لأجل الدولار .. أمازون تروج لبطولات رئيس الصين “المغوار”‏

لأجل الدولار .. أمازون تروج لبطولات رئيس الصين “المغوار”‏
أستمع الى المقال

تخيل معي أن تصدر دولة ما كتابًا لرئيسها ثم إذا ما انهالت عليه التعليقات والمراجعات والتقييمات السلبية، فإن الدولة لا تسحب الكتاب وتراجعه مرة أخرى لتعيد إصداره على نحو أفضل، بل تأمر المتجر الذي يبيعه بمنع كل هذا، لأنه “لا صوت يعلو فوق صوت الرئيس!”.

والآن اضمر في نفسك أسماء الدول التي قد تفعل مثل هذا الفعل؟ قد تكون أضمرت في نفسك إحدى الدول العربية، أو دول الشرق الأوسط الأخرى، أو دول أمريكا اللاتينية، أو بعض الدول الآسيوية، مثل: كوريا الشمالية، أو الصين.

إن كنت أضمرت الصين، فقد أصبت، إذ أفادت وكالة رويترز قبل أيام نقلًا عن مصدرين مطلعين بأن شركة أمازون سوّقت لمجموعة من خطابات الرئيس الصيني (شي جين بينغ) وكتاباته على موقعها الإلكتروني الصيني قبل نحو عامين، وذلك انصياعًا لمرسوم من الحكومة هناك.

لا لانتقاد كتاب الرئيس

وأصدرت بكين مرسومًا بمنع أي تقييمات أو مراجعات من العملاء على الخطابات والكتابات للرئيس في الصين، وقال أحد مصدري رويترز إن المراجعات السلبية لكتاب (شي) دفعت بكين إلى إصدار هذا المرسوم.

وتعد التقييمات والمراجعات جزءًا مهمًا من أعمال أمازون للتجارة الإلكترونية، وهي طريقة رئيسية لإشراك المتسوقين في التفاعل مع المنتجات. وقال المصدران إن أمازون امتثلت لمرسوم الحكومة. وحاليًا، يُمنع ترك أي مراجعات أو تقييمات على الكتاب الذي نشرته الحكومة في موقع أمازون الصيني، حتى أن قسم التعليقات على الكتاب مُعطّل.

ويبدو أن امتثال أمازون لمرسوم الحكومة الصينية، الذي لم يُعلن عنه من قبل، يأتي في إطار جهد أعمق استمر عشر سنوات من قبل الشركة لكسب التأييد في بكين لحماية أعمالها وتنميتها في واحدة من أكبر الأسواق في العالم.

وتحدد الوثيقة الموجزة الداخلية لشركة أمازون لعام 2018، والتي تصف أعمال الشركة في الصين، عددًا من “المشكلات الأساسية” التي واجهها العملاق الأمريكي. ومن بينها: أن “الرقابة الأيديولوجية والدعاية هما جوهر مجموعة أدوات الحزب الشيوعي لتحقيق النجاح والحفاظ عليه”، كما تشير الوثيقة إلى أن الشركة تقول “نحن لا نحكم على ما إذا كان هذا صحيحًا أم خطأً.”

وتكشف هذه الوثيقة الموجزة، والمقابلات مع أكثر من عشرين شخصًا ممن شاركوا في عمليات أمازون في الصين، كيف نجت الشركة وازدهرت في الصين من خلال المساعدة في تعزيز الأجندة الاقتصادية والسياسية العالمية للحزب الشيوعي الحاكم، ولكنها في بعض الأحيان كانت تعارض بعض مطالب الحكومة.

وفي أحد العناصر الأساسية لهذه الإستراتيجية، تُظهر الوثيقة الداخلية والمقابلات، أن أمازون دخلت في شراكة مع ذراع من أجهزة الدعاية الصينية لإنشاء بوابة بيع على موقعها في الولايات المتحدة. وتمثل هذه البوابة مشروعًا أصبح يُعرف باسم (كتب الصين) China Books.

ولم يحقق المشروع – الذي كان عرض أكثر من 90 ألف كتاب للبيع – الإيرادات المطلوبة، ولكن الوثيقة تُظهر أن أمازون رأت في المشروع نقطة حاسمة لكسب الدعم في الصين بالتزامن مع نمو أعمال الحاسوب اللوحي لقراءة الكتب الإلكترونية (كيندل) Kindle، والحوسبة السحابية، والتجارة الإلكترونية.

وتحدد الوثيقة الموجزة لعام 2018 الرهانات الإستراتيجية لمشروع China Books بالنسبة إلى (جاي كارني) – الرئيس العالمي لعمليات الضغط والسياسة العامة في أمازون – وذلك قبل رحلة قام بها إلى بكين.

وذكرت الوثيقة أن أجهزة “كيندل تعمل في الصين في منطقة سياسة رمادية”، وأشارت إلى أن أمازون كانت تواجه صعوبة في الحصول على ترخيص لبيع الكتب الإلكترونية في البلاد.

وجاء في الوثيقة أن “العنصر الأساسي للحماية” من مشكلة الترخيص مع الحكومة الصينية “هو مشروع كتب الصين”. كما أشارت الوثيقة إلى أن: “مشروع كتب الصين اكتسب أيضًا اعترافًا واسعًا بين المنظمين الصينيين”.

“الحياة المذهلة” في إقليم الأيغور

وتتضمن الكتب العديد من العناوين غير السياسية، مثل كتب اللغة الصينية، وكتب الطبخ، وقصص الأطفال قبل النوم. ولكنها تتضمن أيضًا عناوين تُضخِّم الخط الرسمي للحزب الشيوعي.

إذ يثني أحد الكتب على الحياة في إقليم شينجيانغ، حيث تحتجز الصين أكثر من مليون شخص من أقلية الأويغور المسلمة في شبكة من المعسكرات.

ويناقش كتاب (شينجيانغ المذهلة: قصص العاطفة والتراث) عرضًا كوميديًا على الإنترنت يقع في المنطقة. ويستشهد الكتاب بممثل يلعب دور أويغوري ريفي قائلًا إن العرق ليس هو المشكلة هنا. وهذا يعكس موقف بكين التي تنف إساءة معاملة الأقليات.

وتصور بعض الكتب معركة الصين ضد جائحة (كوفيد-19)، الذي بدأ في مدينة ووهان الصينية، بعبارات بطولية. وكانت إحداها بعنوان (قصص الشجاعة والتصميم: ووهان في الإغلاق ضد فيروس كورونا). ويبدأ آخر بتعليق من الرئيس (شي): “لقد أظهر نجاحنا حتى الآن مرة أخرى نقاط القوة في قيادة الحزب الشيوعي الصيني والاشتراكية الصينية.”

وقالت الشركة المملوكة للدولة التي تشارك أمازون بشأن الكتب الصينية، وهي شركة China International Book Trading، لوكالة رويترز إن المشروع هو “علاقة تجارية بين مؤسستين”.

وردًا على أسئلة رويترز، قالت أمازون إنها “تلتزم بجميع القوانين واللوائح المعمول بها حيثما تعمل، والصين ليست استثناءً”. وأضافت: “بصفتنا موقع بيع للكتب، نعتقد أن توفير الوصول إلى الكلمة المكتوبة ووجهات النظر المتنوعة أمر مهم. ويشمل ذلك الكتب التي قد يجدها البعض مرفوضة”.

وقالت أمازون إن لديها مجموعة واسعة من الكتب عن الصين، وتعمل بوابة China Books بوصفها قناة إضافية لخدمة قرائها الصينيين في الولايات المتحدة وأماكن أخرى. “وما شركة China International Book Trading إلا واحدة من ملايين شركاء البيع في جميع أنحاء العالم الذين يعرضون المنتجات في متاجرنا”.

وتوضح التفاصيل الجديدة بشأن إستراتيجية أمازون في الصين التحديات التي تواجهها الشركات الغربية في الوصول إلى أكثر الأسواق اكتظاظًا بالسكان في العالم، وأهم تلك التحديات هو التعامل مع نظام استبدادي يشدد السيطرة على الخطاب العام.

وتتناقض تنازلات الشركة مع بكين مع جهودها للالتفاف على سياسات المنظمين في دولتين كبيرتين، مثل: الهند، والولايات المتحدة.

وقد وثقت رويترز في وقت سابق من العام الحالي كيف تحايلت أمازون على اللوائح المحلية في الهند من خلال الترويج للمنتجات التي تحمل علامتها التجارية بتزويد نتائج البحث على موقعها الإلكتروني الهند.

وفي الولايات المتحدة، ذكرت وكالة رويترز بالتفصيل كيف تحايلت أمازون على قوانين الخصوصية المصممة لحماية المستهلكين. وفي كلتا الحالتين، أنكرت أمازون تفضيل منتجاتها في الهند، وقالت إنها تحمي خصوصية المستهلكين في الولايات المتحدة، ولا تبيع بياناتهم.

أمازون تفضل الامتثال على الخروج من الصين

يُشار إلى أن بعض الشركات الأمريكية استجابت لمطالب بكين من خلال مغادرة السوق، إذ خرجت ياهو حديثًا من الصين، وأعلنت (لينكدإن) التابعة لمايكروسوفت أنها ستسحب بعض خدماتها. وعزت كلتا الشركتين القرارات إلى بيئة الأعمال الصعبة في البلاد والمتطلبات التنظيمية.

وعلى النقيض من ذلك، نمت أمازون لتصبح قوة اقتصادية قوية في الصين في السنوات الأخيرة، حيث وفرت فرصًا تصديرية مربحة لآلاف الشركات الصينية، وذلك بالتزامن مع نمو وحدة الحوسبة السحابية التابعة لها. والآن تعد Amazon Web Services واحدة من أكبر المزودين للشركات الصينية على مستوى العالم، وذلك بحسب تقرير صدر هذا العام عن شركة التحليل iResearch في الصين، وأشخاص عملوا في AWS.

ومع ذلك، وبحلول عام 2018، كانت أمازون تتلقى “عددًا متزايدًا من الطلبات من هيئات المراقبة الصينية لإزالة محتوى معين، معظمه حساس سياسيًا”، وذلك وفق ما جاء في الوثيقة الموجزة التي أُعدّت في ذلك العام لكارني، الذي شغل سابقًا منصب مدير الاتصالات للرئيس الأمريكي (جو بايدن)، حينما كان بايدن نائبًا للرئيس، وسكرتيرًا صحفيًا للرئيس (باراك أوباما).

ووفقًا للوثيقة الموجزة، فقد طلبت إدارة الفضاء الإلكتروني في الصين – وهي الجهة المسؤولة عن الأمن وتنظيم المحتوى على الإنترنت – من أمازون في عام 2018 إزالة “رابط إلى فيلم الصين الجديد الرائد Amazing China بسبب تقييمات المستخدمين القاسية”.

ويشيد فيلم Amazing China بإنجازات الدولة منذ أن أصبح (شي) رئيسًا في عام 2013. وسعت إدارة الفضاء الإلكتروني إلى إزالة الرابط من IMDb، وهو موقع ويب مملوك لشركة أمازون يعرض معلومات ومراجعات عن الأفلام.

ورد مكتب أمازون في الصين على إدارة الفضاء الإلكتروني بأنه “من الصعب على أمازون الصين تلبية مثل هذه الطلبات، وسننقل الرسالة إلى مقر أمازون الرئيسي، وننتظر آرائهم بشأن الاحتمالات”، وذلك وفق ما جاء في الوثيقة الموجزة.

وما يزال الفيلم متاحةً على موقع IMDb في الولايات المتحدة. وبعد وقت قصير من الطلب، اختفت بعض المراجعات السلبية. وحتى الآن، فإن الفيلم حصل على تصنيف إجمالي قدره 2.3 فقط من أصل 10. وجاء في بعض المراجعات أن الفيلم “مثيرة للشفقة”، أو “قذارة”، أو “دعاية حكومية”.

وقالت أمازون لرويترز: “أُزيلت بعض المراجعات المقدمة لفيلم Amazon China لأنها انتهكت إرشادات محتوى مراجعة المستخدم الخاصة بنا، وكان معظمها خارج الموضوع”. وأضافت: إنه لا علم لموقع IMDb بأي طلب من أطراف خارجية (بما في ذلك الحكومة الصينية) لفعل أي شيء بشأن المراجعات لهذا الفيلم.

تاريخ أمازون في الصين

يُشار إلى أن أمازون كانت قد دخلت الصين في عام 2004 من خلال صفقة بقيمة 75 مليون دولار للاستحواذ على Joyo.com، وهي شركة لبيع الكتب والوسائط عبر الإنترنت. وبعد ذلك سعت أمازون إلى تقديم الكتب الإلكترونية وأجهزة القراءة الشهيرة Kindle إلى السوق الصينية.

ولتحقيق ذلك، عملت أمازون مع الإدارة العامة للصحافة والنشر، وهي جهة تنظيمية تشارك في رقابة الدولة في دورها كمشرف على المطبوعات في الصين. وتتولى (إدارة الصحافة والنشر الوطنية) معظم مسؤوليات (الإدارة العامة للصحافة والنشر). ويُشرف على (إدارة الصحافة والنشر الوطنية) قسم الدعاية للحزب الشيوعي، الذي كان يُعرف سابقًا باسم (قسم الدعاية).

ووفقًا لمسؤول تنفيذي سابق في أمازون شارك في محادثات مع الصين، فقد حصلت الشركة على بعض الموافقات الحكومية التي احتاجتها لبيع أجهزة Kindle والكتب الإلكترونية، وليس كلها.

وقال المسؤول التنفيذي السابق إن هذا الوضع أعطى الحكومة نفوذًا على أمازون. وجاء فريق السياسة العامة في أمازون بمشروع China Books كطريقة جديدة “للحصول على ما نريده من Kindle وأشياء أخرى”.

ووفقًا للوثيقة الموجزة، فإنه سرعان ما بدأت أمازون بالعمل مع الإدارة العامة للصحافة والنشر لإنشاء مشروع China Books. وجاء في الوثيقة إن الشركة تعتزم الترويج للبوابة للسلطات الصينية على أنها المتجر الوحيد لشركة أمازون الذي يحمل اسم دولة. وكرست أمازون العديد من الموظفين لهذا الجهد.

وفي شهر تشرين الأول/ أكتوبر من عام 2012، مُنح China Books لقب مشروع “تصدير الثقافة الوطنية الرئيسية”، من قبل مجموعة من الهيئات الحكومية الصينية، بما في ذلك الإدارة العامة للصحافة والنشر، بالإضافة إلى الكيان المعروف الآن باسم إدارة الدعاية للحزب الشيوعي الصيني. وبعد شهرين، بدأت أمازون ببيع الكتب الإلكترونية في الصين، ثم سرعان ما بدأت ببيع أجهزة Kindles.

وبحلول نهاية عام 2017، أصبحت الصين أكبر سوق عالمي لأجهزة Kindle، حيث تمثل أكثر من 40% من حجم مبيعات الجهاز عالميًا، وذلك بحسب الوثيقة الموجزة لعام 2018. وبحلول ذلك الوقت، أضافت أمازون متجرًا صينيًا للكتب الإلكترونية إلى موقعها الإلكتروني الأمريكي وترجمت 19 كتابًا.

وذهب كارني، المسؤول التنفيذي الأعلى للسياسة العامة، الذي قدم تقريرًا لمؤسس أمازون (جيف بيزوس)، إلى الصين في شهر نيسان/ أبريل 2018. وهناك، أخبر عضوًا مناوبًا في اللجنة المركزية للحزب الشيوعي أن أمازون ستبذل “كل جهد ممكن” للترويج لمشروع China Books وجعله “أكبر وأقوى”، وذلك وفق بيان صحفي لـ China International Book Trading.

ونصت الوثيقة الموجزة التي أعدت لكارني على أن: “كلًا من مشروع China Books ومتجر كيندل الصيني للكتب الإلكترونية Kindle Chinese eBook Store هما التزام أمازون في الصين الرئيسي لمساعدة الصين نحو العالمية، وهو مشروع شامل يهدف إلى الترويج للثقافة الصينية في العالم.

وفي النهاية، لم يُكتب النجاح المالي لمشروع China Books، إذ بِيع عدد قليل من الكتب، ولكن أمازون لم تهتم، واستمر المشروع للترويج لكتاب الرئيس الصيني، وبعض الكتب الأخرى التي تمجد الحزب الشيوعي و”بطولاته”.

واستمرت أمازون بالتوسع في الصين من خلال إطلاق خدمتها السحابية AWS في عام 2013، حين لم تكن هناك قوانين ناظمة للخدمات السحابية. ولكن في عام 2016، بدأت الصين تتخذ إجراءات تُصعّب على شركات خدمات الحوسبة السحابية مثل AWS على العمل في الصين. الأمر الذي اضطر أمازون إلى تسليم زمام الأمور لشركات محلية التي كانت مسؤولة عن “مراقبة وإزالة المحتوى الممنوع، وجمع المعلومات الأساسية للعملاء وتسلميها، والعمل مع السلطات الصينية للاستجابة لجميع الطلبات اللازمة”.

والآن، تستمر أعمال AWS في الصين في النمو. وحتى مع منعها من بيع الخدمات السحابية للحكومة وبعض الشركات المملوكة للدولة، فقد استطاعت AWS الوصول إلى عملاء رئيسيين في الصين، وفق ما نقلت رويترز عن مصادر مطلعة.

ومن بين تلك الشركات، شركتان صينيتان، هما (بايت دانس) ByteDance المطورة لتطبيق (تيك توك)، وشركة (هايكفيجين) Hikvision للمراقبة بالفيديو، بالإضافة إلى شركات متعددة الجنسيات، مثل: نايك، وسامسونج، وفيليبس.

وفي شهر حزيران/ يونيو الماضي، أعلنت AWS أنها ستتوسع أكثر في البلاد “لدعم متطلبات قاعدة عملائنا المتزايدة في الصين”.

الخاتمة

يبدو أن شركة آبل ليست الشركة الأمريكية الوحيدة التي تتنازل عن “مبادئها” من “أجل عيون الصين”، إذ إن الأرباح المأمولة من سوق بحجم الصين تجعل أمازون وآبل وغيرهما تنصاعان لأوامر الحزب الشيوعي الصيني.

هل أعجبك المحتوى وتريد المزيد منه يصل إلى صندوق بريدك الإلكتروني بشكلٍ دوري؟
انضم إلى قائمة من يقدّرون محتوى إكسڤار واشترك بنشرتنا البريدية.