العلماء يستنجدون بالحاسوب الكمومي للبحث عن علامات الحياة في الفضاء

العلماء يستنجدون بالحاسوب الكمومي للبحث عن علامات الحياة في الفضاء
Shutterstock.com/Bartlomiej K. Wroblewski
أستمع الى المقال

دخلت أجهزة الكمبيوتر الكمومية مجال البحث عن الحياة خارج كوكبنا من خلال مساعدتها للباحثين في استكشاف الكواكب الخارجية سحيقة البعد. وعلى الرغم من أنه ليس من المؤكد أنهم سيجدون كائنات فضائية فعلية، إلا أن نتائج التجربة يمكن أن تكون مثيرةً بغض النظر عن النتيجة.

أعلنت شركة “زاباتا للحوسبة” (Zapata Computing)، التي توفر خدمات البرمجيات الكمية، عن شراكة جديدة مع جامعة هال البريطانية، والتي ستشهد استخدام العلماء لأدوات الحوسبة الكمية لمساعدتهم في النهاية على اكتشاف الجزيئات في الفضاء الخارجي؛ والتي يمكن أن تكون بوادر للحياة.

فمن خلال البرنامج الذي مدته ثمانية أسابيع، سيتم دمج الموارد الكمية مع أدوات الحوسبة الكلاسيكية لحل العمليات الحسابية المعقدة بدقة أفضل، مع تحديد الهدف النهائي المتمثل في معرفة ما إذا كانت الحوسبة الكمية يمكن أن تشكّل قفزةً ناجعةً لعمل علماء الفيزياء الفلكية، على الرغم من القيود الحالية لاستخدامها في الوقت الراهن.

 الضوء وبيانات الفضاء المشتتة

مصدر الصورة: بيكساباي.

إن اكتشاف الحياة في الفضاء مهمة صعبة كما تبدو. ويعود الأمر كله إلى العثور على دليل على الجزيئات التي لديها القدرة على تشكيل الحياة والحفاظ عليها. ولأن العلماء ليس لديهم الوسائل للخروج ومراقبة الجزيئات بأنفسهم -حتى الآن- فعليهم الاعتماد على طرق بديلة.

عادةً ما يهتم علماء الفيزياء الفلكية بالضوء؛ والذي يمكن تحليله من خلال التلسكوبات. وذلك لأن الضوء -مثل الأشعة تحت الحمراء التي تولدها النجوم القريبة- غالبًا ما يتفاعل مع الجزيئات الموجودة في الفضاء الخارجي. وعندما يحدث ذلك، تهتز الجسيمات وتدور وتمتص بعض الضوء، تاركة توقيعًا محددًا على البيانات الطيفية التي يمكن أن يلتقطها العلماء مرةً أخرى على الأرض.

ولذلك، وبالنسبة للباحثين، كل ما تبقى للقيام به هو اكتشاف تلك التوقيعات وتعقب الجزيئات التي تتوافق معها.

ما المشكلة إذن؟ أثبت باحثو معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا سابقًا أن أكثر من 14 ألف جزيء يمكن أن تشير إلى علامات الحياة في الغلاف الجوي للكواكب الخارجية. بعبارةٍ أخرى، لا يزال هناك طريق طويل لنقطعه قبل أن يرسم علماء الفيزياء الفلكية قاعدة بيانات لجميع الطرق المختلفة التي قد تتفاعل بها هذه الجزيئات مع الضوء. أي، لجميع التواقيع التي ينبغي عليهم البحث عنها عند توجيه تلسكوباتهم إلى كواكب أخرى.

هذا هو التحدي الذي وضعه باحثو جامعة هال لأنفسهم: إذ يأمل مركز الفيزياء الفلكية التابع للمؤسسة في إنشاء قاعدة بيانات بشكلٍ فعال للتوقيعات البيولوجية التي يمكن اكتشافها.

 المهمة المستحيلة: الكم والفضاء

 
مصدر الصورة: بيكساباي.

يوضح ديفيد بينوا، المحاضر الأول في الفيزياء الجزيئية والكيمياء الفلكية في جامعة هال، أنه ولأكثر من عقدين من الزمن، استخدم الباحثون الوسائل الكلاسيكية لمحاولة التنبؤ بهذه التوقيعات. ومع ذلك، فإن هذه الطرق تفقد نجاعتها شيئًا فشيئًا.

تتضمن الحسابات التي أجراها الباحثون في المركز في هال وصفًا دقيقًا لكيفية تفاعل الإلكترونات مع بعضها البعض داخل الجزيء محل الاهتمام، مثل الهيدروجين والأكسجين والنيتروجين وما إلى ذلك. ففي أجهزة الكمبيوتر الكلاسيكية، يمكن للباحثين عادةً وصف التفاعلات، لكن المشكلة هي أن هذه خوارزمية عاملية، مما يعني أنه كلما زاد عدد الإلكترونات لدى المراقب، زاد حجم المشكلة واحتمال خطأها.

لذا، كان يمكن للباحثين القيام بذلك باستخدام ذرتين من الهيدروجين، على سبيل المثال، ولكن بحلول الوقت الذي يكون لديهم فيه شيءٌ أكبر بكثير، مثل ثاني أكسيد الكربون، يبدأ الباحثون في الشعور بالإحباط قليلاً لأنهم رغم استخدامهم كمبيوترًا عملاقًا، لا يستطيعون الحصول على ذاكرة كافية أو قوة حوسبة للقيام بذلك كما هو مرجو.

وبالتالي، فإن محاكاة هذه التفاعلات بالوسائل الكلاسيكية تأتي في النهاية على حساب الدقة. وهذا ما شكّل عائقًا أمام وجه علماء الفلك، إذ لا تريد أن تكون الشخص الذي يدّعي أنه اكتشف الحياة على كوكبٍ خارجي، عندما كان الأمر في الواقع شيئًا آخر.

وعلى عكس أجهزة الكمبيوتر الكلاسيكية، فإن أنظمة الكم مبنية على مبادئ ميكانيكا الكم؛ تلك التي تحكم سلوك الجسيمات عند أخذها على أصغر نطاقٍ لها، وهي نفس المبادئ التي تكمن وراء سلوك الإلكترونات والذرات في الجزيء.

وذلك ما دفع فريق جامعة هال البحثي إلى التقدم إلى شركة من “زاباتا للحوسبة” بفكرتهم المجنونة: استخدام أجهزة الكمبيوتر الكمومية لحل المشكلة الكمومية للحياة في الفضاء.

للتوضيح أكثر، نظام الجزيئات كمّي بطبيعته،لذا، فبدلاً من استخدام جهاز كمبيوتر كلاسيكي ومحاكاة جميع الأشياء الكمومية عليه، يمكنك استخدام كمبيوتر كمومي والقياس عليه لمحاولة استخراج البيانات الكمية التي تريدها.

لذلك، يمكن أن تسمح أجهزة الكمبيوتر الكمومية، بطبيعتها، بإجراء حساباتٍ دقيقة للأنماط التي تحدد سلوك الأنظمة الكمومية المعقدة مثل الجزيئات دون الحاجة إلى القوة الحاسوبية الضخمة التي تتطلبها المحاكاة الكلاسيكية.

ويمكن بعد ذلك دمج البيانات المستخرجة من الحساب الكمي حول سلوك الإلكترونات مع الطرق الكلاسيكية لمحاكاة توقيع الجزيئات المهمة في الفضاء عندما تتلامس مع الضوء.

يبقى صحيحًا أن أجهزة الكمبيوتر الكمومية المتوفرة حاليًا لتنفيذ هذا النوع من الحسابات محدودة، فمعظم الأنظمة لا تكسر عدد 100 كيلوبت، وهو ما لا يكفي لنمذجة جزيئات معقدة للغاية.

ولكن يوضح كبير الباحثين في فريق جامعة هال أن هذا لم يؤجل باحثي المركز. إذ يقول: “سنأخذ شيئًا صغيرًا ونستقرئ السلوك الكمي من ذلك النظام الصغير إلى النظام الحقيقي. يمكننا بالفعل استخدام البيانات التي نحصل عليها من عدد قليل من الكيوبتات، لأننا نعلم أن البيانات دقيقة. وبعد ذلك، يمكننا الاستقراء.

وبالطبع، هذا لا يعني أن الوقت قد حان للتخلص من أجهزة الكمبيوتر العملاقة في مراكز البحث، فهذه بداية البرنامج فقط، وعلى مدار الأسابيع الثمانية المقبلة، سيكتشف الباحثون ما إذا كان من الممكن على الإطلاق استخراج البيانات من تلك الفيزياء الدقيقة على نطاقٍ صغير بفضل الكمبيوتر الكمومي من أجل المساعدة في الحساب على النطاقات الكونية الكبرى.

وإذا نجح هذا المشروع، فقد يشكل حالة استخدامٍ مبكر لأجهزة الكمبيوتر الكمومية، حالة يمكن أن تثبت فائدة هذه التقنية الثورية على الرغم من قيودها التقنية الحالية. وهذا بحد ذاته سيكونٌ إنجازٌ ضخم. ويمكن أن تكون المحطة التالية هي اكتشاف أول جيراننا في الكواكب الخارجية!

هل أعجبك المحتوى وتريد المزيد منه يصل إلى صندوق بريدك الإلكتروني بشكلٍ دوري؟
انضم إلى قائمة من يقدّرون محتوى إكسڤار واشترك بنشرتنا البريدية.