“جوجل” تبتعد عن العمل من المنزل.. سياسة جديدة؟

 “جوجل” تبتعد عن العمل من المنزل.. سياسة جديدة؟
استمع إلى المقال

الأثر الذي تركه وباء “كوفيد-19” وراءه لم يقتصر على التبعات الاقتصادية وأزمة سلاسل التوريد فقط، بل أدى إلى ظهور نموذج جديد للعمل اعتمدت عليه الشركات حتى تتمكن من المحافظة على أعمالها أثناء الوباء دون تعريض موظفيها للخطر، لذلك شهدنا ظهور نموذج العمل من المنزل. 

نموذج العمل من المنزل يختلف تماما عن نموذج العمل الحر أو العمل عن بُعد، إذ يحصل الموظف على كافة حقوقه ومميزاته التي يحصل عليها من يعمل في مقر الشركة ولكن دون أن يتواجد في الشركة، وذلك عكس نموذج العمل عن بُعد أو العمل الحر التي يكون العمل من خارج الشركة شرطا أساسيا فيه ويتم تقدير كافة المميزات والحقوق بناء على هذا الشرط. 

“جوجل” هي واحدة من الشركات التي تبنت نموذج العمل من المنزل بشكل كامل، وقدمت الكثير من التسهيلات لموظفيها حتى يتمكنوا من العمل عن بُعد في منازلهم مع الحفاظ على كافة المميزات التي يحصلون عليها عند العمل في مكاتب الشركة، ولكنها الآن قررت الابتعاد عن هذه السياسة، وبدأت تدريجيا في إجبار الموظفين على العودة إلى مكاتبهم، ولكن لماذا قررت “جوجل” التخلي عن هذه السياسة الآن، وكيف سيؤثر هذا في قطاع وظائف التقنية المضطرب أصلا بسبب عمليات الإقالة الموسّعة. 

عودة تدريجية 

قرار “جوجل” في العودة للعمل من المكاتب قد يبدو مفاجئا، ولكن في الحقيقة، هذا قرار كانت “جوجل” تستعد له منذ فترة طويلة وتهيأ موظفيها للوضع الجديد، وتحديدا منذ تشرين الأول/ أكتوبر 2021، إذ قررت “جوجل” خفض رواتب العاملين الذين قرروا الانتقال إلى مناطق سكنية أقل كلفة من “نيويورك” أو المدن الرئيسية.  

القرار الذي اتخذته الشركة كان لمجابهة موجة الانتقال إلى مناطق سكنية أقل تكلفة أثناء العمل من المنزل، وذلك من أجل تحقيق أكبر قدر من الإستفادة المالية دون الحصول على علاوة مالية أو تقديم معدل عمل أعلى من السابق. 

بعد ذلك، قررت الشركة إقامة حفلة ترحيبية لمن قرر العودة للعمل من مكاتب الشركة، وكانت الحفلة كبيرة ومليئة بالمغريات لتشجيع الموظفين على العودة إلى مكاتبهم في نيسان/إبريل 2022 الماضي ومن ضمن مزايا الحفلة كان حفل موسيقي خاص للمطربة الحائزة على جائزة “غرامي” ليزو. 

هذه الخطوات كانت تمهيدا لما سوف يحدث هذا العام، وتحديدا في 8 حزيران/ يونيو الجاري، إذ قررت “جوجل” تحذير الموظفين الذين رفضوا العودة إلى مكاتبهم، وأكدت أن الحضور في المكاتب سيكون جزءا من التقييمات السنوية لهؤلاء الموظفين، وذلك في رسالة بريد إلكتروني من فيونا شيكوني مدير الموارد البشرية في الشركة. 

” لن يكون هناك بديل عن العودة للعمل بنفسك” 

فيونا شيكوني – مدير الموارد البشرية في “جوجل”

شيكوني لم تطلب من الموظفين العودة إلى العمل من المكتب بشكل كامل، بل قصرت المدة على 3 أيام على الأقل، وهذا يشمل جميع الموظفين حتى من حصلوا على تصريح للعمل عن بعد بشكل كامل، وقالت أن عليهم التفكير في نموذج عمل هجين بين المكتب والمنزل. 

توجه جماعي 

“جوجل”  ليست وحيدة في قرارها، ورغم أنها آخر شركة تجبر الموظفين على العودة إلى مكاتبهم، إلا أن جميع الشركات التقنية العملاقة مثل “أبل” و “ميتا” و”مايكروسوفت” جميعا بدأوا في تطبيق هذه السياسة بأشكال مختلفة وفي أوقات مختلفة. 

بعض الشركات قررت التخلي تماما عن سياسة العمل الهجين وأصبحت تطالب موظفيها بالعودة إلى مكاتبهم للعمل بشكل كامل من خلالها مثل “جي بي مورجان”، وذلك إلى جانب “أمازون” و “SalesForce”. 

غالبية الشركات التقنية قررت الاعتماد على منظومة العمل الهجينة، والتي تطلب من موظفيها العودة إلى مكاتبهم ثلاثة أيام على الأقل، وهو الأسلوب الذي قررت “ميتا” و “أبل” إتباعه منذ نهاية العام الماضي، وذلك في محاولة للعودة إلى الإنتاجية التي كانت تمتلكها هذه الشركات قبل وباء “كوفيد-19”. 

ردة فعل غاضبة 

موظفو الشركات لم يتقبلوا التحول إلى نموذج العمل الهجين أو حتى العودة إلى المكاتب بشكل كامل، وذلك لأن هذه التحولات تؤثر كثيرا في أسلوب حياتهم اليومية الذي اعتادوا عليه لسنوات مضت. 

ردة الفعل تنوعت بين تظاهرات غاضبة في الشارع مثلما قام به موظفو “جوجل”، إذ تمحورت التظاهرات حول انعدام الثقة بين الشركة والموظفين، وكيف أن إدارة “جوجل” أهملت حرفية الموظفين والتزامهم بالعمل في السنوات الماضية.

في “أبل”، قرر الموظفون تقديم عريضة إلى الإدارة من أجل جعل الوظائف مرنة وقابلة للتكيف مع احتياجات الموظفين، قائلين بأنه خلال فترة الوباء تمكنوا من تقديم الكثير من المشاريع الناجحة، وأن التحول لأسلوب العمل هذا يجعلهم أكثر سعادة وقادرين على الإنتاج بشكل أفضل. 

خليط لا يمكن فصله

الحكم على نظام العمل من المنزل لا يمكن أن يتم بسهولة أو عبر نظرة سطحية للأمور، وهذا يتطلب النظر لكل حالة بمفردها من أجل التحديد إن كان هذا النموذج صالحا للاستخدام أم لا، وبشكل عام يمكن القول بأن العمل من المنزل هو نموذج مختلط يضم الكثير من المزايا والعيوب التي قد تؤثر على جودة العمل. 

المزايا التي يقدمها هذا النموذج تعود على الشركة والموظفين معا، ولا يمكن القول بأن هناك جانب مستفيد أكثر من جانب آخر، وبالنسبة للموظفين، فإن الفائدة التي تعود عليهم هي خفض تكاليف العمل اليومية سواء كانت تنقلات أو حتى وجبات يتم تناولها خارج المنزل، كما أن العمل من المنزل قد يوفر حرية تتيح للموظف التعامل مع الطوارئ اليومية بسهولة، والبعض يشعر بالراحة عند العمل من المنزل أكثر من المكاتب.

الشركات على الصعيد الآخر تستطيع الاستفادة كثيرا من هذا النموذج عبر تقليل تكاليف العمل اليومية، وهذا إما عبر تخفيض تكاليف تشغيل المكاتب أو التعويضات التي يتم تقديمها للموظفين سواء كانت على شكل منح يومية لتناول الطعام أو وسائل النقل. 

العيوب تتنوع بين إنخفاض جودة العمل واختلاف مواعيد تسليم المهام اليومية والشهرية إلى عيوب وحالات أخرى تظهر بشكل فردي في كل قطاع، ولكن بشكل عام غالبية هذه العيوب يمكن التغلب عليها عبر إدارة الموارد بشكل جيد ووضع قيود صارمة لا يتم التهاون فيها. 

هناك حل آخر يمكن للشركات اتباعه، وهو التوجه إلى توظيف عاملين عن بعد والاعتماد على أسلوب العمل عن بعد بدلا من العمل في المنزل، ورغم أن المفهومين قد يبدوان متشابهين، إلا أن الاختلاف بينهما جوهري، إذ في الأخير يحصل الموظف على كافة المزايا التي تقدمها الشركة للعاملين في مقراتها، وبينما العمل عن بعد يتم النظر للوظيفة بشكل مختلف وتقديم رواتب وتعويضات سنوية تختلف كثيرا عن تلك التي تتم مع الموظفين في مكاتب الشركات. 

الكثير من الشركات نجحت في استخدام آليات العمل المطورة عبر التقنيات الجديدة والتي تتيح للموظفين العمل عن بعد، وتمكنوا من تحقيق العديد من النجاحات المختلفة التي أوصلتهم إلى مكانة مرتفعة بين الشركات الأخرى، لذلك لا يمكن إهمال آلية العمل هذه بشكل كامل. 

ختاما، يمكن القول بأن آليات العمل تطورت كثيرا مع تطور وسائل التواصل بين الأفراد وسرعات الإنترنت، ومن المهم أن تدرك الشركات أهمية الاستفادة من كافة المزايا والتقنيات الجديدة الموجودة من أجل الوصول إلى النتائج الأفضل، وهذا عبر تقديم نماذج عمل مبتكرة تستفيد من هذه التقنيات. 

هل أعجبك المحتوى وتريد المزيد منه يصل إلى صندوق بريدك الإلكتروني بشكلٍ دوري؟
انضم إلى قائمة من يقدّرون محتوى إكسڤار واشترك بنشرتنا البريدية.
0 0 أصوات
قيم المقال
Subscribe
نبّهني عن
0 تعليقات
Inline Feedbacks
مشاهدة كل التعليقات