السباق العالمي على احتضان عاصمة العملات الرقمية، فلمن سيكون الظفر؟

السباق العالمي على احتضان عاصمة العملات الرقمية، فلمن سيكون الظفر؟
أستمع الى المقال

أعلنت السلفادور مطلع شهر أيلول/ سبتمبر الماضي رسميًا عن الاعتراف بأشهر العملات الرقمية، وهي البيتكوين بوصفها عملة رسمية في البلاد، لتصبح بذلك أول دولة في العالم تفعل ذلك.

وبالاعتراف بعملة البيتكوين الرقمية في السلفادور أصبح بإمكان مواطنيها البيع والشراء باستخدام العملة الرقمية بصورة قانونية، وذلك إلى جانب الدولار الأمريكي الذي كان حتى ذلك التاريخ؛ العملة الرسمية للبلاد.

وبعد إعلان السلفادور عن هذه الخطوة، أخذت أنظار عشاق العملات الرقمية في جميع أنحاء العالم تتطلع إلى أن يزيد عدد الدول التي تعترف بما يعتقد كثيرون أنها ستكون عِماد الاقتصاد العالمي بدلًا من الدولار؛ وحتى الذهب، خاصةً في ظل التضخم الذي يضرب في الوقت الراهن الولايات المتحدة الأمريكية، وكافة أنحاء العالم.

تاريخ العملات الرقمية

ولكن بدلًا من الحديث عن اعتراف السلفادور بالعملات الرقمية رسميًا وما جرى بعد ذلك، دعونا الآن نرجع إلى بداية الحكاية؛ كيف نشأت هذه العملات؟ وكيف قُوبلت؟ ولماذا كل هذا الضجيج العالمي المصاحب لها؟

فلنرجع بالتاريخ إلى بُعيد الأزمة المالية العالمية التي انفجرت في شهر أيلول/ سبتمبر 2008، والتي عُدَّت من أسوأ الأزمات التي تضرب الاقتصاد العالمي بعد الكساد الكبير سنة 1929، حيث بدأت في الولايات المتحدة الأمريكية ثم امتدت إلى دول العالم لتشمل الدول الأوروبية، والدول الآسيوية، ودول الخليج العربي، وغيرها من الدول النامية التي يرتبط اقتصادها مباشرةً بالاقتصاد الأمريكي.

وفي عام 2009، ظهرت عملة البيتكوين إيذانًا بعصر جديد من العملات الرقمية التي لا تزال حتى اليوم محل أخذ ورد في جميع أنحاء العالم، وذلك بين من يُبشر بها، وبين من يتوجس منها بالنظر إلى أنها – بخلاف العملات التقليدية – ليست ملموسة ولا مركزية، إذ لا يُصدِرها، أو يعتمدها، أو يُنظّمها أي بنك مركزي في العالم.

فبدلًا من ذلك، يجري إنشاؤها من خلال إجراء عمليات حاسوبية تُعرف العملية باسم التعدين، وتتمثل هذه العمليات في أن يتمكن الناس من حلّ معادلات رياضية صعبة باستخدام الحواسيب ليظفر الأسرع منهم بمقدار من البيتكوين يُضاف إلى محفظته.

ولأن المعاملات المالية التي تجري بعملة البيتكوين تُنظَّم في سلسلة من الكتل التي تهدف إلى منع التزويد والاحتيال، فإنه يُطلق على التقنية الحاكمة لهذه العملات الرقمية اسم (سلسلة الكتل) Blockchain.

عملة البيتكوين تدغدغ أحلام كثيرين

وعلى الرغم من طبيعتها المتقلبة، دغدغت البيتكوين خلال السنوات الأخيرة أحلام كثير من اللاهثين وراء الثراء السريع، فمن منا كان يتخيل أن عتادًا حاسوبيًا يحل معادلات رياضية يستطيع أن يدر عليك عملة رقمية الوحدة الواحدة منها تساوي (لحظة كتابة هذا التقرير) 64,099 ألف دولار أمريكي.

ومع أن البيتكوين كانت في أول أيامها لا تساوي إلا بضعة دولارات أمريكية، إلا أنها الآن تساوي عشرات الآلاف من الدولارات، ولكن أذكر قبل سنوات حين كانت الوحدة الواحدة من البيتكوين تساوي بضع عشرة ألف دولار، أخذت أنظار الناس من الأفراد تتوجه نحو هذه العملة التي تَعِدُهم بالثراء، فكان الناس يهرعون لشراء الحواسيب القوية مع بطاقات الرسوميات التي تُمكّنهم من التعدين وجني هذه العملة الواعدة.

وبعد الصعود الهائل في قيمة البيتكوين في عام 2017 حتى قاربت 20,000 دولار في 15 كانون الأول/ ديسمبر من ذلك العام، ونظرًا لطبيعتها المتقلبة، انخفضت قيمتها إلى مستويات متدينة جدًا نسبيًا بعد عام تمامًا، ففي 15 كانون الأول/ ديسمبر 2018 تدنت قيمة العملة إلى نحو 3,000 دولار، ليخفُت معها – مؤقتًا – نجم البيتكوين، ولكن في أماكن متفرقة من العالم كانت آمال كثير من الناس لا تزال مُعلّقة بهذه العملة.

نشأة سوق مُعدّني العملات الرقمية

وخلال هذه المسيرة للعملة الرقمية، نشأت بين الناس مجموعة تُعرف باسم مُعدّني البيتكوين الذين أصبح شغلهم الشاغل تعدين البيتكوين. وينتشر مُعدّنو البيتكوين في جميع أنحاء العالم.

وإذا نحيّنا جانبًا الوضع القانوني لتعدين العملات الرقمية، فإنه تجدر الإشارة إلى أن تعدينها يعتمد على العمليات الحاسوبية التي تختلف عن العمليات الحاسوبية اليومية في أنها تستهلك قدرًا هائلًا من الطاقة الكهربائية، الأمر الذي يجعل تعدين البيتكوين لا يقوم فقط على عتاد قوي، بل على طاقة كهربائية متاحة بأقل الأسعار.

وبحسب موقع CryptoCompare.com، فإن تكلفة الطاقة الكهربائية المستهلكة في سنة للحصول على 3,600 دولار من البيتكوين هو 1,576 دولارًا، وذلك وفق حسابات خاصة، إذا افترضنا أن الوحدة الواحدة من البيتكوين تساوي 64,121 دولارًا أمريكيًا.

لذا، فإن تعدين البيتكوين ليس بالأمر الهين، وهو ما دفع المُعدّنيين إلى البحث عن الدول التي توفر الطاقة الكهربائية بأقل الأسعار، فكانت خلال السنوات الماضية بعض الدول تُشتهر بأنها قِبلةٌ لمُعدّني البيتكوين، ومن أبرز تلك الدول كانت الصين.

ولأن الصين هي من دول الحزب الواحد، فإن صعود عملة رقمية بعيدًا عن أنظارها وسيطرتها شكّل لها هاجسًا دفعها في النهاية إلى أن شنت في ربيع 2021 حملة على العملات الرقمية ومُعدّنيها. وهو الأمر الذي جعل الولايات المتحدة الأمريكية الوجهة الأولى لمُعدّني عملة البيتكوين الرقمية، متجاوزةً الصين لأول مرة على الإطلاق.

هجرة التعدين الكبرى

ومع أن المؤشرات كانت تظهر أن الولايات المتحدة تتجه بالفعل نحو التفوق على الصين، إلا أن البيانات الجديدة التي صدرت عن جامعة كامبريدج منتصف شهر تشرين الأول/ أكتوبر الماضي جعلتها رسمية.

وبحسب بيانات جامعة كامبريدج، فإنه اعتبارًا من شهر تموز/ يوليو الماضي، فإن 35.4% من قوة الحوسبة الجماعية لمُعدّني البيتكوين كانت موجودة في الولايات المتحدة. وهذه تمثل زيادة قدرها 428% مقارنةً بشهر أيلول/ سبتمبر 2020.

ويبدو أنه على الولايات المتحدة جزئيًا أن تشكر الصين على هيمنتها الجديدة في صناعة التعدين. إذ إنه قبل 12 شهرًا، كانت الصين رائدة السوق من حيث معدل التجزئة، وذلك بفارق كبير، ولكن حملة بكين على العملات الرقمية في الربيع أدت إلى توقف نصف مُعدّني البيتكوين في العالم عن العمل بين عشية وضحاها.

وبدأ مُعدّنو البيتكوين في الفرار من الصين بصورة جماعية، متجهين إلى أرخص مصادر الطاقة على هذا الكوكب فيما أطلق عليه “هجرة التعدين الكبرى”. وقد انتهى المطاف بمجموعة كبيرة منهم في الولايات المتحدة.

ورأى كثير من مُعدّني البيتكوين المهاجرين في الولايات المتحدة ملجأً لهم، خاصةً أن ولاية مثل تكساس تتمتع بأنها واحدًا من أرخص المدن في العالم من ناحية أسعار الطاقة، مما جعلها وجهة مفضلة لهم. كما تمتاز الولايات المتحدة بأنها مليئة أيضًا بمصادر الطاقة المتجددة. وتعد ولاية واشنطن قبلة المُعدنين الذي يعتمدون على الطاقة المائية.

أما عن الدولة الثانية بعد الولايات المتحدة التي جذبت مُعدّني البيتكوين، إذ اختار بعضهم التوجه نحو كازاخستان التي أصبحت تستحوذ على 18.1% من سوق تعدين العملات الرقمية. ويعود الفضل في ذلك إلى أنها موطن لمناجم الفحم التي توفر إمدادًا وفيرًا ورخيصًا للطاقة، ولكنها أيضًا تسبب انبعاثات كبيرة من ثاني أكسيد الكربون.

ولكن يُعتقد أن كازاخستان – المجاورة للصين – تُمثّل محطة مؤقتة لكثير من المُعدّنين الذين يتطلعون إلى الذهاب إلى الغرب، خاصةً أنه من المحتمل أن ينقص شعبية كازاخستان بسبب القانون الذي وقعه الرئيس حديثًا، والذي سيفرض ضرائب إضافية على مُعدّني العملات الرقمية بدءًا من عام 2022.

ولكن في الغرب الذي تتطلع إليه أنظار المُعدّنين، هناك دولة ليست من الدول الكبرى، ولكنها تسعى إلى أن تكون العاصمة العالمية للعملات الرقمية، وهي أوكرانيا.

هل تصبح أوكرانيا عاصمة العملات الرقمية

والآن، لنعد إلى السلفادور، فبعد أن اعترفت بعملة البيتكوين رسميًا في 7 أيلول/ سبتمبر الماضي، وبعد يوم واحد فقط أعلنت أوكرانيا في 8 أيلول/ سبتمبر عن وضع بعض القواعد الأساسية لسوق العملات الرقمية. ففي تصويت بالإجماع تقريبًا، اعتمد البرلمان الأوكراني قانونًا يُقنن العملات الرقمية ويُنظّمها، وذلك أن طُرح مشروع القانون في عام 2020.

وحسب تقرير مُطوَّل نشرته أمس الأحد صحيفة نيويورك تايمز، وعنونته بـ “العاصمة العالمية للتشفير”، استعرضت فيه كيف يُسعى إلى أن تصبح أوكرانيا؛ الدول الواقعة بين روسيا وأوروبا، العاصمة العالمية للعملات الرقمية، فإن حكومة البلاد التي ينخرها الفساد قد تصبح بيئة خصبة لتعدين البيتكوين.

وحتى تاريخ اعتماد قانون تقنين العملات الرقمية وتنظيمها، كان التعدين في المنطقة القانونية الرمادية، إذ كانت الحكومة تسمح للمواطنين بشراء وتبادل العملات الرقمية، ولكن عين الرقابة كانت تلازم الشركات والبورصات التي تتعامل بها، فهي ترى في الأمر “عملية احتيال”، وكانت تداهم الشركات ذات الصلة بالعملات الرقمية، وذلك وفق ما ورد في تقرير (نيويورك تايمز).

وبخلاف خطوة السلفادور التي اعتمدت البيتكوين عملة قانونية، فإن قانون التشفير الأوكراني لا يسهل طرح البيتكوين كطريقة للدفع، ولا يضعها على قدم المساواة مع (الهريفنيا)، العملة الوطنية للبلاد.

وبحلول عام 2022، تخطط الدولة لفتح سوق العملات الرقمية للشركات والمستثمرين. وكان كبار المسؤولين الأوكرانيين يروجون أيضًا لمصداقيتهم في شارع التشفير للمستثمرين وصناديق رأس المال الاستثماري في وادي سيليكون.

وفي زيارة رسمية إلى الولايات المتحدة في شهر آب/ أغسطس الماضي، تحدث الرئيس (فولوديمير زيلينسكي) عن “السوق المبتكرة القانونية للأصول الافتراضية” في أوكرانيا كنقطة بيع للاستثمار. وقال (ميخايلو فيدوروف)، وزير التحول الرقمي الأوكراني، إن “البلاد تعمل على تحديث سوق الدفع حتى يتمكن بنكها الوطني من إصدار عملة رقمية”.

وبمراجعة أخبار العملات الرقمية خلال الأشهر الماضية، نجد أن السلفادور وأوكرانيا ليستا الدولتين الوحيدتين اللتين تتطلعان إلى المغامرة في قبول حتمية الاعتراف بالعملات الرقمية، إذ أصدرت كوبا، ذات الفكر الاشتراكي الماركسي، قانونًا للاعتراف بالعملات الرقمية وتنظميها، مشيرةً إلى “أسباب تتعلق بالمصالح الاجتماعية والاقتصادية”.

الولايات المتحدة تسعى للهيمنة

وفي 19 تشرين الأول/ أكتوبر الماضي، بدأت الولايات المتحدة بتداول أول صندوق تداول أمريكي للعقود الآجلة بعملة البيتكوين، وهو تطور رجح المشاركون في السوق أن يدفع الاستثمار نحو الأصول الرقمية.

وضمن الولايات المتحدة، تتنافس بعض الولايات على أن تصبح “مركزًا لصناعة العملات الرقمية”، إذ قال (إريك آدمز) – عُمدة مدينة نيويورك المنتخب – إنه يرغب في الحصول على أول ثلاثة شيكات من راتبه بعملة البيتكوين مشيرًا إلى نيته في جعل نيويورك “مركزًا لصناعة العملات الرقمية”.

وبدا أن تعليقات آدمز كانت محاولة منه للتفوق على خصمه عمدة ولاية ميامي (فرانسيس سواريز) – الذي قال بالفعل في تغريدة له على خدمة التواصل الاجتماعي تويتر إنه سيحصل على أول شيك من راتبه بعملة البيتكوين، بعد إعادة انتخابه. وأضاف أنه يود جعل ميامي مركزًا للابتكار في مجال العملات الرقمية.

الخاتمة

وفي النهاية، هل يا تُرى سيُعيد التاريخ نفسه؟ فكما حدث في القرن العشرين حين أقنعت الولايات المتحدة دول العالم باعتماد الدولار الأمريكي بوصفه مرجعًا لتحديد سعر عملات الدول الأخرى، خاصةً أنه ظل لمدة طويلة العملة الوحيدة على مستوى العالم المغطاة بالذهب.

والآن، وفي ظل التململ الدولي والعالمي من الهيمنة الاقتصادية الأمريكية وبزوغ قوى اقتصادية أخرى، مثل: الصين، والدول الأوروبية، فضلًا عن استمرار الاضطرابات والتقلّبات الاقتصادية التي يشهدها العالم، مثل: الأزمة المالية الآسيوية عام 1997، والأزمة المالية العالمية 2008، ومع انتشار مفاهيم “حرب العملات” و”الحروب التجارية” و”حروب الطاقة”، إلى آخره وصولاً إلى عالم ما بعد كورونا وأعنف الأزمات الاقتصادية شدّة في العصر الحديث، بحسب توصيف التقارير الدولية، فتتباين آراء المعنيين والمتخصّصين بشأن قدرة الدولار الأميركي على استمرار هيمنته على الاقتصاد العالمي، وما إذا كانت رحلة صعوده قد أوشكت على الانتهاء.

وبعد أن تصبح العاصمة العالمية للعملات الرقمية، فهل تعود الولايات المتحدة للهيمنة على الاقتصاد العالمي من خلال العملات الرقمية هذه المرة؟ ما رأيكم؟

هل أعجبك المحتوى وتريد المزيد منه يصل إلى صندوق بريدك الإلكتروني بشكلٍ دوري؟
انضم إلى قائمة من يقدّرون محتوى إكسڤار واشترك بنشرتنا البريدية.