أستمع الى المقال

أثار “التشابك” الكمومي نقاشًا حادًا ومثيرًا للاهتمام لما يزيد عن تسعة عقود حول طبيعة الواقع بين بعض من أكثر العقول ذكاءً في القرن العشرين. فهو أحد الأسباب الرئيسية التي تجعل نظرية الكم تبدو غريبةً للغاية وغير مفهومة، فهو سلوك الجسيمات الكمومية الذي وصفه ألبرت أينشتاين بالـ “مخيف”. ويوم أمس الثلاثاء، قررت لجنة جائزة نوبل تكريم ثلاثة علماء، آلان أسبكت من فرنسا، وجون كلوزر من الولايات المتحدة، وأنطون زيلينجر من النمسا، الذين دأبوا على مدى العقود الأربعة الماضية على دراسة تلك الظاهرة واختبارها. 

سجالٌ علمي

أثبتت تجارب الثلاثي بشكلٍ قاطع أن ظاهرة “التشابك” التي لوحظت في الجسيمات الكمومية كانت حقيقية، وليست نتيجة لأي قوى “خفية” أو غير معروفة، وأنه يمكن استخدامها لإحداث تطورات تكنولوجية ثورية في الحوسبة، والاتصالات الخالية من الاختراق، وأبعد من ذلك؛ النقل عن بعد.

لقد قدم هؤلاء الثلاثة معًا مساهماتٍ أساسية ليس فقط لتثبيت أسس نظرية الكم، ولكن أيضًا للجهود التي أطلقت العنان لمجموعة واسعة من التطبيقات العملية لها. لذا، وبطريقةٍ ما، فإن جائزة نوبل لهؤلاء الثلاثة قد تأخرت كثيرًا، لكنها كانت متوقعة تمامًا.

بحلول بداية القرن العشرين، عندما بدأ البعض في الاعتقاد بأننا اكتشفنا بالفعل كل ما يمكن اكتشافه الطريقة التي تعمل بها الطبيعة، لاحظ عدد قليل من العلماء أن سلوك الجسيمات دون الذرية الصغيرة؛ مثل البروتونات أو الإلكترونات كان لا يتفق مع قوانين نيوتن الكلاسيكية للفيزياء. وكلما بحثوا أكثر، حصلوا على نتائج محيّرة أكثر.

وفي سعيهم لشرح ما رأوه، وصلت مجموعة من الفيزيائيين -الشباب في الغالب- إلى سلسلة من الاكتشافات المذهلة على مدار الثلاثين عامًا التالية، والتي غيرت تمامًا فهمنا لكيفية عمل الطبيعة في الفضاء دون الذري. لقد حاكوا معًا خيوط “نظرية الكم”، التي وصفت السلوك الغريب للجسيمات دون الذرية بدقة ملحوظة.

لكن نظرية الكم تتعارض تمامًا مع التجارب اليومية. إذ سمحت للجسيم بالوجود في وقتٍ واحد في مواقع متعددة، وهي ظاهرة تعرف باسم “التراكب”. حيث فرصة العثور على الجسيم في أي مكان تكون من خلال الحسابات الاحتمالية فقط، وبمجرد العثور عليه أو ملاحظته في مكانٍ ما، لا يعد موجودًا في جميع الأماكن الأخرى.

كان التشابك أحد الخصائص الغريبة العديدة التي أظهرتها هذه الجسيمات الدقيقة. إضافةً إلى ذلك، لوحظ على جسيمين، بعد تفاعلهما مع بعضهما البعض في مرحلة ما، أنهما “متشابكان” بطريقة يُنتِج عنها سلوك أحدهما تفاعلًا فوريًا في الآخر حتى لو لم يعودا مرتبطين بأي شكل من الأشكال وكانا مفصولة بمسافات كبيرة جدًا، وهذا ما سمّي بالتشابك.

وكان أينشتاين، على وجه الخصوص، غير مرتاح للغاية لهذا الأمر. إذ حالت نظريته “النسبية الخاصة” دون وجود أي شيءٍ ينتقل بسرعةٍ أعلى من سرعة الضوء. لذا، كان “الانتقال الآني” الذي قد يمكن بفضل التشابك الكمومي يشكّل خطرًا على تفكيك أسس الفيزياء.

اقترح أينشتاين أن هناك حلقةً مفقودة، وأن نظرية الكم لم تكتمل بعد. اعتراضاته هذه، كما تم الإعلان عنها في ورقة بحثية شهيرة عام 1935 كتبها مع بوريس بودولسكي وناثان روزين (غالبًا ما توصف بمفارقة EPR)، والحجج المضادة التي قدمها أعمدة فيزياء الكم مثل نيلز بور وآخرون هي جزء من الفلكلور العلمي، وتجعل قرائتها ممتعة وجذابة حتى بالنسبة للشخص العادي.

جون بيل يضع المعيار

في غضون ذلك، كان العلماء التجريبيون يكتشفون أن كل تنبؤات نظرية الكم تقريبًا تخضع لإطاعة الجسيمات دون الذرية. كانت النظرية بالغة الدقة، لكن المشكلة كانت تكمن في أن تجربة اختبار ظاهرة مثل التشابك لم تكن مجدية.

حتى ظهور جون بيل على الساحة، إذ أظهر الفيزيائي الشاب من أيرلندا الشمالية، في عام 1964، رياضيًا ما كان مطلوبًا أن يفعله به العلماء التجريبيون لإثبات ظاهرة التشابك من خلال “نظرية بيل” الشهيرة (تسمى أيضًا بـ “نظرية عدم المساواة”)، فإن كانت نتائج تجربته ثابتة دومًا، ستعني أن أينشتاين كان على حق. أما إذا تغيرت، فإن ذلك سيثبت تنبؤات نظرية الكم.

نتائج لا تكذب

بالعودة إلى الفائزين، كان جون كلوزر البالغ من العمر 79 عامًا أول من أجرى تجربةً لاختبار التشابك. في عام 1972، أسفرت تجاربه عن نتائج تمثل خرقًا واضحًا لـ “عدم المساواة” الخاصة ببيل. لكن المتشككين أشاروا إلى جوانب معينة من التجربة كان من الممكن أن تؤثر على نتيجة إيجابية.

ويعود الفضل إلى ألان أسبكت -شريكه في الجائزة- في تحسين اختبار كلوزر بشكلٍ كبير وإزالة جميع الثغرات التي وجدها النقاد. أسفرت تجارب أسبكت أيضًا عن نتائج انتهكت “عدم مساواة” بيل.

قد يهمّك أيضًا: حرب التكنولوجيا الباردة: الجزء الثالث – الحوسبة الكمومية

في غضون ذلك، بدأ أنطون زيلينجر وزملاؤه بالفعل في استغلال خاصية التشابك لفتح إمكانيات تكنولوجية جديدة. إذ أظهر زيلنجر لأول مرة أنه من الممكن “النقل الآني” للحالات الكمومية للجسيم إلى موقع آخر دون أن يتحرك الجسيم في أي مكان وبدون وسيط.

أثبتت هذه التجارب التي أجراها كلوزر وأسبكت وزيلينجر بشكلٍ قاطع أن التشابك كان حقيقيًا ومتوافقًا مع نظرية الكم، وأنه لم يكن مدفوعًا بأي قوى خفية كما اقترح آينشتاين وآخرين. ومع ذلك، لا يزال التفسير النظري المُرضي للظاهرة يراوغ العلماء. ولكن كما قال راجاماني فيجاياراجافان من معهد تاتا للبحوث الأساسية، فإن هذا لم يعد يزعج الجيل الحالي من العلماء بالطريقة التي اعتادوا عليها سابقًا.

“قد يكون هناك شيء سيظهر في مرحلة لاحقة لشرح ذلك. لكن في الوقت الحالي، لا يبدو أن نظرية الكم ناقصة أو تفتقد شيئًا ما. قد يبدو التشابك مخيفًا للبعض، ولا يوجد جوابٌ أو تفسيرٌ سهلٌ لذلك، لكن معظمنا يدرك أنه يتعين علينا التعايش مع وجوده ومحاولة تفسيره”

إن أحد المخاوف الرئيسية لأينشتاين أن التشابك يسمح بنقل المعلومات بسرعات أسرع من الضوء لم يكن دقيقًا تمامًا. عندما يتم إجراء عملية على أحد الجسيمات المتشابكة، يحدث هناك تفاعل فوري في الآخر. لكن لا توجد طريقة للمراقب على الطرف الآخر لمعرفة رد الفعل. إذ يجب أن يكون المراقب على علم بالعملية التي تم إجراؤها، وهذا يحدث فقط من خلال قنوات الاتصال الكلاسيكية المقيدة بسرعة الضوء.

كما ستتم الاستفادة من التشابك في الوصول إلى تشفيرٍ للبيانات غير قابل للاختراق يدعى “التشفير الكمي”، والذي يستخدم الحالات الكمية للجسيمات -مثل الفوتونات- لتشكيل سلسلة من الأصفار والواحدات، في حين أن أيّ تنصُّت بين المرسل والمستقبل سيغير هذا الخيط أو المفتاح ويلاحَظ على الفور. وحتى الآن، تستخدم تقنية توزيع المفتاح الكمي الأكثر شيوعاً الألياف الضوئية للإرسال على مدى عدة مئات من الكيلومترات، مع ثبات عالٍ ولكن فقدان كبير للقناة، بينما تستخدم تقنية رئيسية أخرى لتوزيع المفتاح الكمي المساحة الحرة بين الأقمار الصناعية والمحطات الأرضية لعمليات الإرسال على مستوى ألف كيلومتر.

ويتم الآن استخدام خاصية التشابك لبناء الجيل التالي من أجهزة الكمبيوتر، الحواسيب الكمومية، والتي تستغل السلوك الكمي للجسيمات للتغلب على التحديات التي تعتبر غير قابلة للتغلب عليها. كما يتم استخدامه لإنشاء خوارزميات اتصال آمنة ستكون محصنة ضد القرصنة.

قد يهمّك أيضًا: مسلسل “Devs”: قدرات الحوسبة الكمومية وحلمنا بالسيطرة على الواقع

تكريم مستحق

قالت الأكاديمية الملكية السويدية للعلوم -الجهة المانحة لنوبل- عن الفائزين بالجائزة: “لقد مهدت نتائجهم الطريق لتكنولوجيا جديدة تعتمد على المعلومات الكمية”.

وقال كلوزر، الذي عمل في مؤسسات بحثية عديدة مثل مختبر لورانس بيركلي الوطني وجامعة كاليفورنيا – بيركلي، خلال مسيرته المهنية، إنه شهد عمله الأولي يتدحرج ككرة ثلجية في تجارب ذات صلة أكبر بكثير. مشيرًا إلى أن القمر الصناعي الصيني “ميسيوس”، وهو جزء من مشروع أبحاث فيزياء الكم، بُني جزئيًا بناءً على النتائج التي توصل إليها.

وغرد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون مهنئًا الفائزين، مضيفًا أن “أينشتاين نفسه لم يؤمن بالتشابك الكمي! واليوم، وعود الحوسبة الكمومية تستند إلى هذه الظاهرة”.

وقال أسبكت، الأستاذ في جامعة باريس ساكلاي وإيكول بوليتكنيك – باليزو بالقرب من باريس، إنه سعيد لأن عمله ساهم في تسوية الجدل بين الحائزين على جائزة نوبل آلبرت أينشتاين -الذي كان مشككًا في فيزياء الكم- ونيلز بور -أحد آباء هذا المجال- وأضاف “هذه الجائزة اليوم تمهد الطريق أمام تقنيات الكم التي سنشهدها غدًا.”

قد يهمّك أيضًا: ماذا ستكون الاستخدامات الأولية للحوسبة الكمومية؟

وقال زيلينجر، الأستاذ الفخري بجامعة فيينا، في مؤتمر صحفي عبر الهاتف بعد سماعه النبأ بأنه “مصدوم لكن يتملكه شعورٌ إيجابي للغاية”. وفي مقابلةٍ بعد حصوله على درجة الدكتوراه الفخرية في وقتٍ سابق من هذا العام، أوضح زيلنجر أن الاتصالات الكمومية المحمية عبر آلاف الكيلومترات عبر الكابلات أو الأقمار الصناعية ستكون متاحة قريبًا. وقال حينها: “من الواضح تمامًا أنه في المستقبل القريب سيكون لدينا اتصالات كمية في جميع أنحاء العالم”.

هل أعجبك المحتوى وتريد المزيد منه يصل إلى صندوق بريدك الإلكتروني بشكلٍ دوري؟
انضم إلى قائمة من يقدّرون محتوى إكسڤار واشترك بنشرتنا البريدية.