أستمع الى المقال

هل سبق لك أن حاولت تذكر معلومة ما؟ ولكن بدلًا من الصبر قليلًا حتى تذكرها؛ اخترت البحث عنها في الإنترنت ؟

قد يمر كثير منا بهذا الموقف، ولكن ما تأثير استسهال البحث عن المعلومات التي تعلمناها سابقًا في الإنترنت على أدمغتنا؟ وهل جعلنا الإنترنت نعتقد بأننا أذكى مما نحن عليه فعليًا؟

وللإجابة على هذا التساؤل، دعونا نرى ماذا يقول (أدريان وارد)، الذي يدرس علم النفس بوصفه أستاذًا مساعدًا للتسويق بجامعة تكساس في مدينة أوستن الأمريكية، عن الأمر. وهو الذي نشر دراسة توضح تأثير سهولة الوصول إلى المعلومات على الإنترنت على أدمغتنا.

البحث في جوجل أو إجهاد الدماغ في التذكر

قال (وارد)، إنه يحب، بين الحين والآخر، اختبار قدرته على التذكر في مواجهة محرك البحث الأكثر استخدامًا على الإنترنت: جوجل. وقال أيضًا إنه يمر بأوقات يجد في نفسه الدافع للبحث عن شيء ما في جوجل، ولكنه لا يفعل ذلك، والسبب، وفق قوله: “لأنني أريد أن أرى ما إذا كان بإمكاني استدعاء ذلك من الذاكرة”.

قد يكون هذا التحدي مألوفًا لأي شخص لديه هاتف ذكي في جيبه ولا يتذكر تمامًا العام الذي صدر فيه ألبوم مفضل أو اسم ممثل في فيلم قديم. فيكون أمام خيارين: إما أن يخرج هاتفه ويبحث عنه في جوجل؟ أو يُجهد دماغه في التذكر؟

ويُعتقد أن هذا الاختيار تجاوز كونه وسيلة لاختبار تذكرنا للمعلومات. فمع أن أولئك الذين يعتمدون على محركات البحث، مثل: جوجل، قد يحصلون على الإجابات الصحيحة، إلا أن الأمر قد ينتهي بهم أيضًا إلى الاستخفاف بمدى قوة ذاكرتهم، وذلك وفق ما جاء في الدراسة التي نشرها (وارد) في شهر آب/أغسطس الماضي.

وقد عزت تلك الدراسة الأمر إلى أن البحث عبر الإنترنت سلسل للغاية ومتوفر دائمًا بحيث لا يُتاح للناس غالبًا فرصة تجربة إخفاقهم في تذكر الأشياء. وتعد نتائج الدارسة جزءًا من موجة من الأبحاث الجديدة التي أُجريت في السنوات الأخيرة لفحص التقاطع بين الإنترنت والذاكرة البشرية.

وقال (وارد) إن تداعيات الأمر قد تكون بعيدة المدى، وهي يشمل، على سبيل المثال، انتشار المعلومات السياسية الكاذبة. وقد استشهد بسنوات من البحث في كيفية اتخاذ الناس للقرارات، إذ إن الأشخاص الذين لديهم ثقة زائدة بمعلوماتهم التي يستقونها من محركات البحث يصبحون أكثر تشبثًا بآرائهم السياسية والعلمية.

ويحاول كادر من العلماء في مجال الإدراك، وعلماء النفس، والباحثين الآخرين فهم ما يعنيه أن نستدعي الذكريات التي تتشكل أحيانًا بواسطة التقنية.

وقال (وارد) إن الأمر يرقى إلى إعادة التفكير في كيفية عمل الذاكرة مع كل تطور جديد للأجهزة الرقمية، وهو يعتقد أن هذا التطور يؤدي إلى طمس الخط الفاصل بين العقل والإنترنت في شيء قد يُنظر إليه يومًا ما على أنه “عقل الإنترنت”، على حد وصفه.

والآن، تعمل صناعة التقنية أكثر على طمس ذلك الخط الفاصل بين العقل والإنترنت، إذ تستكشف شركات، مثل: آبل، وفيسبوك إطلاق نظارات تسهل على الإنسان جعل الحاسوب أمام أعينهم طوال الوقت، في حين تستكشف شركة Neuralink، التابعة لرائد الأعمال الشهير (إيلون ماسك)، زرع أجهزة في الدماغ بعد اختبارها بالفعل على القرود.

ومع أن العواقب المحتملة البعيدة المدى لهذا الاتجاه ليست معروفة بعد، إلا أن الأبحاث تعطي أدلة بشأن ما يعينه الاعتماد بشدة على التقنية للتذكر.

الاعتماد على التقنية في التذكر

وجدت دراسة أجريت عام 2019 أن الذاكرة المكانية المستخدمة للتنقل عبر العالم تميل إلى أن تكون أسوأ بالنسبة للأشخاص الذين يستخدمون تطبيقات الخرائط وأجهزة GPS على نحو مكثف. كما وجدت دراسات متعددة كيف يمكن تغيير عمل الذاكرة بفعل النشر على وسائل التواصل الاجتماعي، مما يؤدي أحيانًا إلى تحسين التذكر؛ وفي أوقات أخرى يؤدي الأمر إلى النسيان.

وفي بحث (وارد)، الذي نُشر في شهر تشرين الأول/أكتوبر في مجلة Proceedings of the National Academy of Science of the United States، استخدم سلسلة من ثماني تجارب لاختبار كيف استخدم الأشخاص معرفتهم الخاصة عند إكمالهم اختبارات قصيرة عن المعلومات العامة. وفي تلك التجارب، أُتيح لبعض المشاركين الوصول إلى جوجل أثناء الإجابة عن الأسئلة، فيما لم يُتح ذلك لآخرين.

ووجد (وارد) أن الأشخاص الذين استخدموا جوجل كانوا أكثر ثقة في قدرتهم على التفكير والتذكر، وتوقعوا متوهمين أنهم سيعرفون الإجابات على نحو أفضل في الاختبارات المستقبلية دون مساعدة الإنترنت.

تأثير جوجل

قد أشار بحث سابق عام 2011 إلى هذا الأمر باسم “تأثير جوجل”، حيث يقل احتمال تذكر الناس للمعلومات والاحتفاظ بها إذا كانوا يعرفون أنها متاحة بسهولة على الإنترنت. الأمر الذي يقودنا إلى السؤال التالي: “هل يجعلنا جوجل أغبياء؟”

في مقال نُشر عام 2008 في مجلة The Atlantic، تساءل الكاتب الأمريكي المتخصص في مجال التقنية، والأعمال، والثقافة (نيكولاس كار): “هل يجعلنا جوجل أغبياء؟”

وقد جادل (كار)، الذي نشر عام 2010 كتابًا بعنوان: The Shallows: What the Internet Is Doing to Our Brains، بأن الإنترنت ككل، وليس جوجل فقط، يعمل على “تقويض قدرتنا على التركيز والتفكير”. كما أنه أبدى قلقه من أن الإنترنت “يعيد برمجتنا”.

ومع ذلك، أشار (كار) أيضًا إلى أنه يجب علينا “أن نكون متشككين في شكوكه”، لأنه ربما يكون ممن هم “نزّاعون إلى القلق”، وأضاف: “مثلما يوجد ميل لتمجيد التقدم التقني، فهناك نزعة معاكسة لتوقع أسوأ ما في كل أداة أو آلة جديدة”.

وقد أثار المقال وكتاب (كار) نقاشًا مستمرًا داخل وخارج الإنترنت بشأن كيفية تغيير الوسيلة للطرق التي نفكر بها، وكيف نتفاعل مع النص ومع بعضنا بعضًا، ومع نسيج المجتمع ككل.

وفي ضوء سؤال (كار)، سأل موقع ProCon أكثر من 13,403 خلال المدة بين شهري نيسان/أبريل 2021، ونيسان/أبريل 2022، عن أفكارهم بشأن كيفية تأثير الإنترنت على أدمغتهم وما إذا كانت المعلومات عبر الإنترنت موثوقة وجديرة بالثقة.

فبينما وافق نوعًا ما 52 في المئة، أو وافقوا بشدة على أن وجودهم على الإنترنت قد تسبب في انخفاض مدى انتباههم وقدرتهم على التركيز، أعتقد 22 في المئة فقط أن الإنترنت تسبب لهم في فقدان القدرة على أداء مهام بسيطة مثل قراءة الخريطة.

ولم يوافق 39 في المئة من المستجيبين أو عارضوا بشدة أن معظم المعلومات على الإنترنت موثوقة، في حين كان 36 في المئة منهم محايدين بشأن السؤال.

ونتيجة لذلك، أعتقد 43 في المئة أن الكثير من المعلومات على الإنترنت خطأ، واعترف 59 في المئة بصعوبة تحديد ما إذا كانت المعلومات على الإنترنت صادقة أم لا. وأراد 77 في المئة منهم أن يكون هناك طريقة أكثر فاعلية لإدارة وتصفية المعلومات على الإنترنت للتمييز بين الحقيقة والرأي والمعلومات الخطأ.

الخاتمة

مما لا شك فيه أن كثيرًا من الناس أصبحوا؛ بعد ظهور الإنترنت ، أقل ميلًا لبذل المجهود الفكري لحفظ الأشياء، أو حتى تذكرها، كما أن عصر الهواتف الذكية ووابل الإشعارات التي تمطرنا بها تك الأجهزة كل لحظة تقريبًا، تجعل مسألة الانتباه لمدة طويلة أمرًا بعيد المنال. لذا، يبدو أن الكسل في إجهاد أدمغتنا يجعلنا أقل ذكاءً من الأجيال السابقة، وهو ما تثبته الدراسات التي تؤكد انخفاض معدلات اختبارات الذكاء IQ في العقود الماضية.

هل أعجبك المحتوى وتريد المزيد منه يصل إلى صندوق بريدك الإلكتروني بشكلٍ دوري؟
انضم إلى قائمة من يقدّرون محتوى إكسڤار واشترك بنشرتنا البريدية.