لويس برانسكومب.. العقل المدبر في “IBM” ومُصغّر حجم الحواسيب


|
استمع إلى المقال
|
الابتكارات التقنية المذهلة لا تكون نتيجة جهود شخص واحد في العادة، ولكنها ثمار تعاون بين عدّة عقول نابغة تحاول جاهدةً تقديم أفضل ما لديها من أجل الوصول إلى الابتكارات المميزة، وهذه التركيبة المميزة للتعاون بين العقول النابغة تقتضي أن يكون هناك جنود مجهولون في رحلة تطوير التقنيات.
لويس برانسكومب، هو أحد هؤلاء الجنود المجهولين، ورغم أنه لعب دورا بارزا في تطوير الكثير من التقنيات وشغل مناصب عدة في القطاع الأكاديمي والحكومي والشركات الخاصة، إلا أن اسمه ليس مشهورا بما فيه الكفاية.
برانسكومب، وافته المنية عن عمر يناهز 96 عاما، ولا يوجد تكريم أفضل لمثل هذا العالم من ذكر مآثره وجهوده الخالدة التي ساهمت في تحويل الحواسيب لما هي عليه اليوم، ولكن ماهي هذه الجهود تحديدا، وماذا كان دوره في تطوير أجهزة الحاسوب.
برانسكومب، وهب حياته للعلم ونشر المذاهب العلمية في التفكير بين جميع فئات المجتمع ومؤسساته سواءً كانت خاصة أو حكومية، وهذا بسبب إيمانه الكبير بالعلم وأهميته في تقدّم الأمم وكونه مفتاح المستقبل، وهو الأمر الذي نشأ عليه في منزل والده الذي كان عميدا لكلية اللاهوت في جامعة “ديوك” قبل أن ينتقل إلى منصب استشاري في جامعة “فاندربيلت” في مدينة ناشفيل.
ولد لويس ماكدوري برانسكومب، في 17 آب/أغسطس عام 1926، وبدأ حياته العلمية عند عمر 19 عاما عندما تمكّن من الحصول على درجة البكالوريوس من جامعة “ديوك” التي كان يعمل بها والده، ثم التحق بالبحرية وخدم بها حتى عام 1946 عندما قرر الالتحاق بجامعة “هارفارد” للحصول على درجة الماجستير والدكتوراة بحلول عام 1949، ومع مطلع عام 1951 أصبح برانسكومب باحث فيزيائي يدرس الشحنات السلبية في الذرات والطيف الجزيئي لصالح المكتب الوطني للمعايير والعلوم، وهو أول ذراع علمي للحكومة الفيدرالية في أميركا.

وفي عام 1960، انتقل مع أسرته إلى ولاية كولورادو حيث أسس المعهد المشترك للفيزياء الفضائية المختبرية الذي أصبح يُعرف لاحقا باسم “JILA” وهو معهد مشترك بين المكتب الوطني للمعايير والعلوم وجامعة كولورادو، لاحقا، شغل برانسكومب منصب رئيس المعهد.
مسيرة برانسكومب الحكومية لم تنتهِ هنا، بل استمرت في فترة الرئيس الأميركي جوهانسون، إذ كان جزءا من اللجنة الاستشارية العلمية التابعة لها في الفترة ذاتها، ثم في 1969 عيّنه الرئيس نيكسون مديراً للمكتب الوطني للمعايير والعلوم، حيث شغل برانسكومب منصبه حتى عام 1972 قبل أن ينتقل إلى “IBM”.

الابتكار التقنية التي حققتها “IBM” في الفترة التي كان برانسكومب يعمل بها كانت متنوعة ومتعددة، لدرجة أن إيرفينغ فلاداوسكي بيرجر، وهو باحث سابق في “IBM” قال في محادثة هاتفية مع صحيفة “نيويورك تايمز” أن برانسكومب حول “IBM” إلى شركة تعمل في البحث العلمي أولا، وهو ما سهّل عليهم ابتكار تقنيات مثل الذاكرة العشوائية في الكومبيوتر وأشباه الموصلات ومساحات التخزين المختلفة التي مكّنتهم من تحويل الحواسيب من أجهزة ضخمة تكلّف مئات الآلاف من الدولارات إلى أجهزة منزلية صغيرة يمكن وضعها في أي منزل.
تحول “IBM” إلى تطوير الحواسيب المنزلية ساهم في دفع المنافسة بقطاع الحواسيب المنزلية إلى الأمام، وهو ما أجبر “أبل” على تطوير حواسيبها بشكل أكبر وأسرع بكثير وجعلها تضع البذرة الأولى لنمو قطاع الحواسيب المنزلية، وبينما أطلقت “IBM” أول حاسوب منزلي لها في 1981، سارعت “أبل” باللحاق بها وإطلاق الجيل الجديد من حواسيبها في 1983 وهو الحاسوب الذي أطلقت عليه اسم “Lisa” وكان أول جهاز مكتبي يأتي مع واجهة رسومية سهلة الاستخدام.

حاسوب “أبل” السابق أطلقته في 1976 وكان يدعى “أبل 1″، وظل هذا الحاسوب مسيطرا على الكثير من ساحة الحواسيب المنزلية لفترة طويلة مع مواصفاته الضعيفة حتى ظهرت حواسيب “IBM” حتى تتحداه، وهو ما دفع “أبل” لاحقا لتطوير حاسوب “Lisa” ذو الواجهة الرسومية ليبدأ عصر الواجهات الرسومية منذ تلك اللحظة حتى يومنا هذا.
إيمان برانسكومب الكبير بالعلم وأهميته لم يكن منصباً على العلم بصورته البحثية أو مبادئه فقط، بل كان يهتم أكثر بطريقة التفكير العلمي وطريقة النظر إلى المشاكل المختلفة بشكل علمي حتى يستطيع أي شخص حل المشاكل المعقدة بشكل صحيح.
هذا الاهتمام بالتفكير العلمي كان واضحا في إحدى المقابلات التي أجراها مع قناة “PBS” عام 1986 حين قال، ” التلاميذ ليسوا في حاجة لمعرفة الأسس والمبادئ العلمية بشكل دقيق، ولكنهم يجب أن يدركوا أهمية التفكير العلمي وطرقه، وذلك حتى يتمكنوا من حل المشاكل المعقدة في البيئات المركبة بشكل صحيح”.
برانسكومب ترك منصبه الاستشاري في “IBM” بعد أن وضعها على الطريق الصحيح في عام 1986، ثم انتقل إلى المجلس الوطني للعلوم حيث شغل منصب رئيس المجلس وعمل على تأسيسه ووضع قواعده المختلفة ليكون منارة للعلم ومركز استشاري للحكومة الفيدرالية من الناحية العلمية، ثم ترأس برنامج العلوم العامة والتكنولوجيا في جامعة “هارفارد” الذي أطلقه الرئيس كيندي وساهم في كتابة مئات الأوراق البحثية وعشرات الكتب العلمية، قبل أن يعود إلى التعليم في “هارفرد” بشكل رئيسي حتى وفاته.
مسيرة لويس برانسكومب هي تجسيد حي لما يعنيه الاهتمام بالعلم ومحاولة دفعه إلى الأمام مهما كانت التحديات والصعاب التي تقف أمامه، ولولا وجود برانسكومب في “IBM” وتغيير فلسفة الشركة في البحث العلمي، لما كنا رأينا الحواسيب المنزلية التي نعرفها اليوم.
هل أعجبك المحتوى وتريد المزيد منه يصل إلى صندوق بريدك الإلكتروني بشكلٍ دوري؟
انضم إلى قائمة من يقدّرون محتوى إكسڤار واشترك بنشرتنا البريدية.