أستمع الى المقال

ممّا لا شكّ به أن الحوسبة الكمومية ستُحدث ثورةً في مجموعة واسعة من الصناعات. ولكن مع اقتراب هذه التقنية تدريجياً من الاستخدام التجاري، ما هي حالات الاستخدام الأولى لها؟

لا تزال الحوسبة الكمومية بعيدةً عن أن تصبح سائدة أو شائعة الاستخدام. لكن حققت الصناعة بعض القفزات المهمة في عام 2021، ليس أقلها كان قيام شركة “IBM” بإزاحة الستار عن أول معالج يتجاوز الـ 100 كيوبِت. لكن التقنية لا تزال تجريبية، ولم تثبت بعد فائدتها في حل مشاكل العالم الحقيقي عمليًا، رغم وجود الإمكانيات نظريًا.

ومع ذلك، قد لا يكون هذا الإنجاز بعيدًا جدًا. إذ تهدف معظم شركات الحوسبة الكمومية إلى إنتاج أجهزة مستحملة للأخطاء (Fault-tolerant) بحلول عام 2030، أي أجهزة تستمر بالعمل في حال حدوث خطأ ما ولا تنهار، والتي يرى الكثيرون أنها نقطة الانعطاف التي سيبدأ معها عصر الحوسبة الكمية العملية.

تقنية معززة لا منافسة

لن تكون أجهزة الكمبيوتر الكمومية آلات ذات أغراض عامة. صحيحٌ أنها قادرة على حل بعض الحسابات المستعصية تمامًا على أجهزة الكمبيوتر الحالية وتسريع المعالجة بشكلٍ كبير للمستخدمين. لكن العديد من الأشياء التي تتفوق فيها على أجهزة الكمبيوتر التقليدية هي مشكلات متخصصة، ولن تحل محل أجهزة الكمبيوتر التقليدية في الغالبية العظمى من المهام.

هذا يعني أن فرص الاستفادة من هذه الثورة ستكون غير متكافئة إلى حد كبير، مما دفع المحللين في مجلة “ماكنزي” (McKinsey) إلى البحث في المستفيدين الأوائل من هذه التقنية الثورية في تقريرٍ جديد. وخلصوا إلى أن الصناعات الدوائية والكيميائية والمالية وصناعة السيارات هي التي لديها فرص استخدام واعدة على المدى القريب.

ولكن حرص الباحثون على الإشارة إلى أن وضع تنبؤات حول الحوسبة الكمومية أمرٌ صعبٌ لأن العديد من الأسئلة الأساسية لا تزال بلا إجابة. على سبيل المثال، الأهمية النسبية لكمية ونوعية الكيوبِتات أو ما إذا كان من الممكن أن تكون هناك استخدامات عملية مبكرة للأجهزة قبل تحقيق التسامح مع الخطأ.

من المهم أيضًا ملاحظة أنه حتى الآن، يوجد أقل من 100 خوارزمية كمومية تعرض تسريعًا كميًا للمشاكل الحسابية، ويمكن أن يختلف مداها بشكلٍ كبير. هذا يعني أن السؤال الأول والأهم لقادة الأعمال هو ما إذا كان هناك حل كمّي لمشكلتهم.

ولكن بالنسبة لبعض الصناعات تبدو الفوائد أوضح من غيرها. فبالنسبة لصانعي الأدوية، تبشر هذه التكنولوجيا بتبسيط عملية البحث والتطوير الطويلة وباهظة التكلفة؛ إذ يستغرق الدواء وسطيًا ​​10 سنوات من البحث و 2 مليار دولار لتطويره.

لكن يمكن أن تتنبأ المحاكاة الكمّية بكيفية طيّ البروتينات واستخلاص خصائص الجزيئات الصغيرة التي يمكن أن تساعد في إنتاج علاجات جديدة. وبمجرد العثور على العلاجات المرشحة الواعدة، يمكن أن تساعد أجهزة الكمبيوتر الكمومية أيضًا في تحسين السمات الهامة لها مثل الامتصاص والذوبان.

بالإضافة إلى البحث والتطوير، يمكن لأجهزة الكمبيوتر الكمومية أيضًا مساعدة الشركات على تحسين التجارب السريرية المستخدمة للتحقق من فاعلية الأدوية الجديدة، على سبيل المثال من خلال المساعدة في تحديد المشاركين وتجميعهم أو اختيار مواقع التجارب.

وفقًا للتقرير نفسه، يمكن أن تثبت المحاكاة الكمية أيضًا أنها أداة قوية في الصناعة الكيميائية. إذ يستخدم الكيميائيون اليوم أدوات التصميم بمساعدة الكمبيوتر التي تعتمد على تقديرات تقريبية للسلوك والخصائص الجزيئية، ولكن تمكين المحاكاة الميكانيكية الكمومية للجزيئات سيؤدي إلى توسيع قدراتها بشكلٍ كبير.

قد يؤدي ذلك إلى قطع العديد من الجولات من تجارب المحاولة والخطأ المخبرية المطلوبة عادةً لتطوير منتجات جديدة ، بدلاً من الاعتماد على المحاكاة للقيام بالرفع الثقيل ، مع التحقق المخبري المحدود لتأكيد النتائج.

يمكن لأجهزة الكمبيوتر الكمومية أيضًا أن تساعد في تحسين التركيبات المستخدمة في جميع أنواع المنتجات -من المنظفات إلى الدهانات- من خلال نمذجة العمليات الجزيئية المعقدة التي تتحكم في عملها.

وبالنسبة للصناعات الدوائية والكيميائية، لا يقتصر الأمر على تصميم المنتجات الجديدة الفعّالة. بل يمكن أن تساعد أجهزة الكمبيوتر الكمومية أيضًا في تحسين عمليات الإنتاج من خلال مساعدة الباحثين على فهم آليات التفاعل المستخدمة في إنشاء الأدوية والمواد الكيميائية بشكلٍ أفضل، أو تصميم محفزات جديدة، أو ضبط الظروف لتحسين الإنتاجية.

أما في صناعة السيارات، يمكن لهذه التقنية أن تعزز قدرات النماذج الأولية والاختبار بشكلٍ كبير. حيث ستؤدي المحاكاة الأفضل لكل شيء بدءًا من الخصائص الديناميكية الهوائية إلى السلوك الديناميكي الحراري إلى تقليل تكلفة النماذج الأولية والوصول إلى تصميماتٍ أفضل. ويمكن أن تجعل الاختبار الافتراضي ممكنًا؛ مما يقلل من عدد مركبات الاختبار المطلوبة.

وبينما يبحث صانعو السيارات عن طرقٍ أكثر مراعاة للبيئة لتزويد سياراتهم بالوقود، يمكن أن تساهم المحاكاة الكمّية أيضًا في إيجاد مواد جديدة وتصميمات أفضل لخلايا وقود الهيدروجين والبطاريات. لكن التأثير الأكبر يمكن أن يكون على الخدمات اللوجستية اليومية التي تنطوي عليها إدارة شركات السيارات الكبرى.

وتكلف اضطرابات سلسلة التوريد في صناعة السيارات حوالي 15 مليار دولار سنويًا، لكن أجهزة الكمبيوتر الكمومية يمكنها محاكاة وتحسين الشبكات العالمية المترامية الأطراف التي تعتمد عليها الشركات للحد بشكلٍ كبير من هذه المشاكل. ويمكنها أيضًا المساعدة في ضبط جداول خطوط التجميع لتقليل أوجه القصور وحتى تحسين حركات فِرق الروبوتات المتعددة أثناء تجميع السيارات معًا.

أما على صعيد الصناعة المالية، فسيستغرق تأثير الحوسبة الكمومية وقتًا أطول حتى نتمكّن من الشعور به، ولكن مع وجود مبالغ ضخمة عرضةً للمخاطر في ظل التخبطات الاقتصادية التي نشهدها، فإن الأمر يستحق أخذ التقنية على محمل الجد. إذ يمكن أن تثبت الحوسبة الكمومية أنها لا تقدر بثمن في نمذجة سلوك المحافظ الكبيرة والمعقدة للتوصل إلى استراتيجيات استثمار أفضل. كما يمكن أن تساعد الأساليب المماثلة أيضًا في تحسين محافظ القروض لتقليل المخاطر، مما قد يسمح للمقرضين بتخفيض أسعار الفائدة أو تحرير رأس المال.

خلاصة القول

يعتمد مقدار ما يمكننا تحقيقه من الحوسبة الكمومية على المسار المستقبلي لتكنولوجيا الكم. فعلى الرغم من التقدم الكبير، لا يزال هناك العديد من الأمور المجهولة، وهناك مجال كبير لحدوث التأخيرات وتخطي الجداول الزمنية المحددة. ومع ذلك، فإن إمكانات هذه التكنولوجيا الجديدة بدأت للتو في السطوع، ويبدو أنه من الأفضل لقادة الأعمال في تلك الصناعات الأكثر عرضة للاضطراب أن يبدأوا في وضع الخطط لاستخدامها.

هل أعجبك المحتوى وتريد المزيد منه يصل إلى صندوق بريدك الإلكتروني بشكلٍ دوري؟
انضم إلى قائمة من يقدّرون محتوى إكسڤار واشترك بنشرتنا البريدية.