قتل الحريات عَبَر التّجسس ومراقبة الحقوقيين.. جريمة “بيغاسوس” التي لا تُغتَفر

قتل الحريات عَبَر التّجسس ومراقبة الحقوقيين.. جريمة “بيغاسوس” التي لا تُغتَفر
أستمع الى المقال

خلال تحقيق جديد لـ منظمتيْ اكسس ناو و فرونت لاين ديفندرز -المتخصصتيْن بالمجال الحقوقي- تمّ الكشف عن حقيقة مهمة ومثيرة جدًا، حيث أفاد التقرير إلى تعرّض اثنتيْن من المدافعات عن حقوق الإنسان (في مملكتيْ البحرين والأردن) لاختراق أجهزتهنّ عبر استخدام برنامج التجسس “بيغاسوس”، وهو برنامج تابع لمجموعة “إن أس أو”.

وهي ليست السابقة الأولى أبدًا، فقد كشف -منذ مدة- مشروع بيغاسوس عن استخدام الحكومات العربية وحكومات منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا وغيرهم لبرنامج التجسس “بيغاسوس”، ومن الطبيعي أن الاستخدام لم يكنْ لهدفٍ نبيل، فقد كان من أجل انتهاك حقوق الإنسان وقمع النشطاء الحقوقيين والصحفيين.

ومن جهة أخرى، فإن المراقبة والتجسس لهما تأثير مروّع ومؤلم على النساء بشكل خاص، نظرًا إلى إقدام الحكومات في المنطقة (الشرق الأوسط تحديدًا) على استغلال المعلومات الشخصية للمرأة المستهدفة كـ “سلاحٍ فتاك”، وذلك عن طريق برامج التجسّس بهدف التهديد والمضايقة وتشويه الصورة والسمعة أمام المجتمع.
ونتيجةً لذلك كله، تعيشُ النساء المستهدفات بالمراقبة في حالة دائمة من الخوف والقلق ممّا يؤدّي إلى انعزالهنّ عن المجتمع، وهذا ما يفرض قيودًا على حياتهنّ الاجتماعية وعلى نشاطِهنّ خاصة في العمل.

ولدينا نموذج عن هذه المعاناة، وهي السيدة “ابتسام الصّايغ” التي تحدثت عن حالتها، على اعتبارها إحدى ضحايا الاختراق، فتقول: “الحريات الشخصية انتهت بالنسبة لي ولم يَعدْ لها وجود، لستُ آمنة في المنزل أو في الشارع أو في أي مكان”.

التحقيق: من تعرّضن للاختراق وكيف؟

منظمة (فرونت لاين ديفندرز) وهي المنظمة الدولية لحماية المدافعين عن حقوق الإنسان أو منظمة مساندي الخط الأمامي (تُسمى أيضًا منظمة الخط الأمامي) باعتبارها منظمة مهتمة بحماية حقوق الإنسان وقد تأسّست في دبلن – إيرلندا في عام 2001م.

وتشير المنظمة إلى أنها عملت بين شهري نوفمبر/تشرين الثاني وديسمبر/كانون الأول 2021 مع المدافعات عن حقوق الإنسان في البحرين والأردن عبر برنامج الأمن الرقمي، وهو برنامج يُقدّم الدعم العملي المباشر لفائدة المدافعين عن حقوق الإنسان حول العالم.

وبعد قيام فرونت لاين ديفندرز بتحليل أجهزة المدافعات بمساعدة من منظمتيْ سيتيزن لاب ومختبر الأمن التابع لمنظمة العفو الدولية، تمّ التأكد بالفعل من استعمال بيغاسوس لاختراق النساء المستهدفات.
ونستعرض الآن النتيجة في البحرين والأردن:

1: البحرين:

تمّ فحص هاتف الناشطة الحقوقية البحرينية “ابتسام الصايغ” بواسطة الباحثين في “فرونت لاين ديفندرز” الذين قاموا بفحص الهاتف الجوال وتقديم المساعدة التقنية، فوجدوا أن هاتفها وهو من نوع “آيفون” قد تعرّض للاختراق ما لا يقل عن ثماني مرات بين أغسطس/آب ونوفمبر/تشرين الثاني 2019 (خلال أقل من شهر واحد تقريبًا) وأنّ عمليات الاختراق قد تمّت بواسطة برنامج التجسس “بيغاسوس” التابع لمجموعة “إن أس أو”.

والمعروف أن “ابتسام الصّايغ” هي مدافعة عن حقوق الإنسان تحظى باحترام كبير على الساحة الدولية وتعمل في منظمة “سلام” للديمقراطية وحقوق الإنسان، وهي منظمة غير حكومية تُكافح من أجل الديمقراطية وحقوق الإنسان في البحرين.

وقد تكررت مضايقات السلطات البحرينية سابقاً للسيدة ابتسام الصايغ، حيث تمّ احتجازها يوم 20 مارس/آذار للعام 2019 لمدّة سبع ساعات في مطار البحرين الدولي إثر عودتها من مشاركتها في الدورة الرابعة والثلاثين لمجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة. وقامت السلطات بتفتيشها واستجوابها لمدةّ خمس ساعات، بالإضافة إلى مصادرة جواز سفرها وهاتفها الجوال أيضًا. وقد اتّهمت السيدة البحرينية بأنها (قدّمت تصريحات خاطئة في جنيف حول انتهاكات حقوق الإنسان في البحرين).

ولم يقف الأمر عند هذا الحد، حيث إنه في يوم 26 مايو/أيار من نفس العام (أيْ بعد شهريْن من الاحتجاز الأول)، حيث قام جهاز المخابرات الوطني البحريني باستدعائها إلى مركز شرطة المحرق، وهناك قام المحقّقون بالاعتداء عليها جسديًا، وتعرضت للإساءة اللفظية والضرب بمنتهى القسوة، ثم هَدَّدَها المحققون باغتصابها إذا لم تتوقف عن أنشطتها في مجال حقوق الإنسان. وبعد ذلك، عند حوالي الساعة الحادية عشر ليلا تمّ إطلاق سراحها ونقلها إلى المستشفى على الفور لتلقي العلاج.

وكان التحقيق التقنيّ الذي قامت به منظمة “فرونت لاين ديفندرز” قد توصّل إلى أنّ هاتف “ابتسام الصّايغ” تعرّض إلى اختراقات متعدّدة في شهر أغسطس/آب 2019 (الأيام الموافقة لـ 8 و9 و12 و18 و28 و31) وكذلك في يوم 19 سبتمبر/أيلول 2019 وفي يوم 22 نوفمبر/تشرين الثاني 2019. حيث تم التعرّف على آثار عمليات مرتبطة ببيغاسوس على هاتفها، بما في ذلك “roleaccountd” و”stagingd” و”xpccfd” و”launchafd” و”logseld” و”eventstorpd” و”libtouchregd” و”frtipd” و”corecomnetd” و”bh” و”boardframed”. وينسب كل من مختبر الأمن التابع لمنظمة العفو الدولية و سيتيزن لاب هذه المعالجات إلى برنامج التّجسس “بيغاسوس” التابع لمجموعة “إن أس أو”.

2: الأردن

من جهة أخرى، قامت منظمة “فرونت لاين ديفندرز” أيضًا بفحص هاتف السيدة “هالة عاهد ذيب”، وهي محامية أردنية ومدافعة عن حقوق الإنسان، حيث اكتشفت المنظّمة أن جهازها قد تعرّض كذلك للاختراق بواسطة برنامج بيغاسوس منذ شهر مارس/آذار 2021.

وفيما يخصّ “هالة عاهد ذيب”، فهي تعمل مع عدد من المنظمات الحقوقية والنَسوية للدّفاع عن حقوق المرأة وحقوق العمّال وحرية الرأي وحرية التعبير وحرية التجمّع السلمي في الأردن، كما تدافع عن سجناء الرأي في الأردن، إضافة إلى كونها عضوًا في فريق قانوني يُدافع عن نقابة المعلّمين الأردنيين، إحدى أكبر النقابات العمّالية في الأردن، والتي قامت الحكومة الأردنية بحلّها في شهر ديسمبر/كانون الأول 2020 ردًّا على احتجاجات المعلّمين. إضافة إلى أن السيدة “ذيب” ترأّست اللجنة القانونية لاتحاد المرأة الأردنية وتواصل الدفاع عن النساء الضحايا.

وبدورها، فقد تعرضت للمضايقات العديدة، حيث تعرّض هاتفها الجوال للاختراق بواسطة بيغاسوس يوم 16 مارس/آذار 2021، بعدما تمَّ التعرّف على آثار عمليات مرتبطة ببيغاسوس على هاتفها، بما في ذلك “bluetoothfs” و”JarvisPluginMgr” و”launchafd”. وينسب كل من مختبر الأمن التابع لمنظمة العفو الدولية و سيتيزن لاب هذه المعالجات إلى برنامج التجسس “بيغاسوس” التابع لمجموعة “إن أس أو”.

وغيرها الكثير من الحالات من بين المدافعات والصحفيات الأخريات اللاتي تعرّضنَ للمضايقات مؤخّرًا في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا وخارجها، وتعرّضنَ إلى الاستهداف من طرف برنامج التجسس “بيغاسوس”، ومن بينهنّ على سبيل المثال لا الحصر الناشطة الإماراتية “آلاء الصدّيق” والصحفية في قناة العربي “رانيا دريدي” والصحفية الإذاعية اللبنانية العاملة في قناة الجزيرة “غادة عويس”.

كيفية عمل هجمات بيغاسوس

قامت مجموعة “إن أس أو” -وهي شركة إسرائيلية تتخصّص في مجال المراقبة- بتطوير برنامج التجسّس “بيغاسوس”، ويستغلّ بيغاسوس نقاط الضعف التقنية الموجودة على جهاز الضحية للدخول دون إنذار ثم يقوم باستخراج البيانات، حيث يصل البرنامج إلى أجزاء مختلفة من الجهاز، بما في ذلك الرسائل النصية والرسائل الإلكترونية والصور والفيديوهات والميكرفون والكاميرا وكلمات السر والمكالمات الصوتية على تطبيقات التواصل وبيانات الموقع وسجل المكالمات وأرقام الهاتف وكل ما يتعلق بالضحية من بيانات ومعلومات.

كما أنه من المُحتمل أن يسمح البرنامج للطرف المُعتدِي بأن يُفعّل الكاميرا والميكروفون على الهاتف للتجسّس على المكالمات والأنشطة التي تقوم بها الضحية. وبالتالي، فإن بيغاسوس لا يُمكّن من مراقبة الشخص المستهدف فحسب، بل يُمكّن أيضًا من مراقبة اتّصالاته وتفاعلاته مع الآخرين.

المراقبة والتجسس شكل من أشكال العنف ضد المرأة

إن استخدام أدوات المراقبة الرقمية المستهدفة مثل برنامج التجسس “بيغاسوس” التابع لمجموعة “إن أس أو” يعتبر انتهاكًا للحق في الخصوصية والحق في حرية التعبير والحق في تكوين الجمعيات والتّجمع السلمي وكلها من الحقوق الإنسانية التي أقرّتها كل الدساتير الدولية. وقد تجلّت مثل هذه الانتهاكات بشكل واضح عقب مشروع بيغاسوس، وهو مشروع عمل على توثيق الأضرار البالغة التي تُلحقها المراقبة بالمدافعين والمدافعات عن حقوق الإنسان والصحفيين والنشطاء.

وفي أغلب الأحيان، تستخدم الحكومات والهيئات تكنولوجيات المراقبة لاستهداف المدافعين عن حقوق الإنسان بهدف ثنْيِهم عن الاستمرار في عملهم الحقوقي ولاختراق شبكاتهم وجمع المعلومات عنهم، من أجل استعمالها ضدّهم أو حتى ضدّ مستهدفين آخرين على سبيل المثال.

ويُساهم استخدام تكنولوجيات المراقبة ضد المدافعين عن حقوق الإنسان والصحفيين في تثبيط عزائمهم وإحباطهم وإلجامهم، حيث أنهم يُدركون احتمالية استهدافهم بأي وقت من خلال هذه التقنيات، وبالتالي فإن الخوف والرعب يمنعهم من مواصلة عملهم الحقوقي في مجال الدفاع عن حقوق الإنسان. وأصبح العالم الإلكتروني بيئة مُعادية بشكل متزايد بالنسبة إلى المدافعين والمدافعات عن حقوق الإنسان، وفي بعض الأحيان فقد أدّت بعض الهجمات الإلكترونية إلى انتهاكات خطيرة في حق النساء المستهدفات.

ومن البديهي أن التجسس ومراقبة المرأة لهما تأثيرٌ خطير، تبعًا لانعدام التكافؤ في القوى على كل الأصعدة (سياسيًا واجتماعيًا وجنسيًا)، وبالتالي فإن ذلك يُفسح المجال أمام السلطات لاستغلال المعلومات التي تستخرجها كـ سلاح غير قانوني من خلال التشهير والابتزاز ونشر المعلومات الحسّاسة للنساء، حيث يتضمّن ذلك أيضًا نشر الصور والمحادثات الخصوصية والحميمية على الإنترنت، وكل هذه الانتهاكات تدخل ضمن ما يُعرف بـ (العنف ضد المرأة).

ويوجد تعريف شامل لـ “العنف ضد المرأة” في لوائح الأمم المتحدة أنه: “أيُّ فعلٍ عنيف تدفع إليه عصبية الجنس ويترتب عليه -أو يُرجَّحُ أن يترتب عليه- أذًى أو معاناة للمرأة، سواء من الناحية الجسمانية أو الجنسية أو النفسية، بما في ذلك التهديد بأفعال مِن هذا القبيل أو القسر أو الحرمان التعسفي من الحرية، سواء حدث ذلك في الحياة العامة أو الخاصة، بما في ذلك العنف البدني والجنسي والنفسي الذي ترتكبه الدولة أو تتغاضى عنه، أينما وقع”.

ونتيجة العنف الواقع على كل من الناشطة البحرينية “ابتسام الصايغ” ونظيرتها المحامية الأردنية “هالة ذيب” جاءت كارثية، فقد كان الأثرُ جسيمًا ومدمّرًا بحق، حيث أنّهما تعيشان في حالة من القلق والخوف بصفة يومية منذ اكتشافهما لجريمة التجسس وتعرّض هواتفهما للاختراق. وما يُثير خوفهما أكثر من كل شيء هو إمكانية فضح الناشطات الأخريات والضحايا اللاتي تعملان معهنّ، إضافة إلى إبدائهما لمخاوف أخرى تتعلّق بتعرّض عائلاتهما وأصدقائهما إلى الخطر المستمر.

ومن أهم الآثار السلبية للتجسس والمراقبة على المرأة، أنها تؤدي غالبًا إلى العزلة الاجتماعية للمستهدفات، حيث إنّ القدرات الخبيثة التي يتمتّع بها برنامج “بيغاسوس” الصهيوني لا تُمكّن المعتدين من تجريد النساء من خصوصياتهن فقط، بل تعمل هذه المراقبة أيضًا على تدمير حرمَتهن في منازلهن وفي بيئتهن المُحيطة، كما يلجأ بعض الأصدقاء والأقارب إلى الابتعاد عنهنّ خوفًا من أنْ يطالهم الأذى فيتعرّضون هم كذلك إلى التجسس والمراقبة.

علاوةً على ذلك، فإن من الآثار السلبية للمراقبة والتجسس أيضًا هو تقييد حرية التنقّل الخاصة بالمستهدفات نظرًا إلى خوفهن من التعرّض إلى المضايقات الجسديّة والتهديدات المعنوية والجسدية.
فَكَما قالت “فريندا بهانداري” المحامية الهندية والمدافعة عن الحقوق الرقمية : (لا تعيش المرأة تجربة تعرّض هاتفها للاختراق كانتهاك لخصوصيتها فحسب، بل أيضًا كانتهاك لسلامتها الجسدية، حيث إنّ ذلك يُماثل العنف الجسدي).

وعلى سبيل المثال، أنه قبل صدمة وفاجعة وفاة الإماراتية “آلاء الصدّيق” بشكل مأساوي، أدلت إحدى صديقاتها بشهادة مفادها أن: (آلاء قد غيّرت عاداتها خوفًا من المراقبة، بما في ذلك تغيير مسار تنقّلها عبر مترو الأنفاق ومحاولتها عدم الوقوف على قرب كبير من الحافة عند استعمالها للقطار خوفًا مِن أن يدفعها أحدهم خارج القطار وتسقط على السكة الحديدية).

وفيما يتعلق بالبحرينية “ابتسام الصّايغ”، فقد حَرمتها عملية اختراق هاتفها من التمتّع بكامل حريتها في منزلها حيث وجدت نفسها مجبرة على لبس الحجاب حتى عندما تكون في البيت بمفردها لخوفها أن هنالك من يُراقبها دائمًا.

خلاصة الأمر، أن المراقبة الرقمية (التجسس الرقمي) يُعتبر بمثابة قنبلة موقوتة للمستهدفات، حيث أنّهن يعشْنَ في خوفٍ دائم من إمكانية استغلال معلوماتهنّ الشخصية، بما في ذلك الصور وأشرطة الفيديو والمحادثات الخاصة ضدّهن في أيّ لحظة، مما يُفسح المجال للمضايقات والاعتداءات، الأمر الذي يدعو إلى القلق خاصة في منطقة تقوم فيها الحكومات على نحوٍ روتيني بنشر المعلومات الحساسة للنساء والنشطاء بهدف تشويه السمعة أمام المجتمع أو التخويف لإسكات أصواتهم وتقييدهم من واجباتهم الحقوقية للدفاع عن الحريات.

توصيات إلى حكومتيْ البحرين والأردن وحكومات الشرق الأوسط والاتحاد الأوروبي:

نختم الحديث مع توصيات موجهة إلى حكومات الشرق الأوسط وبالأخص البحرين والأردن بإجراء تحقيقات مستقلّة وشفافة حول موضوع التجسس والمراقبة المستهدفة للسيدتيْن المدافعتيْن عن حقوق الإنسان “هالة عاهد ذيب” ونظيرتها “ابتسام الصّايغ”.

وفيما يخص التوصيات الموجّهة إلى جميع الدول: نأمل بتطبيق الحظر الفوري على بيع ونقل واستخدام تكنولوجيات المراقبة التي تُطوّرها الشركات الخاصة (تحديدًا الإسرائيلية) إلى حين توفير ضمانات ولوائح كافية لحقوق الإنسان.

كما نُحمّل شركات المراقبة مسئولية كاملة حول تأثيرها السلبي على حقوق الإنسان، ونطالب بـ وضع إطار قانوني يُلزم شركات المراقبة بتوفير العناية الواجبة من أجل مراعاة حقوق الإنسان بهدف التعرّف على تأثير منتجاتها وخدماتها على حقوق الإنسان، ويجب القيام بهذه الخطوة الهامة قبل بيع أو نقل تكنولوجيات المراقبة ومن خلال الشراكة مع الحكومات أو الهيئات والشركات الأخرى مع تضمين بندٍ خاص لتحمّل مسئولية أيّ أضرار لم يتمّ الوقاية منها على النحو المناسب.

كما نوصي بإحداث آلية مستقلّة تُشرف على الشركات التي تبيع برامج التجسس بهدف رصد استخداماتها والتحرّي عنها وضمان استخدامها الصحيح بما لا يتعارض مع حقوق الإنسان.

ونؤكد على أهمية اعتماد تشريع دستوري يقضي بشفافية بيع واستخدام تكنولوجيات المراقبة، بما في ذلك مراعاة حقوق الإنسان ونتائجها، بالإضافة إلى ضمان التشاور مع المدافعين عن حقوق الإنسان الذين تأثّروا بسوء استخدام تكنولوجيات المراقبة فيما يتعلّق بالتشريعات المعتمدة لتنظيم الشركات التي تُنتج هذه التكنولوجيات.
وأما التوصيات الموجّهة إلى الاتحاد الأوروبي فهي تختص بضرورة التحرّك السريع لاتّخاذ تدابير جدّية وفعّالة فيما يخص مزوّدي تكنولوجيات المراقبة مثل مجموعة “إن أس أو”، والحرص على إدراج مثل هذه الكيانات في نظام عقوبات حقوق الإنسان العالمي الخاص بالاتحاد الأوروبي.

ونوصي بضرورة اتخاذ موقف رسمي إزاء السلطات الأردنية والبحرينية جرّاء المراقبة المستهدفة للسيدتيْن “هالة عاهد ذيب” و “ابتسام الصّايغ” مع مضاعفة الدعم المقدّم للمدافعات عن حقوق الإنسان في المنطقة.

ويجب التنبيه وتوعية المجتمعات المحلية والمنظمات والأفراد المُعرّضين إلى خطر تكنولوجيات المراقبة الخاصة مع توفير التمويلات اللازمة والدعم التقني للفاعلين في المجتمع المدني والصحفيين والأخصائيين في التكنولوجيا للتعرّف على المخاطر المرتبطة ببرامج التجسّس والتخفيف من وطأتها، علاوة على إصدار الإرشادات اللازمة لفائدة أي شخص يتوجّه إلى أو يعيش في بلدان ثبت فيها استخدام برامج التجسّس لاستهداف المجتمع المدني.

وعلى سبيل المثال، فقد بادرت هاتان المدافعتان عن حقوق الإنسان بمشاركة معاناتهما والأضرار التي لحقت بهما جرّاء اختراقهنّ بواسطة برنامج بيغاسوس بما مسّ حياتيْهما ووظيفتيْهما وعلاقاتهما الاجتماعية، وقد أظهرتا الشجاعة الكافية بإقدامهما على هذا التصريح علمًا بأنّ خروجهما إلى العلن قد يُعرّضهما إلى مخاطر إضافية، بيْد أن توعية الآخرين تحتلّ مكانة أهمّ بكثير من ذلك، وتعتبر واجبًا وطنيًا وإنسانيًا.

وكنقطة أخيرة: يجب محاسبة الشركات مثل مجموعة “إن أس أو” والتي تجني الأرباح من وراء مثل هذه الاعتداءات وانتهاكات حقوق الإنسان. وندعكم الآن مع الشهادة الشخصية الكاملة للمدافعة الحقوقية البحرينية “ابتسام الصايغ” أدناه:

شهادة ابتسام الصايغ :

أنا أشعر بحالة من الخوف والرعب اليومي بعد إبلاغي من قبل فرونت لاين ديفندرز بأنه تم التجسس عليّ. هذا الرعب متصل بأن هؤلاء الأشخاص الذين يقومون بالتجسس عليّ لا يملكون أي أخلاقيات ويستطيعون أن يحصلوا على معلوماتي الشخصية ويستغلونها بطريقة سيئة. وبدأت أخاف من وجود الهاتف بجانبي وخصوصا عندما أكون في غرفة النوم أو حتى في المنزل بين أهلي وأبنائي وزوجي، لأني أصبحت أعرف بأن هذا الهاتف يتجسس عليّ وقد يكون هناك من يحاول معرفة ما يدور الآن.

أنا أعمل في مجال حقوق الإنسان، ولكن ما ذنب عائلتي أن يتم التجسس عليهم من خلال هاتفي وتُنتَهك خصوصيتهم، وخصوصًا أننا نحن في بيئة اجتماعية محافظة ومجتمعات لا ترحم، وظهور صور شخصية قد يؤدي إلى تشويه صورتي التي قُمت ببنائها كل هذه السنوات أثناء عملي في المجتمع وأيضًا في مجال عملي في حقوق الإنسان.

هذا الخوف أدى إلى تقييد عملي قليلا، وأصبحت أعاني دائما من القلق ومن إحساس بأني وضعت الآخرين في خطر بسبب تواصلهم معي وكذلك وضعت أسرتي في موقف سيء.

لدرجة أنني أصبحت حتى أخاف من الخروج من المنزل أو التواجد في الأماكن العامة لأنه قد أصبح هناك مجهول مخيف، بعد أن تم التجسس عليّ والدخول إلى بيتي وأسرتي عبر هذا الهاتف.

خلال سنوات عملي وبسبب خطورة العمل، خسرت العديد من الأشخاص الذين كانوا قريبين مني وكانوا جزءًا من مُحيطي ومن ضمنهم أصدقاء كنت على علاقة بهم لسنوات طويلة. وكذلك ابتعد العديد من الأهل عني بسبب خوفهم حتى من زيارتي أو لقائي.

بعد معرفتي بقضية التجسس وإبلاغهم بهذا، زاد خوفهم عليّ وزاد أكثر خوفهم مني مع تأكد لهم نظرية أن هناك من يراقبني، فقد أتسببُ حينها في انتقال الضرر مني لهم.

عائلتي الصغيرة تدعمني دائمًا، ولكن لم يتخيّلوا في يوم من الأيام بأنهم لن يكونوا في أمان حتى أثناء جلوسهم في المنزل الذي يُعتبر المكان الآمن لأيّ شخص ولأيّ عائلة في العالم.

فكل شخص لديه أسرار عائلية، وبسبب جائحة الكورونا اليوم أصبح يتم مناقشة قضايا عائلية حساسة عبر الاتصالات في الإنترنت، حيث يتم استخدام الهاتف بشكل كبير في التواصل العائلي والجميع يملك مجموعات عائلية في تطبيقات التواصل.

ولكنني لا أستطيع أن أتخيل بأن يكون كل هذا مكشوفًا، أن تتحوّل صورنا الشخصية التي نلتقطها لنا نحن من أجل أن نتذكر أوقاتنا السعيدة من حياتنا إلى وباء ضدنا وإلى مصيبة.

هذا التجسس سيخسرني المزيد من الأصدقاء والأهل، وسوف يساهم في ابتعاد عدد أكبر منهم. لا أستطيع أن ألومَ أيّ شخص منهم لأنه لم يكنْ هناك ما يثير الخوف أثناء تواجدنا في المنزل سابقًا.

ولكن الضحايا الذين أعمل معهم سوف يخافون أيضًا من التواصل معي، خصوصًا بسبب طبيعة التواصل الرقمي خلال الجائحة كما أشرت سابقًا، وهذا سوف يؤثر على عملي كمدافعة عن حقوق الإنسان وأيضًا على العديد من الأشخاص الذي أحاول أن أساعدهم وخصوصًا النساء.

أنا مؤمنة بأن للعمل الحقوقي ضريبة يجب أن أدفع ثمنها، ولكنني لم أكنْ أرغب بأن أُوجّه طاقتي وجهدي إلى محاربة التجسس ومعالجة المشاكل التقنية التي أواجهها خصوصًا بأن فرونت لاين ديفندرز ساعدوني كثيرًا وأصبحت على اطمئنان بأنّ معلوماتي قد تكون أكثر أمانًا الآن.

كنت أشعر بأن البيت هو المكان الوحيد الآمن، وأيضًا مكان الحرية الشخصية لي، حيث إنه مِن حقي أن أخلع الحجاب وأمارس حريتي الدينية والاجتماعية دون حدود. ولكن الآن أصبحت أرتدي الحجاب حتى داخل المنزل بلا حرية، ولا أستطيع أن أمارس حياتي كما كنت سابقًا حيث لا أعتبر المنزل آمنًا.

لا أستبعد أن يتم استغلال هذه المعلومات مستقبلًا. في حالات سابقة، تمّت مصادرة مجموعة من الصور الشخصية لأشخاص تم التقاطها في حفلات الزواج وتم نشر بعض هذه الصور على الإنترنت على شكل فضائح وأدّى هذا إلى هدم العلاقات الاجتماعية، وخصوصًا عندما نتكلم عن مجتمع محافظ يرى المرأة بشكل مختلف.


أشعر بالخوف والقلق أيضًا من إمكانية الوصول إلى معلوماتي المالية الخاصة، والتي قد يتم استغلالها من قِبَل أشخاص من أجل تشويه سمعتي وتوجيه اتهامات باطلة.

للأسف، فقد تغيرت حياتي تماما بعد أنْ تمّ إبلاغي بأن هاتفي تم اختراقه، وبدأت أشعر بالخوف والقلق اليومي وخصوصًا بأنني أستخدم الهاتف بشكل يومي من أجل إرسال المعلومات واستقبالها. هذا الخوف يتعلق بأنّ مَن تجسس عليّ قد يحاول استغلال هذه المعلومات ضدي، وخصوصًا أني أتواصل، بعض الأحيان مع الضحايا لتثقيفهم حول حقوق الإنسان.

اقرأ أيضًا: بسبب بيغاسوس: أميركا تحظر NSO وشركات إسرائيلة أخرى داخل أراضيها

الخوف اليوم هو من المجهول، خصوصًا عندما تعرف بأن بعض الأشخاص ماتوا بسبب التجسس أو بعد أن تمّ التجسس عليهم. وأرى بأنه يجب أن تُحاسَب هذه الشركات التي ساهمت في معاناتنا خاصة نحن النساء. ويجب أن يتم تقديم الدعم النفسي والمعنوي إلى المتضررين.

الحرية الشخصية انتهت بالنسبة لي ولم يَعد لها وجود، لست آمنة في المنزل أو في الشارع أو في أي مكان.

هل أعجبك المحتوى وتريد المزيد منه يصل إلى صندوق بريدك الإلكتروني بشكلٍ دوري؟
انضم إلى قائمة من يقدّرون محتوى إكسڤار واشترك بنشرتنا البريدية.