أين تذهب الشركات والمصانع التقنية في موسم الهجرة العظيمة خارج الصين، ولماذا؟

أين تذهب الشركات والمصانع التقنية في موسم الهجرة العظيمة خارج الصين، ولماذا؟
أستمع الى المقال

بينما كانت العولمة تكتسب زخمًا واسعًا في التسعينيات، تعلّم الناس عن مفهوم جديد: الانتقال إلى الخارج أو  (Offshoring)، ويعني تسيير عمليات الشركات الإنتاجية خارج حدود البلاد التي تُدار منها. وحتى في ذلك الوقت، كانت الفكرة لا تحظى بشعبية كبيرةٍ لدى الجمهور، حتى مع تبني المديرين التنفيذيين للشركات الفكرة بسبب العمالة الأرخص والأقل تمكينًا. وكانت الصين، بقوى عاملة مدربة تدريباً جيداً وطبقة وسطى متنامية حريصة على شراء السلع الغربية، المزيج المثالي بين المكان الأمثل لتوطين المصانع والسوق الاستهلاكي. لكن مع قفزةٍ صغيرة إلى الأمام عقدين من الزمن. تحاول معظم الشركات الآن نقل الإنتاج إلى البلدان الصديقة حيث لا داعي للقلق من أنها ستقع في خط النار الجيوسياسي الذي يزداد عنفًا بين الولايات المتحدة والصين يومًا بعد يوم.

بداية الهجرة إلى الصين

بالنسبة للشركات، كان الانتقال إلى الخارج -إلى الصين تحديدًا- ضرورةً مالية بالنظر إلى أن عمال التصنيع في الولايات المتحدة، الذين يكسبون 20 دولارًا في الساعة -أو أكثر- يمكن استبدالهم بعاملين يكسبون أقل من دولار في الساعة ويعملون بنفس الكفاءة. هذا ما استدعى غضب الكثيرين من الشعب والمساهمين على حد سواء. على سبيل المثال، نقلت شركة “آي بي إم” (IBM) مدير المشتريات العالمي وبعض وظائف البحث والتطوير إلى هناك. غضب بعض مساهمي الشركة في أحد الاجتماعات السنوية لدرجة أنهم دعوا إلى نقل الرئيس التنفيذي نفسه إلى الخارج.

وغضب الكثير من المواطنين الأمريكيين والألمان والإيطاليين والسويديين وغيرهم أيضًا. ولم يكن ذلك مستبعدًا، نظرًا لأن سبل عيشهم سُلبت منهم. ولطالما كان انتقال الشركات إلى الخارج عاملاً تسبب في اندلاع الانقسامات القائمة بين ما يسمى بالنخب وما يسمى بالناس العاديين؛ الانقسامات التي بالكاد يمكن السيطرة عليهاـ والتي ابتُليت بها المجتمعات الغربية اليوم. من الصعب أن نرى كيف كان سيتم انتخاب دونالد ترامب لولا إرث تلك المرارة.

لكن الشركات استمرت -وتستمر- في إدارة عملياتها من المواقع التي تحقق أكبر قدر من الناحية المالية لأنها مسؤولة أمام مساهميها، وليس العمال أو الجمهور الأوسع، وبينما قد يشعر عدد قليل من الرؤساء التنفيذيين بالتزام أخلاقي تجاه بلدانهم الأصلية. ، فإن مثل هذه المشاعر لن تفيدهم عند استعراض نتائجهم الفصلية. إلى جانب ذلك، فإن شحن البضائع العالمي لطالما كان يسري بفاعلية كبيرة بما يسمح بتصنيع المنتجات بعيدًا عن المستهلكين.

فانتقال المصانع إلى الخارج لن ينتهي في أي وقتٍ قريب، ولكن هذا لا ينطبق على التصنيع في الصين. في استطلاعٍ أجرته غرفة تجارة الاتحاد الأوروبي في الصين في يونيو/حزيران 2021، قالت 23% من الشركات الغربية إنها تفكر في نقل العمليات بعيدًا عن البلاد، بينما أفاد 50% منها أن الأعمال في الصين أصبحت أكثر تسييسًا في عام 2021 مما كانت عليه في السنوات السابقة.

في المقابل، أفادت الغرفة الأوروبية في استطلاعها لعام 2019 أن الشركات الأوروبية لديها “التزام شديد الصرامة تجاه السوق الصينية الناضجة والنابضة بالحياة”. لكن هذا لم يدم طويلاً، إذ قال توني دانكر، المدير العام لاتحاد الصناعة البريطانية، لصحيفة فاينانشال تايمز: “إن كل شركة أتحدث إليها في الوقت الحالي منخرطة في إعادة التفكير في سلاسل التوريد [التي تركز على الصين]. وذلك لأنهم يتوقعون أن سياسيينا سيواكبون السعي نحو عالم منفصل عن الصين.”، وتجدر الإشارة إلى الصين بدورها انتهجت نهج الانعزال كذلك خلال العقد الماضي، ما عاد عليها بنتائج لم تكن حميدة.

اقرأ: سياسات الصين الانعزالية: هل تكلفها انحدارًا تقنيًا رغم تركيزها على عكس ذلك؟

كما أن الاعتماد على موقع واحد أو مورّد واحد يجعل من مخاطر “نقطة الفشل الوحيدة” -أي النقطة التي يعتمد عليها كل شيء، وبفشلها يفشل كل شيء- مدمرةً لسلاسل التوريد. إذ جاء تذكيرٌ صارخ بتأثيرها على صناعة السيارات العالمية في عام 2011، عندما عانى تركيز كبير من الموردين اليابانيين من زلزال توهوكو المدمر.

عوامل الهجرة إلى الخارج

كان الضغط الوبائي بمثابة القشة التي قسمت ظهر البعير. إذ  تسببت سياسة عدم انتشار فيروس كورونا في الصين (التي عُرفت باسم “صفر كوفيد”) في تعكير صفو سلاسل التوريد وتركت عمال المصانع محبوسين في المنشآت التي يعملون بها، ولا تظهر أي بوادر على انتهاء ذلك في أي وقتٍ قريب. كما تعني التركيبة السكانية في الصين تقلص مجموعة العمال المحتملين -نتيجة سياسة الطفل الواحد التي اشتهرت بها الصين-، ومع صعود البلاد إلى المراتب المتوسطة من الدخل العالمي، أصبحت العمالة أكثر تكلفة. لكن عدوانية بكين المتزايدة تجاه الغرب وإصرارها على الحفاظ على العلاقات مع موسكو قد تركا المديرين التنفيذيين قلقين أيضًا من احتمال الوقوع في الجانب الخطأ من الصراع العالمي.

وقالت بيتينا شوين-بهانتزين، نائبة رئيس غرفة التجارة الأوروبية، في بيانٍ حديث: “الشيء الوحيد الذي يمكن التنبؤ به بشأن الصين اليوم هو عدم القدرة على التنبؤ بها، وهذا ضار ببيئة الأعمال. تعمل أعداد متزايدة من الشركات الأوروبية على تعليق استثماراتها في الصين وإعادة تقييم مراكزها في السوق بينما تنتظر معرفة المدة التي ستستمر فيها حالة عدم اليقين هذه، ويتطلع الكثيرون إلى وجهات أخرى للمشاريع المستقبلية.”

عندما أغلق أول ظهور لفيروس كورونا المصانع في الصين في أوائل عام 2020، أدت عمليات الإغلاق إلى زعزعة خطط المبيعات للعديد من الشركات التقنية، بما في ذلك آبل، التي اضطرت إلى خفض توقعات مبيعاتها الفصلية لأنها لم تتمكن من صنع ما يكفي من أجهزة آيفون. إذ بدأ فريق عمليات الشركة في البحث عن مواقع تصنيع بديلة للتحوط ضد عمليات الإغلاق المستقبلية في الصين.

وأفادت صحيفة نيويورك تايمز أن فيتنام، التي اختارتها شركة آبل لإنتاج سماعات “AirPods” في عام 2020 أصبحت خيارًا نوقش كثيرًا.و منذ ذلك الحين، بدأت آبل في إنتاج ساعتها الذكية هناك أيضًا، ونقلت جزءًا تصنيع أجهزة آيباد هناك. وفي أحدث إصدار من قائمة آبل لأكبر 200 مورّد لها، يوجد 20 مصنعًا منهم في فيتنام.

كما تمكنت آبل من تجميع وتغليف جزء من وحدات “آيفون 14” هذا العام في الهند لأول مرة. في حين أن معظم الإنتاج الأولي والأكثر أهمية لهذا الجهاز لا زال يحدث في الصين، فإن آبل ستنقل إجمالي إنتاجها من آيفون إلى الهند لاحقًا.

حتى مع تقدم آبل في خططها، كانت الشركة حريصة على عدم استعداء الحزب الشيوعي الحاكم في الصين لأن الغالبية العظمى من منتجاتها لا تزال تُصنع هناك. وبينما كانت الصين تجري تدريبات عسكرية حول تايوان خلال زيارة نانسي بيلوسي، ذكّرت شركة أبل مورديها التايوانيين بملصق المكونات الموجهة إلى الصين على أنها مصنوعة في “تايبيه الصينية” أو “تايوان – الصين”، وفقًا لتقرير في صحيفة “نيكاي آسيا” اليابانية.

الوجهات المطروحة

حتى الآن، كان المستفيد الأكبر من القلق بشأن الصين هو فيتنام. إذ وقعت شركة “فوكسكون”، أكبر شركة لتصنيع منتجات آبل، مؤخرًا صفقة بقيمة 300 مليون دولار للتوسع في شمال فيتنام بمصنع جديد سيوفر 30 ألف وظيفة، وفقًا لوسائل الإعلام الحكومية، ذلك إضافةً إلى الـ 1.5 مليار دولار التي قالت الحكومة الفيتنامية إن شركة فوكسكون استثمرتها بالفعل في البلاد.

وسارعت فيتنام للترحيب بموجة الشركات المصنعة للتكنولوجيا. من الإعفاءات الضريبية والبنية التحتية الجديدة متسارعة التطوير، إلى المشاركة في أكثر من اثني عشر اتفاقية للتجارة الحرة والوعد باقتصاد محايد للكربون بحلول عام 2050، تبذل الدولة كل ما في وسعها لإغراء عمالقة التكنولوجيا الذين يتطلعون إلى نشر قواعد إنتاجهم على أراضيها.

واحتفلت وسائل الإعلام المحلية بتوسعات المصانع المخطط لها من قبل شركات “ِشارب” و”نينتيندو” و”لينوفو”، هذا إلى جانب رحلة في مايو/أيار قام بها رئيس الوزراء “بام مين شين” إلى وادي السيليكون، حيث التقى مع الرئيس التنفيذي لشركة Apple تيم كوك ومديرين تنفيذيين آخرين في مجال التكنولوجيا.

في مقاطعتي باك جيانغ وباك نينه في شمال شرق فيتنام، تدير شركة فوكسكون وغيرها من الشركات المصنعة المتعاقدة مصانع ضخمة في الريف التي كانت ذات يوم حقول أرز وأراضي زراعية تحيط بها المعابد وأشجار البانيان والبرك. الآن، ينزل العمال من جميع أنحاء البلاد إلى هذه المرافق بحثًا عن وظائف.

أعلنت لوحة إعلانية خارج مصنع فوكسكون في باك نينه أن الشركة تتطلع إلى توظيف 5000 عامل “بشكل عاجل” مع أجر شهري يقارب 300 دولار لمنصب مبتدئ، وهذا أقل من نصف الأجر الشهري -4500 يوان، أو حوالي 650 دولار- الذي تقدمه شركة فوكسكون لتعيينات جديدة في خطوط التجميع الخاصة بها في شنتشن في جنوب شرق الصين.

يؤكد التفاوت في الأجور على سبب آخر وراء بحث الشركات عن خيارات تصنيع جديدة. على مدى العقد الماضي، ضاعف عمال التصنيع في الصين دخلهم السنوي ثلاث مرات إلى أكثر من 9300 دولار سنويًا، وفقًا لمكتب الإحصاء في البلاد.

كما أضافت الرسوم الجمركية الأعباء المالية إلى تكاليف التصنيع في الصين. ففي عام 2019، فرض الرئيس الأميركي دونالد ترامب تعريفة بنسبة 15% على المنتجات التقنية مثل مكبرات الصوت الذكية والساعات الذكية وسماعات الرأس اللاسلكية القادمة من الصين. ومع اشتداد معركة الرسوم الجمركية، نظرت جوجل أيضًا في بدائل للصين. إذ تخطط الشركة هذا العالم لنقل التصنيع من منشآت “فوكسكون” في جنوب الصين إلى فيتنام أيضًا، حيث ستبدأ في تجميع أحدث هواتفها، “بيكسل 7” هناك. وتتوقع الشركة أن تقدم فيتنام ما يصل إلى نصف شحنات هواتف “بيكسل” العام المقبل.

لكن تخطيط جوجل لذلك يوضح مدى صعوبة انتقال الشركات خارج الصين تمامًا. إذ أن ستخدام أحدث تقنيات الشاشات والمفصلات وغيرها من أجهزة العتاد الداخلي -التي تُصنع في الصين منذ سنوات-، قد يتطلب على الأرجح أن يكون الإنتاج قريبًا من الموردين الرئيسيين في الصين. لذا، فإن الطريق لا زال طويل لنقل سلاسل الإمداد بأكملها خارج البلاد.

وبالنسبة لبدائل الصين، فإن القرب مهم. إذ تسببت استثمارات شركة فوكسكون وغيرها في ارتفاع أسعار العقارات الصناعية في فيتنام بمقدار الثلث تقريبًا منذ عام 2019 إلى 105 دولارات للمتر المربع، في حين ارتفعت تكلفة المستودعات بنسبة 20%، وفقًا لـشركة “كشمان & ويكفيلد” (Cushman & Wakefield) العالمية للعقارات.

وبينما تتصاعد أهمية فيتنام كوجهة تصنيعية مهمة بديلة للصين، هناك عددٌ من البلدان في جنوب وجنوب شرق آسيا تحظى باهتمامٍ كبير كذلك، أبرزها الهند. فالصناعة في الهند من أهم المحاور المحلية التي تصب عليها الحكومة اهتمامًا خاصًا. مثالٌ على ذلك برنامج “اصنع في الهند” (Make in India)، وهو برنامج وطني يهدف لوضع الهند على الخريطة كمركز تصنيع وجذب المزيد من الشركات والمستثمرين. تشمل المنتجات الرئيسية في الهند السيارات والكيماويات والملابس والإلكترونيات الاستهلاكية والمعدات الكهربائية والأثاث والآلات الثقيلة والمنتجات البترولية المكررة وبناء السفن.

لكن الجدير بالذكر أن تكلفة العمالة في الهند أقل بكثير مقارنة بالصين، ما يعني أنه سيتعين على الشركات والمصانع المنتقلة إلى هناك التعامل مع بنية تحتية أضعف ونظام نقل غير فعال واستهلاك محلي أقل.

يبرز كذلك اسم إندونيسيا، إذ يبلغ عدد سكان البلد 275 مليون نسمة، وهي الدولة الأكثر اكتظاظًا بالسكان في جنوب شرق آسيا ويبلغ عدد القوى العاملة فيها حوالي 135 مليون نسمة. ففي ظل التحضّر السريع ومتوسط ​​العمر الذي يبلغ 29.7 سنة، من المقرر أن تصبح البلاد مركزًا صناعيًا رائدًا في آسيا.

من المتوقع أن يشهد سوقها المحلي نموًا كبيرًا مع زيادة الدخل المتاح وزيادة عدد الأشخاص الذين يمكنهم الوصول إلى الهواتف الذكية والإنترنت وخيارات التمويل الحديثة. لكن في الوقت نفسه، تعاني البلاد من مشاكل البنية التحتية والروتين واللوائح التي تميل إلى أن تكون غير واضحة ومتقلبة كثيرًا.

تخوّف من هجرة محلية

لم يتوقف الأمر عند الشركات الغربية، إذ أفادت رويترز مطلع يوليو/تموز أن شركة “شاومي” الصينية الرائدة بدأت في إنتاج الهواتف الذكية في فيتنام، مما أدى إلى إثارة نقاشات بما في ذلك التعبير عن خيبة الأمل والإثارة في الصين. إذ أصبحت عبارة “شاومي تصنع الهواتف الذكية في فيتنام” من أهم عبارات البحث في الصين مع حوالي مليون عملية بحث.

وعلق صيني: “لقد فقدنا خطوط تجميع آبل وسامسونج والآن شاومي. حتى العلامة التجارية المحلية تتطلع الآن إلى الانتقال إلى الخارج. هذا عار”. وكتب آخر: “عندما يتم بناء مصنع، فإنه يوظف السكان المحليين، ويحسن البنية التحتية ويرفع مستويات المعيشة. وتستغل فيتنام والهند فرصنا، وهي مسألة وقت قبل أن يتمكنوا من إتقان تصنيع أحدث التقنيات”.

لكن أكد ممثل الشركة أن تلك الخطوة تهدف إلى “إنتاج أجهزة لفيتنام وبعض دول جنوب شرق آسيا. لم تنتقل كل مصانعنا إلى هناك”. وأضاف “أن جائحة كوفيد قد أثرت على لوجستيات شاومي وإمداداتها إلى المنطقة، لذا فإن توسيع الإنتاج إلى فيتنام سيقلل من التكاليف ويحسن كفاءة التوريد.”

هل أعجبك المحتوى وتريد المزيد منه يصل إلى صندوق بريدك الإلكتروني بشكلٍ دوري؟
انضم إلى قائمة من يقدّرون محتوى إكسڤار واشترك بنشرتنا البريدية.