الكابلات البحرية كمواقع للنزاع والسباق نحو السيادة على البيانات

الكابلات البحرية كمواقع للنزاع والسباق نحو السيادة على البيانات
أستمع الى المقال

تنتقل 99% من البيانات العالمية عبر الكابلات البحرية، أو كما يسميها الباحثون “الشرايين البعيدة عن الأنظار للعولمة”. وإذا توقف استخدامها لأي سبب من الأسباب، فسوف يتعطّل الاقتصاد العالمي بأكمله، إذ أن ما يقدّر بنحو 10 تريليون دولار من التحويلات المالية تعتمد عليها. هي التي تجعل تبادل البيانات كسلعة أمرًا ممكنًا. فقد مكّنت من نمو “اقتصاد البيانات العالمي”، أو الاقتصاد الذي تتداول فيه المعلومات الشخصية، من خلال توفير الأساس المادي للشركات للاستفادة من جمع البيانات ومعالجتها.

مخلّفات استعمارية

مصدر الصورة: Wikimedia Commons

غالبًا ما تخضع الكابلات إلى القانون الدولي. ومع ذلك، فإن الكثير من المؤلفات القانونية الدولية حول البيانات الرقمية تؤكد أنها شيء غير مادي أو غير ملموس أو غير إقليمي. بينما توضح هذه التصورات بعض التعقيدات التي نشأت في محاولة وضع البيانات الرقمية في الأطر القانونية الدولية القائمة، فقد يكون لها أيضًا “تأثير الصندوق الأسود”؛ وهو نوع من التحليل حيث تم تصميم صيغة لحساب المخاطر من سلسلة من المحدّدات (parameters)، ولكن هذا لا يسمح لك بمعرفة العمليات التي تؤدي من خلالها مجموعة من الأسباب إلى نتيجة معينة.

إن تصور البيانات على أنها غير ملموسة أو غير مادية يجعلها تبدو وكأنها موجودة في كل مكان، أو منتشرة بالتساوي في جميع أنحاء العالم. يحجب هذا التفاوت بين مصدر البيانات وأين تنتقل، ومن يمكنه الوصول إلى البيانات والتحكم فيها، ومن يمكنه استخدامها لأي غرض. لكن الحقيقة ليست كذلك؛ لا يتم جمع البيانات أو توزيعها أو الوصول إليها بشكل متساوٍ.

غالبًا ما تعتمد المسارات التي تنتقل إليها البيانات على الخوارزميات، وصانعي القرار في الشركات والمهندسين، والبيئات التنظيمية، والجغرافيا التجارية، ومشاريع التنمية، والأجهزة المادية. كما تخضع مسارات نقل البيانات إلى تبعيات المسار التي تم إنشاؤها بواسطة التراكبات الأولية لكابلات التلغراف التي كانت مدفوعة بالطموحات الإمبراطورية في القرن التاسع عشر، حيث تتبع العديد من الكابلات الموجودة تحت سطح البحر اليوم مسارات مماثلة. وعليه، فإنها تميل إلى “تعزيز التفاوتات العالمية الحالية”.

وبالتالي، يرتكز اقتصاد البيانات العالمي، والحوسبة السحابية، والتقنيات اللاسلكية على الكابلات البحرية، حيث تؤثر المناطق الجغرافية غير المتكافئة على السرعات والتكاليف التي تنتقل بها البيانات حول العالم، وتوافر تكنولوجيا المعلومات والاتصالات في أجزاء مختلفة من العالم، والمواقع التي يمكن فيها اعتراض الاتصالات لأغراض المراقبة أو قطعها تمامًا. ونظرًا لأن اقتصاد البيانات العالمي أصبح جزءًا جوهريًا من النشاط الاقتصادي العالمي، فإن المناطق الجغرافية غير المتكافئة للكابلات يمكن أن يكون لها تأثيرات كبيرة على التوزيع الاقتصادي العالمي.

الكابلات البحرية كمواقع للسلطة والنزاع

من المهم ألا ننظر فقط في الكيفية التي تساعد بها الأشياء المادية والبنى التحتية في تشكيل القانون الدولي وتأكيد سلطته، ولكن أيضًا كيف يساعد القانون الدولي في تسهيل بناء تلك الأشياء، وكيف يساعد التفاعل بين القانون والأهمية المادية في إنتاج أنظمة وأنماط اجتماعية. أصبحت الكابلات البحرية موقعًا للنزاع السياسي والاقتصادي والقانوني من قبل مجموعة متنوعة من الجهات الفاعلة، بما في ذلك الدول والمطورين الأفراد والشركات – النضالات التي تستمر حتى اليوم. تضمنت هذه الخلافات قضايا الملكية والسيطرة والوصول والسيادة والمطالبات الإقليمية.

في القرن التاسع عشر، على سبيل المثال، أدى ارتفاع الطلب على بلاستيك “gutta percha” الطبيعي الذي كان يُستخدم كمواد عازلة للكابلات، إلى تغيير الظروف الاقتصادية والاجتماعية والبيئية للسكان الأصليين في جنوب شرق آسيا؛ مما أثار نزاعات إقليمية شكلت الحدود التي لا تزال موجودة حتى اليوم. علاوةً على ذلك، لم تلعب الكابلات والوصول إلى الاتصالات البرقية دورًا في النزاعات الإقليمية بين القوى الاستعمارية فحسب، بل وفرت أيضًا الحجة للمطالبة الإقليمية بأراضي الجزر.

وهذا ما تجلّى مؤخرًا عندما حولت روسيا مسار حركة الإنترنت في منطقة خيرسون الأوكرانية التي تسيطر عليها عسكرياً، بحيث تم قطعها بشكل كامل مع الشبكة المركزية للإنترنت في أوكرانيا، وربطها عبر بنيتها التحتية للاتصالات.

الكابلات البحرية كسلاح هيمنة استراتيجي

مصدر الصورة: صحيفة “ذا إيكونوميست” نقلاً عن TeleGeography

بحسب صحيفة “ذا إيكونوميست”، تم مد كابل بيانات عالي السرعة ليربط – لأول مرة – إسرائيل بالمملكة العربية السعودية تحت المياه الصافية للبحر الأحمر. وتقوم شركتي جوجل “Telecom Italia” ببنائه، ومن المقرر الانتهاء منه في عام 2024. ويعِد هذا الرابط الجديد، وهو جزء من كبلين بحريين أطول يمتد على طول الطريق من فرنسا إلى الهند، بتحسين السرعة وخفض التكلفة التي يمكن أن تنتقل بها المعلومات بين أوروبا وآسيا. كما أنه يربط تحالفًا إقليميًا جديدًا بين إسرائيل ودول الخليج التي كانت تعتبرها ذات يوم عدوًا.

تكمن أهمية هذا الكابل في تغييره الجذري لوضعٍ راهن (Status Quo) امتدّ لعقود.

حاليًا، جميع كابلات الإنترنت الأخرى بين أوروبا وآسيا تمر عبر مصر على طول قناة السويس، أو تأخذ منعطفًا طويلاً للغاية حول إفريقيا. تعتقد الحكومة المصرية أن أكثر من 90% من البيانات بين هذه المناطق تمر عبر أراضيها. وتتذمر شركات الإنترنت من أن هذا الاحتكار شبه الكامل الذي يسمح لمصر بفرض رسوم عبور باهظة. كما أنهم قلقون من أن هذا الاكتظاظ يجعل بياناتهم عرضة للاضطراب.

لكن بالنسبة لإسرائيل، فإن الكابل الجديد، المسمى “Blue-Raman” (أي السحر الأزرق)، أكبر بكثير من مجموع 16 زوجًا من خيوط الألياف الضوئية التي تسيطر عليها مصر. كما أنه يمثل “ذوبان للجليد الدبلوماسي” في المنطقة. فلأكثر من سبعة عقود، تجاوزت جميع طرق التجارة وشبكات الاتصالات في الشرق الأوسط إسرائيل. وهذه المرة الأولى، منذ قيام الدولة، التي تصبح فيها جزءًا من بنية تحتية إقليمية.

لا توجد علاقات دبلوماسية بين إسرائيل والمملكة العربية السعودية، ويتكون هذا المسار رسميًا من كبلين منفصلين، أحدهما ينتهي في ميناء العقبة الأردني، والآخر يبدأ في مدينة أم الرشاش (إيلات بالعبرية) المجاورة. في الواقع، سيكون خطًا واحدًا، يتم بناؤه بدعم من الحكومتين.

السعوديون، الذين يرغبون في استخدام هذا الكابل لتوصيل الإنترنت إلى مدينة “نيوم”، وهي مدينة ذكية شمال غرب المملكة مخطط لها لتكون الأكبر في العالم والأكثر تقدمًا، لا يزالون يلتزمون الصمت. لكن محمد بن سلمان، ولي العهد، يدفع المملكة بهدوء نحو توثيق العلاقات مع إسرائيل. لكن الملك سلمان بن عبد العزيز يعتقد منذ فترة طويلة أنه لا يمكن إقامة علاقات طبيعية مع إسرائيل حتى يحقق الفلسطينيون قيام دولتهم.

ومع ذلك، فقد منح السعوديون مباركتهم لجيرانهم في الخليج العربي لتحسين علاقاتهم مع إسرائيل. ففي 14 فبراير/شباط من هذا العام، أصبح نفتالي بينيت أول رئيس وزراء إسرائيلي يزور البحرين. قال أحد أعضاء الوفد الإسرائيلي حينها: “لن نكون هنا لو لم نكن على اتفاقٍ كامل مع السعوديين”.

وعليه، من غير المستبعد، أن تكون الأهمية الاستراتيجية لشبكة الكابلات البحرية الجديدة في الشرق الأوسط عاملاً مفصليًا في تغبير شكل العلاقات لدى مجموعة من البلدان التي كانت، حتى وقت قريب، ألدّ أعداء.

وهذا ليس المثال الوحيد للسعي للهيمنة من خلال الكابلات البحرية، نحو الشرق قليلاً، تم إطلاق مشروع طريق الحرير الرقمي في الصين في عام 2015 كعنصر من عناصر رؤية بكين الواسعة لربط العالم ببعضه، “مبادرة الحزام والطريق”. وحاله حال المبادرة الأم، فإن طريق الحرير الرقمي لا يتكوّن من كتلة واحدة، بل يضم العديد من الجهات الفاعلة على جميع المستويات عَبر القطّاعين العام والخاص في الصين.

ويهدف طريق الحرير الرقمي إلى تحسين الاتصال الرقمي في البلدان المشاركة، مع اعتبار الصين المحرك الرئيسي للعملية. وبشكلٍ عام، يهدف المشروع إلى تطوير وإمكانية التشغيل البيني للبنية التحتية الرقمية الحيوية؛ مثل كابلات البيانات الأرضية والبحرية، وشبكات الجيل الخامس الخلوية، ومراكز تخزين البيانات، وأنظمة الملاحة عبر الأقمار الصناعية العالمية.

أثر مرئي لبيانات غير مرئية

إن تصوّر البيانات على أنها غير مادية أو غير ملموسة أو غير إقليمية يعيق من التأطير الاجتماعي للبنى التحتية مثل الكابلات البحرية التي تمكّنها من التحرك في جميع أنحاء العالم. فمن خلال إظهار وتوضيح دور هذه البنى التحتية التي تبدو غير مرئية، قد لا يكون لدينا فقط فهم أفضل لكيفية بنائها اجتماعيًا وقانونيًا، ولكن أيضًا تحديد المواقع المتعددة للسلطة والسياسة والخلافات التي سببتها، تاريخيًا وفي الوقت الحاضر. علاوةً على ذلك، فإن النظر في البنية التحتية المادية للبيانات الأساسية قد يسمح لنا بتسليط الضوء على القضايا التي قد يتم التغاضي عنها لولا ذلك.

على سبيل المثال، قد نفهم بشكل أفضل كيف سهلت الأنظمة القانونية الدولية، مثل اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار “UNCLOS” تطوير البنى التحتية التي تمكّن اقتصاد البيانات العالمي اليوم والأدوار التي تلعبها هذه الأنظمة في تشكيل تكوينات هذه البنى التحتية، حاليًا ومستقبلاً.

هل أعجبك المحتوى وتريد المزيد منه يصل إلى صندوق بريدك الإلكتروني بشكلٍ دوري؟
انضم إلى قائمة من يقدّرون محتوى إكسڤار واشترك بنشرتنا البريدية.