لماذا أصبحت الإمارات واحة لكبرى شركات العملات الرقمية؟

لماذا أصبحت الإمارات واحة لكبرى شركات العملات الرقمية؟
أستمع الى المقال

أجرت شركة تبادل العملات الرقمية (بايننس) Binance محادثات مع المنظمين في الإمارات العربية المتحدة بشأن إنشاء مقر لها هناك، وذلك وفق ما أفادت وكالة بلومبرج الإخبارية في وقت سابق من شهر كانون الأول/ ديسمبر الجاري نقلًا عن مصادر مطلعة.

وذكرت مصادر بلومبرج – التي طلبت عدم الكشف عن هويتها لخصوصية المحادثات – إن المديرين التنفيذين في أكبر بورصة للعملات الرقمية في العالم من حيث حجم التداول؛ أجروا محادثات مع مسؤولين من المناطق الاقتصادية: (سوق أبوظبي العالمي)، و(مركز دبي المالي العالمي)، و(مركز دبي للسلع المتعددة) بشأن خطوة محتملة.

وترى شركة Binance في إنشاء مقر عالمي لها خطوة مهمة في سعيها لترسيخ مكانتها بوصفها مؤسسة مالية ناضجة ومُنظَّمة. مع الإشارة إلى أن الشركة كانت قد أُسست في الصين في عام 2017، وسرعان ما نمت لتصبح قوة عالمية في مجال العملات الرقمية، ولكنها آثرت التعامل مع شركات في مواقع مختلفة من العالم على إنشاء مقر لها، وذلك بهدف تجنب أن يفرض عليها المنظمون أي سلطة قضائية.

ولكن تحت ضغط المنظمين، قال المؤسس المشارك، والرئيس التنفيذي (تشانغ بينغ جاو) في شهر تموز/ يوليو الماضي إن Binance تكثف إجراءات الترخيص والامتثال، وتخطط لإنشاء مقرات متعددة. وواجهت الشركة تحقيقات وتحذيرات استهلاكية في العديد من البلدان، ومن ذلك: الولايات المتحدة، والمملكة المتحدة، واليابان، وألمانيا.

قد تتساءل عن السبب الذي يدعو شركة عالمية للعملات الرقمية بحجم Binance أن تختار الإمارات العربية المتحدة مقرًا لها، وعما يميز الإمارات عن غيرها من دول العالم ذات المراكز المالية الكبرى؟

السباق العالمي على احتضان عاصمة العملات الرقمية

وقبل الخوض في الأسباب وراء سعي العديد من شركات العملات الرقمية لإنشاء مقر لها في الإمارات، دعوني أشير إلى أننا نشرنا في وقت سابق تقريرًا عن سباق عالمي يجري الآن بين العديد من الدول لتصبح (عاصمة العملات الرقمية)، حيث استعرضنا تاريخ العملات الرقمية، وكيف أن أشهرها، وهي عملة البيتكوين كانت ولا تزال تدغدغ أحلام كثير من اللاهثين وراء الثراء السريع.

واستعرضنا في التقرير نشأة سوق مُعدّني العملات الرقمية، ثم هجرة التعدين الكبرى من الصين بعد الحملة التي شنتها بكين في ربيع 2021 على العملات الرقمية.

والآن، لنعد إلى الإمارات العربية المتحدة، وخاصةً إمارة دبي التي تعد من بين المراكز المالية الأبرز في العالم، وهي تتنافس مع سنغافورة، وسويسرا، ومناطق أخرى لتصبح مركزًا عالميًا للعملات الرقمية.

وفي ظل هذه المنافسة، تتطلع دبي إلى إصدار إطار عمل تنظيمي يتضمن ترخيص تداول العملات الرقمية. وقد وضع (مركز دبي للسلع المتعددة) هدفًا طموحًا يتمثل في احتضان أكثر من 1,000 شركة للعملات الرقمية بحلول العام المقبل.

ونفذت المناطق الحرة في دبي وأبو ظبي إطارًا متقدمًا لتشجيع رواد الأعمال في مجال العملات الرقمية على إنشاء البورصات مع وضع القواعد لحماية المستهلكين.

وقال الدكتور (مروان الزهروني)، الرئيس التنفيذي لمركز دبي لسلسلة الكتل Dubai Blockchain Centre، في مؤتمر عُقد خلال (جيتكس جلوبال) بدبي خلال شهر تشرين الأول/ أكتوبر الماضي: “قبل خمس سنوات، لم تكن ترى أشخاصًا يأتون إلى دبي للقيام بأعمال العملات الرقمية … نحن منفتحون، ومستعدون لتغيير اللوائح بما هو معقول”.

تزايد الاهتمام بالعملات الرقمية في الإمارات

ويتزايد الاهتمام بالعملات الرقمية وسلسلة الكتل أو ما يُسمى أيضًا (بلوك تشين) Blockchain، خاصةً في الإمارات العربية المتحدة، حيث يتدفق المستهلكون والمستثمرون على الأصول الرقمية مع تسارع وتيرة الدفع عبر الإنترنت.

ويخطط عدد متزايد من المستثمرين المؤسسيين ومديري الثروات في الإمارات العربية المتحدة لزيادة تعرضهم لأصول العملات الرقمية حتى عام 2023، وذلك بحسب مسح أجرته شركة Nickel Digital Asset Management البريطانية.

ومع أن مصرف الإمارات العربية المتحدة المركزي لا يرخص حاليًا العملات الرقمية، إلا أن الدولة منحت عددًا من شركات تبادل العملات الرقمية الإذن للعمل داخل المناطق المالية الحرة.

والآن يحتضن (مركز العملات الرقمية) التابع لـ (مركز دبي للسلع المتعددة) – الذي أُطلق في شهر أيار/ مايو الماضي للترويج لتقنيات العملات الرقمية وسلسلة الكتل في دبي – أكثر من 100 مؤسسة تعمل في مجال العملات الرقمية، وقد تقدمت 900 شركة أخرى بطلبات للحصول على تراخيص. وهناك أكثر من 400 شركة للعملات الرقمية تعمل في الإمارات العربية المتحدة.

وقال (أحمد بن سليم)، الرئيس التنفيذي ورئيس (مركز دبي للسلع المتعددة)، إنه واثق من أنه سيكون هناك أكثر من 1,000 شركة للعملات الرقمية في الإمارات العربية المتحدة بحلول نهاية عام 2022.

وقال (رالف غلابيشنيغ)، المؤسس والعضو في مجلس إدارة مركز العملات الرقمية السويسري CV Labs، إن السوق في دبي “سينمو على نحو أسرع مقارنةً بأي مكان آخر”، وعزا الاهتمام الحالي من المستثمرين ورجال الأعمال إلى بيئة الأعمال في الإمارة.

وأضاف غلابيشنيغ: “إن أهم شيء عند إنشاء صناعة جديدة هو الموهبة. وقد جاء الكثير من الأذكياء إلى دبي وأقاموا هنا”. ومن بينهم رئيس شركة Binance الذي اشترى حديثًا منزلًا في دبي  لإظهار جديته والتزامه.

تدابير مختلفة

واتخذت دولة الإمارات العربية المتحدة تدابير مختلفة لتعزيز تداول الأصول الرقمية وسط اهتمام متزايد. وفي شهر أيلول/ سبتمبر الماضي، وقعت هيئة الأوراق المالية والسلع صفقة مع هيئة مركز دبي التجاري العالمي لدعم تداول أصول العملات الرقمية.

كما استضافت دبي في شهر تشرين الأول/ أكتوبر الماضي معرض Dubai Crypto Expo الأول. وجاء ذلك مع تزايد اهتمام المستثمرين بالعملات الرقمية في المنطقة.

ومع هذا الحماس الذي تبديه شركات العملات الرقمية، والذي يترافق مع خطوات عملية من قبل الإمارات العربية المتحدة، قد يتبادر إلى الذهن سؤال من قبيل: لماذا تسعى الإمارات إلى أن تصبح عاصمة العملات الرقمية؟

وللإجابة عن هذا التساؤل، لا بد من التذكير بأن الإمارات تسعى منذ سنوات إلى تنويع مواردها إلى ما وراء النفط، وهي تعمل بجد لجذب أعمال جديدة إليها، ومن ذلك: صناعة العملات الرقمية.

ميزات الإمارات لجذب شركات العملات الرقمية

ومع سعي شركات العملات الرقمية إلى إيجاد سوق واعد مع قوانين ناظمة تجعلها تزدهر في إطار قانوني، والتسهيلات التي تقدمها الإمارات العربية المتحدة، فيبدو أن الأخيرة أصبحت واحة للعديد من الشركات في الصناعة، خاصةً تلك التي تسعى إلى أن يكون لها موطأ قدم في سوق الشرق الأوسط الذي تتصاعد فيه التجارة الإلكترونية.

وقال (كريستوفر فلينوس)، المؤسس المشارك لمنصة HAYVN للعملات الرقمية، العام الماضي لموقع CoinDesk إن شركته درست أكثر من مكان، ولكنها استقرت على أبوظبي لأن لوائحها “أفضل بكثير من أي شيء آخر”.

وهناك أسباب أخرى أكثر إستراتيجية للانتقال إلى أبوظبي، وذلك وفقًا لـ (تيم آرون)، مدير الصرف اللامركزي DeversiFI والمحامي في لندن، الذي قال: “إن القوانين الناظمة بأكملها في أبوظبي قد حُسنِّت إلى حد كبير مقارنةً بالمملكة المتحدة”.

ومع أن هناك دولًا أخرى تقدم نوعًا من إطار ترخيص للعملات الرقمية، إذ تمتلك مالطا وليختنشتاين أنظمة خاصة بهما للعملات، كما دمجت سنغافورة تدريجيًا الأصول الرقمية في لائحة المدفوعات الحالية، إلا أن جزءًا من جاذبية أبو ظبي، وفقًا للشركات التي تنتقل إلى هناك، هو أنها تشبه ناديًا حصريًا لشركات العملات الرقمية، وذلك بالنظر إلى أنه من الصعب للغاية أن تحصل على الترخيص هناك، إذ تحصل ما نسبته 5% فقط من الشركات التي تقدمت بطلبات مبدئية على دعوة للحصول على ترخيص من (مركز أبوظبي العالمي)، وهي عملية قد تستغرق أكثر من 14 شهرًا.

ويعتقد كثير من شركات العملات الرقمية، مثل: HYVN أن اجتياز التدقيق الصارم لأبوظبي كأنه تذكرة ستمكنها من تقديم خدماتها في دول أخرى.

الخلاصة:

قد نشهد خلال السنوات المقبلة ازدهار سوق العملات الرقمية في المنطقة في حال استمرت الإمارات العربية المتحدة في جذب شركات هذه الصناعة، وكما أصبحت دبي خلال السنوات الماضية مركزًا ماليًا عالميًا، فقد تصبح “عاصمة العملات الرقمية”.

هل أعجبك المحتوى وتريد المزيد منه يصل إلى صندوق بريدك الإلكتروني بشكلٍ دوري؟
انضم إلى قائمة من يقدّرون محتوى إكسڤار واشترك بنشرتنا البريدية.