انهيار “FTX”: هل تحكم مركزية التنافس الرأسمالي التقليدي عالم التشفير اللامركزي؟

انهيار “FTX”: هل تحكم مركزية التنافس الرأسمالي التقليدي عالم التشفير اللامركزي؟
أستمع الى المقال

قالت “باينانس” (Binance)، أكبر بورصة لتداول العملات المشفرة في العالم من حيث الحجم، يوم الثلاثاء إنها ستشتري منافستها الرئيسية FTX، واحدة من أكبر منصات تداول العملات المشفرة أيضًا، والتي كانت في يومٍ من الأيام الثانية على سلم ترتيب الحجم بعد “باينانس”؛ مما كان من شأنه أن ينقذ FTX من أزمتها التي سنأتي إليها أدناه ويمثل أحد أكثر الأحداث إثارة للصدمة في تاريخ العملات المشفرة حتى الآن.

لكن عادت “باينانس” في وقتٍ متأخر من مساء أمس الأربعاء وقلبت التوقعات، قائلةً إن المشكلات في FTX “خارجة عن إرادتنا أو قدرتنا على المساعدة”، معلنةً انسحابها الكلي من صفقة الاستحواذ.

شوّهت هذه الأحداث سمعة وثروات مدير FTX التنفيذي سام بانكمان-فرايد، المستثمر البالغ من العمر 30 عامًا والذي كان، حتى وقت قريب، يُعتبر عبقري التشفير لدرجة أن وضعته مجلة “فورتشن” على غلاف أحد أعدادها كاتبةً “هل هو وورِن بافيت الجديد؟”. لكن وفقًا لمؤشر بلومبيرج للمليارديرات، نسف انهيار FTX صافي ثروة بانكمان-فرايد بنسبة 94%، من 16 مليار دولار إلى أقل من مليار دولار.

وبعد عامٍ تم فيه تمزيق الثقة في العملات المشفرة بسبب انهيار صندوق التحوط “Three Arrows Capital”، والمقرض “Celsius”، وعملة “تيررا-لونا” (المعروفة باسم “لونا”) المستقرة، كان قصة انهيارٍ آخَر آخِر ما تحتاجه صناعة التشفير.

تأثير كرة الثلج

أثارت الأحداث اضطرابًا في أسواق العملات المشفرة برمّته، مما أدى إلى انخفاض أسعار عملات البيتكوين والعملات الأخرى إلى أدنى مستوياتها في عامين. كما كان رمز شبكة “Solana”، المنافسة لشبكة “إيثيريوم” الذي يعرف  باسم “SOL”، والذي تمتلك فيه FTX حصةً كبيرة، أحد أكبر الخاسرين – حيث انخفض بنسبة 50% تقريبًا يوم الأربعاء، وانخفض بنسبة 93% عن أعلى مستوى له في عام 2021.

وانخفض سعر عملة بيتكوين، الدليل الرئيسي لصعود السوق أو هبوطه إلى أدنى مستوى له منذ أربع سنوات ليصل إلى 16800 دولار أميركي عند تحرير هذا التقرير، أي أن تلك الأحداث، التي استغرقت أقل من أسبوع، سببت المزيد من ارتباك السوق الذي يُعرف بارتباكه.

بداية الانهيار

بدأت القصة مع بعض المستندات التي سرّبها موقع “CoinDesk” المتخصص بأخبار العملات المشفرة، ورد فعل السوق على ما تحتويه، إذ أسقطت تلك المستندات القناع عن بانكرمان-فايرد وأظهرت أن شركته، FTX، كانت معرضةً لخطر الإفلاس.

كشفت الوثائق أن بورصة FTX -التي تسمح للمستخدمين بشراء وبيع العملات المشفرة- ربما لم تكن تدعم أموال المستخدمين والمتداولين عليها بأصولٍ مقابلة خلف الكواليس، ما يسمى بـ “الدعم لواحد مقابل واحد” (1:1 Backing).

استغل ذلك المنافس الأشرس، تشانجبينغ تشاو، الرئيس التنفيذي لـ “باينانس”، وادّعى في تغريدةٍ أنه بإمكانه إنقاذ منافسه من مصير الإفلاس من خلال شراء FTX. لكن مع الانسحاب الأخير من الصفقة، يُترك المستثمرون غير متأكدين مما إذا كان سيتمكنون من استرداد أموالهم.

تشوّه السمعة

أظهرت الوثائق التي كشف عنها موقع “CoinDesk” الأسبوع الماضي أن موارد شركة “ألاميندا للأبحاث” (Alameda Research)، وهي شركة تجارية واستثمارية عملاقة أسسها ويملكها بانكمان-فرايد موسس ومالك FTX نفسه، المالية كانت متداخلة مع تلك الخاصة بشركة FTX.

وكان من المفترض أن تكون FTX شركة منفصلة عن “ألاميندا”، ولكن يبدو أن الأخيرة احتفظت بمبلغ كبير من ميزانيتها العمومية على شكل رموز “FTT”، الرموز الخاصة بشبكة FTX. وبما أن شركتي FTX و”ألاميندا” تمتلكان الغالبية العظمى من جميع الرموز المتداولة على الشبكة، كان بيعها يعني انهيار سعر رمز FTT، مما يعني أن قيمتها في الميزانية العمومية لشركة “ألاميندا” كانت على الأرجح مبالغ فيها.

عندما أظهرت تلك المستندات أن “ألاميندا” كانت تقترض ملايين الدولارات مقابل رموز FTT، وانتشرت الشائعات عبر تويتر أن FTX كانت تقرض أموال المستخدمين إلى “ألاميندا” وتستخدم رمز FTT المميز الخاص بها كضمان. بعبارةٍ أخرى، كانت تمارس نشاطًا أشبه بطباعة الأموال حتى تتمكن من إقراض أموال المستخدمين لنفسها.

لم يتم تأكيد هذه الشائعات، لكنها كانت كافية لزرع فكرةٍ لدى الكثيرين مفادها أن الودائع في بورصة FTX لم تكن آمنة كما هو مأمول.

كما نفى بانكمان-فرايد في البداية شائعات الإفلاس في 7 نوفمبر/تشرين الثاني، مدعيًا أن “أحد المنافسين يحاول ملاحقتنا بشائعات كاذبة” وأن “FTX بخير”. (تم حذف هذه التغريدات منذ ذلك الحين). واتضح لاحقًا أن الشركة كانت تسعى جاهدة لتأمين خطة إنقاذ، وأفادت رويترز مؤخرًا أن بانكمان-فرايد طلب 9.4 مليار دولار لإنقاذ الشركة.

من أين تؤكل الكتف

استغل تشاو، رئيس “باينانس” التنفيذي، مجددًا هذه الشكوك في تغريداته، مشيرًا إلى أن “باينانس” ستتخلص من كافة رموز FTT لديها، مما يعني، وعنى، مزيدًا من الانهيار في سعر الرمز على اعتبار أن “باينانس” كانت واحدةً من أكبر المستثمرين الأوائل لشركة FTX، أي أنها تمتلك عدد كبير من رموز FTT والكثير من القوة للتأثير على سعرها.

ومع كشف تشاو عن تلك النوايا، بدأ الذعر ينتشر بين مالكي رموز FTT والتسابق لسحب الأموال من FTX مع انتشار شائعات عن الإفلاس. والآن، بعد أن انهارت الصفقة، يخاطر المودعون في FTX بفقدان بعض أموالهم ما لم يكن شخص آخر على استعدادٍ لإنقاذها، وهو ما قد لا يحدث اعتمادًا على حجم الفجوة في الميزانية العمومية لشركة FTX. إذا لم يتم الإنقاذ، فقد تكون الخطوة التالية لـ FTX هي إعلان الإفلاس.

ما أهمية هذه الأحداث؟

إن انهيار FTX لا يتحدث عن التكنولوجيا الأساسية وراء أي عملة مشفرة أو ينتقدها، بل يطرح تساؤلاً حول مفهومها الأوسع. بالنسبة للجزء من المجتمع الذي يعتقد أن العملات المشفرة يجب أن تمثل اللامركزية، فإن دمج اثنين من أكبر البورصات في العالم كان سيكون أيضًا مدعاة للقلق حتى لو تم. إذ تدور اللامركزية حول التوزيع المتساوي للمسؤولية والقضاء على نقاط الفشل الفردية، لكن سقوط FTX لا يدعم أيًا من الطموحين.

كما سيثير هذا الانهيار تساؤلات حول قوة المنصات المركزية – مثل FTX و”كوين بيز” و”باينانس”؛ التي شهدت الشهر المنصرم اختراقًا كبيرًا أدى إلى تعطّل العمليات لدى ملايين المستخدمين، ومدى قدرتها على “حفظ” أموال المستخدمين بدلاً من تركها في محافظ العملات الرقمية الخاصة بهم.

قد يهمّك: أنواع المحافظ الإلكترونية للعملات الرقمية.. دليل شامل

سيؤدي الانهيار الداخلي لـ FTX أيضًا إلى إثارة تساؤلات حول ما يجب فعله لحماية مالكي العملات المشفرة في المستقبل. أحد الاقتراحات المقدمة من تشاو هو أن جميع البورصات يجب أن تقدم “دليلًا شفافًا على الاحتياطيات لديها”. بعبارةٍ أخرى، أن توضح أن لديها ما يكفي من النقود لتمويل عمليات سحب العملاء. وفي تغريدة، وعد بأن “باينانس” سوف تتبنى هذه السياسة “قريبًا”.

وعزز تشاو تلك التطمينات قائلاً إن شركته “عززت” ما يسمى صندوق الأصول الآمنة للمستخدمين (SAFU) بما يعادل 1 مليار دولار من مختلف العملات المشفرة. ويستخدم هذا الصندوق بدوره لحماية ممتلكات المستخدمين. وبشكلٍ منفصل، تسعى منصة “كوين بيز” (Coinbase) إلى طمأنة المستثمرين بأنه ليس لديها أي تعرّض مادي لرموز FTT، لكن رغم ذلك، انخفض سهمها بنحو 28% الأربعاء. 

إضافة إلى ذلك، تعيد هذه الأحداث الصورة غير الحسنة التي يعكسها منظمو صناعة التشفير وروادها، إذ كان بانكمان-فرايد، الصبي الذهبي للعملات المشفرة، ثاني أكبر مانح للرئيس الأمريكي جو بايدن في انتخابات عام 2020، ومانحًا رئيسيًا في الانتخابات النصفية لعام 2022، ويسعى باستمرار إلى عرض وجهٍ ودود للصناعة.

وعندما شهد سوق العملات المشفرة الهبوط الأكبر في الربيع الماضي بعد انهيار مشروع “Terra” (عملة “لونا”) بقيمة 60 مليار دولار، نصّب بانكمان-فرايد نفسه على أنه مصرف “جي بي مورغان” الحديث، حيث قام بإنقاذ شركات مثل “BlockFi” و “Voyager Digital”، التي أفلست بعد سوء إدارة أموال المستخدمين خلف الكواليس بطريقةٍ مشابهة إلى حد كبير مع ما قد يحدث مع FTX.

في النهاية، إذا أعلنت FTX إفلاسها رسميًا، فإن ودائع المستخدمين ستذهب في طي النسيان. ومن غير المعروف حتى الآن أي من أموال المستخدمين لا زال في متناول يد FTX، ولكن بغض النظر، فإن ما حدث له تأثير مادي ومعنوي كارثي على صناعة التشفير بأكملها.

هل أعجبك المحتوى وتريد المزيد منه يصل إلى صندوق بريدك الإلكتروني بشكلٍ دوري؟
انضم إلى قائمة من يقدّرون محتوى إكسڤار واشترك بنشرتنا البريدية.