن.

إذ أظهر استطلاع أجرته شركة “جينيتك إنك.”، وهي المزودة لخدمات لأمن الموحد والسلامة العامة والعمليات وحلول ذكاء الأعمال ومقرها كندا على 2000 شركة من مختلف الأحجام والقطاعات حول العالم، أظهر أن 45% من المؤسسات الكبيرة (التي تضم أكثر من 1000 موظف) في الشرق الأوسط قد تبنت بالفعل حلولًا سحابية، وهي زيادة كبيرة مقارنة بعام 2020 عندما قال 26% فقط من المستجيبين للتقرير إنهم بدأوا رحلتهم السحابية. وقال 94% من المستجيبين أن لديهم خططًا لنشر الحلول السحابية أو السحابة المختلطة على المدى الطويل. ومع ذلك، فإن تفاوت الحالة الاقتصادية والأمنية لبلاد المنطقة أدى إلى خلق ظروف متفاوتة لتبني السحابة.

حيث أشار 14% فقط من المشاركين في الشرق الأوسط إلى أن 25% على الأقل من بيئتهم الأمنية المادية قائمة على الحلول السحابية أو السحابية الهجينة. وقد يكون هذا الانخفاض بسبب البيئة التنظيمية الصارمة في بعض دول الشرق الأوسط حيث كانت “استضافة البيانات خارج البلد” سببًا للعديد من تلك الشركات في المنطقة لعدم تبنّي الحلول السحابية رغم السعي إليها.

هذا ما دفع كبار مقدّمي الخدمات السحابية حول العالم، مثل “خدمات ويب أمازون” (AWS) و”سحابة جوجل” (Google Cloud) و”مايكروسوفت أزور” (Microsoft Azure) للمسارعة إلى بسط سيطرتهم على هذا السوق الناشئ والحصول على نصيب الأسد منه، ليس لأنه يعزز التحولات الرقمية للشركات في تلك البلدان فحسب، بل لأنه سيوفر وظائف إضافية. إذ توقعت مؤسسة البيانات الدولية (IDC) أن توفر الخدمات السحابية أكثر من نصف مليون وظيفة في الشرق الأوسط.

منطقة ذات حالة خاصة

وفقًا لأحدث التقارير من “كاناليس” (Canalys)، وهي شركة عالمية رائدة لأبحاث السوق التقني على وجه التحديد ومقرها سنغافورة، تصدرت “خدمات ويب أمازون” الترتيب على سلم الحصة السوقية من سوق السحابة العالمي بواقع 33% من السوق، وجائت “مايكروسوفت أزور” في المرتبة الثانية بحصة 21%، تلتها “سحابة جوجل” بواقع 8% من حصة السوق، ومن ثم بقية مقدّمي الخدمات السحابية الآخرين مثل “آي بي إم” (IBM) و”علي بابا” و”تينسينت” (Tencent) وغيرهم.

لكن هذا الترتيب يختلف قليلاً عندما يتعلق بالسوق السحابي في منطقة الشرق الأوسط، وذلك يعود إلى الحالة الخاصة لبعض بلدان المنطقة التي سببت تعثراتٍ عديدة لازدهار هذا السوق كما ذُكر أعلاه إضافةً إلى التأخر الإجمالي في تبني الحلول السحابية مقارنةً بالمناطق والأقاليم الأخرى حول العالم. إذ شهدت المنطقة جهوداً من كافة مقدّمي الخدمات السحابية لتثبيت قدمٍ فيها، إلا أن عددًا من العوامل جعل خطوات “مايكروسوفت أزور” الأكثر استقرارًا.

قد يهمّك أيضًا: ضعف التكنولوجيا في الشرق الأوسط يدفع بموجة الاستقالة الكبرى لتهدد الأعمال وتلزم المدراء بالتحرك

خططٌ كثيرة متعثرة ووجودٌ خجول

تمتلك “خدمات ويب أمازون” منطقة (Region) -أي مركز بيانات- يتيمة في المنطقة في البحرين افتُتح عام 2019 يتكون من ثلاث مناطق توافر (Availability Zones). كما أعلنت الشركة في مايو/أيار المنصرم عن خططها المستقبلية لبناء منطقة أخرى في الإمارات العربية المتحدة. وبحسب بيان الشركة، فإن المنطقة الجديدة ستتكون من ثلاث مناطق توافر خدمات لتصبح المنطقة الثانية للشركة في الشرق الأوسط.

ولم تكن هذه خطط “خدمات ويب أمازون” التوسعية الوحيدة في المنطقة، ففي ديسمبر/كانون الثاني عام 2017، كشفت شبكة رويترز أن شركتي آبل وأمازون تجريان محادثات ترخيص مع الرياض بشأن الاستثمار في السعودية، وذلك في إطار مساعي ولي العهد الأمير محمد بن سلمان لمنح المملكة “مظهرًا فائق التقدم التقني” بحسب تعبيرها.

ومن جانب أمازون، كان فرع الشركة للخدمات السحابية، “خدمات ويب أمازون”، يقود المناقشات بشكلٍ أساسي، والتي كان من شأنها أن تتوسع في المملكة وتقدم منافسةً شديدةً في سوق كان يهيمن عليه حينها موفرو الخدمات المحليون الأصغر مثل “STC” و”موبايلي”.

لكن تلاشت هذه الخطط بعد أقل من عام بعد مقتل الصحفي جمال خاشقجي في قنصلية بلاده في تركيا في أكتوبر/تشرين الأول -الجريمة التي يُتهم فيها تواطؤ محمد بن سلمان بشكلٍ شخصي- إذ سبب ذلك توترًا في العلاقات الأميركية-السعودية بشكلٍ عام، وهجومًا من قبل جيف بيزوس (مالك أمازون) على المملكة بشكلٍ خاص؛ إذ كان خاشقجي يعمل في صحيفة “واشنطن بوست” المملوكة من قبل بيزوس أيضًا. ولم تعد تلك المناقشات بين أمازون والسعودية بشكلٍ رسمي حتى الآن.

وبالحديث عن السعودية، كشفت “سحابة جوجل” في ديسمبر/كانون الثاني 2021 أنها ستدخل المنطقة أيضًا من بوابة السعودية من خلال بناء منطقة سحابية بثلاثة مناطق توافر في محافظة الدمّام. لكن يواجه هذا المشروع بدوره زوجًا من العقبات التي تهدد وجوده كذلك. 

المشكلة الأولى أنه سيتم تشغيل مركز البيانات بالشراكة مع شركة أرامكو السعودية المملوكة للحكومة، أكبر منتج للنفط في العالم. الأمر الذي واجهت جوجل على إثره العديد من الانتقادات لدعمها ماليًا شركة لها حقوق في ثاني أكبر احتياطيات مؤكدة من النفط الخام في العالم.

لكن رفض المتحدثون باسم الشركة هذا الادعاء، مشيرين إلى أن شراكة جوجل مع قسم التكنولوجيا في أرامكو، وليس مع أعمال النفط والغاز، على الرغم من عدم وجود موقع ويب أو وجود عام يشير إلى وجود لذراع تكنولوجي للشركة غير متعلق بالنفط. وقالت الشركة إن الشراكة لن تنطوي على أعمال تسهل استخراج النفط.

أما المشكلة الثانية فهي تعرّض منطقة السحابة لانتقادات من قبل نشطاء حقوق الإنسان، حيث دعت 39 منظمة حقوقية الشركة إلى إلغاء المشروع بسبب سجل المملكة العربية السعودية الحافل بمراقبة مواطنيها بشكلٍ غير قانوني، وتعذيب المعارضين.

شاهد: تويتر تدين جاسوسًا سعوديًا

إذ قالت جماعات حقوق الإنسان إنه إذا لم تلغِ جوجل هذا المشروع، فعليها إجراء تقييم عام لحقوق الإنسان وإظهار الخطوات التي ستتخذها لمنع إساءة استخدام منصتها السحابية. وقال متحدث من جوجل حينها “عندما نتوسع في عملياتنا في بلد جديد، فإننا نتولى العناية الواجبة بحقوق الإنسان في ذاك البلد. وغالبًا ما يتضمن ذلك تقييمات خارجية لحقوق الإنسان، والتي تحدد المخاطر التي نراجعها بعناية ونقرر كيفية معالجتها”.

لقد سأل موقع DataCenterDynamics عما إذا كانت جوجل قد أجرت تقييمًا إنسانيًا لمنطقتها السحابية في المملكة العربية السعودية، أكّدت الشركة للموقع أنها فعلت ذلك، لكنها لن تجعل نتائج التقييم علنيةً.

انتهاز مايكروسوفت أزور

خلال هذه الأعوام، وفي أثناء انغماس عمالقة السحابة في مشاكل دخولهم المنطقة، كانت مايكروسوفت تعمل بهدوء على تثبيت موطئ قدمها فيها. ففي مارس/آذار عام 2019، أعلنت الشركة عن خططها لافتتاح أول منطقتي سحابة لها في الشرق الأوسط في مدينتي أبوظبي ودبي في الإمارات العربية المتحدة، وفي يونيو/تموز من العام نفسه، أعلنت افتتاحها المنطقتين، متقدمةً على “خدمات ويب أمازون” و”سحابة جوجل”.

واستعرضت مايكروسوفت حينها خبرتها في حماية البيانات والأمان والخصوصية، بما في ذلك شهادات الامتثال. وقالت في منشورٍ على مدونتها “سيسمح وجود منطقتين في الإمارات العربية المتحدة للشركات بالامتثال للمتطلبات التنظيمية الخاصة بتخزين البيانات في الدولة” موضحةً أنها كانت أول مزود خدمة سحابية في الإمارات العربية المتحدة يحصل على شهادة مركز دبي للأمن الإلكتروني لخدماته السحابية.

وفي الثالث والعشرين من هذا الشهر، أعلنت شركة مايكروسوفت أن مناطق التوافر في مراكز البيانات تلك أصبحت متاحةً للعامة. وقال نعيم يزبك، مدير فرع مايكروسوفت في الإمارات: “شكّلت سحابة مايكروسوفت الذكية والموثوقة والمتعددة الاستخدامات أساس التحول الرقمي للمبتكرين الإقليميين لأكثر من ثلاث سنوات حتى الآن. فمرونة الأعمال وترشيد التكلفة والإنتاجية العالية والأمان والحوكمة والامتثال ليست سوى بعض الفوائد التي جربها عملاء السحابة الإقليميون لدينا. والآن بعد أن تم افتتاح مناطق توافر الخدمات في المنطقة، نتوقع أن نشهد انتشارًا سريعًا حيث يسعى العملاء إلى حماية التقدم السحابي الكبير الذي أحرزوه.”

قد يهمّك أيضًا: تكاليف خروقات البيانات في الشرق الأوسط تبلغ ذروتها تاريخيًا هذا العام.. ولا خطوات جادة

ولم تتوقف طموحات مايكروسوفت أزور على دولة الإمارات، إذ أعلنت، مطلع هذا الشهر كذلك، إطلاقها منطقة سحابية جديدة طال انتظارها في الدوحة في قطر. إذ أُعلن عنها لأول مرة في نهاية 2019 قبيل الجائحة، وكان من المقرر حينها إطلاقها عام 2021، إلا أن الإغلاق العام والأزمات التي تلته أخرت الموعد إلى هذا العام.

وقالت لانا خلف، المدير العام لشركة مايكروسوفت قطر، لموقع The Peninsula القطري المحلي في أواخر يونيو/تموز “في الأسبوعين المقبلين سنُعلن عن المنطقة السحابية عالميًا، لكن بالتأكيد مركز البيانات موجود بالفعل هنا في قطر” وهذا ما حدث بالفعل.

وقالت خلف إن مركز البيانات سيوفر 24 ألف وظيفة جديدة وأن مايكروسوفت ستدرب 50 ألف شخص على مدى السنوات الخمس المقبلة.

وبهذا، نرى تعثر أمازون في السعودية، والضغوطات على جوجل ومركز بياناتها هناك، والبطء في ترجمة الخطط المكتوبة لبناء مراكز بياناتٍ جديدة في المنطقة إلى تنفيذٍ على أرض الواقع، إلى جانب التواجد الخجول لمقدّمي الخدمات السحابية الأخرى في المنطقة، جميعها عوامل لعبت لصالح مايكروسوفت أزور في تثبيت مكانها كلاعبٍ محوري في الشرق الأوسط بثلاث مراكز بيانات فعّالة مقابل مركز بياناتٍ فعّال واحد لكل منافس. الأمر الذي قد لا يشكّل فارقًا كبيرًا على حجم عائدات الشركة الكليّ بالنظر إلى تواضع سوق السحابة بالمجمل في المنطقة في الوقت الراهن، لكنه استثمارٌ يبدو أنها ستجني ثماره بعد سنواتٍ مع زيادة الوعي بالحلول السحابية وانتشار متبنّيها.

هل أعجبك المحتوى وتريد المزيد منه يصل إلى صندوق بريدك الإلكتروني بشكلٍ دوري؟
انضم إلى قائمة من يقدّرون محتوى إكسڤار واشترك بنشرتنا البريدية.