أستمع الى المقال

إن حجم تبادل الأموال العالميّة ضخم جدًّا لدرجة يصعب علينا استيعاب هذه الضخامة، فهناك الملايين من المعامل والمصانع والشركات والمؤسّسات حول العالم، الّتي تعتمد يوميًّا في تبادل الأموال بشكل أساسيّ لاستمرار عجلة الصناعة والعمل بها. في المقابل، هناك الكثير من الشركات والأنظمة الّتي تساعد في سهولة تبادل هذه الأموال على الصعيد العالميّ، ولكن هناك نظام واحداً يعتبر الأكثر هيمنة على هذا القطاع، بالإضافة إلى أنّه أكثر سهولة وأمان في التعامل على مستوى العالم، إنّه نظام “سويفت” (SWIFT) للمعاملات الماليّة الدوليّة.

بالإضافة إلى الدور الذي يلعبه هذا النظام في تسهيل مجموعة من الخدمات الماليّة، تساعد سويفت أيضًا في لجم الانتهاكات ضدّ القوانين الدوليّة. ويجوز للأمم المتّحدة والدول الأعضاء فيها تقييد الوصول إلى نظام سويفت كوسيلة لفرض العقوبات الدوليّة. على سبيل المثال بين عامي 2012 و2016 انقطعت البنوك الإيرانيّة عن شبكة سويفت بسبب العقوبات المفروضة على برنامجها النوويّ.

وفي الوقت الحاليّ، هناك الكثير من الأصوات تتصاعد في المنظومة الدوليّة تطالب بفرض تقييد الوصول إلى نظام سويفت على النظام الروسيّ، وذلك ضمن حزمة العقوبات الّتي سيتمّ فرضها على روسيا، بسبب ما شهدناه بالأمس من احتلالها لأوكرانيا، فقد استفاق مواطنو أوكرانيا يوم الخميس 24 فبراير/شباط على اجتياح روسيّ واسع للأراضي الأوكرانيّة وبالأمس غرّد الرئيس فولودومير زيلينسكي من خلال حسابه الرسميّ على منصّة تويتر قائلًا إنه يطالب بفصل روسيا عن نظام سويفت، وفرض منطقة حظر طيران فوق أوكرانيا وخطوات فعّالة أخرى لوقف الاعتداء.

بدايةً ما هو نظام سويفت؟، وكيف يتمّ استخدامها في البنوك والمدفوعات الدوليّة؟، ومن ثمّ سنتطرّق إلى فعاليّة قطع استخدام نظام سويفت على روسيا، ومدى جدوى هذه الضغوطات، وهل لها تأثيرات جانبيّة على المنظومة العالمية بشكل عامّ؟

ما هو نظام سويفت؟

جمعيّة الاتّصالات الماليّة العالميّة بين البنوك أو (The Society for Worldwide Interbank Financial Telecommunication)، هو نظام مراسلة للدفع الإلكترونيّ تستخدمه البنوك والمؤسّسات الماليّة في جميع أنحاء العالم. ويعتبر نظام سويفت المعيار الذهبيّ للموثوقيّة والأمان في المعاملات الماليّة، أرسلت أكثر من 11000 مؤسّسة عضو في SWIFT في 200 دولة أكثر من 35 مليون معاملة يوميًّا عبر الشبكة في عام 2020. وسجّلت المنظّمة ما متوسّطة 42.5 مليون رسالة يوميًّا على أساس عامّ حتّى تاريخه في مارس 2021. نمت حركة المرور بنسبة 9.8% مقارنة بالفترة نفسها من العام السابق

أكواد سويفت

ما هو تاريخ سويفت؟

قبل نظام SWIFT، اعتمدت المؤسّسات الماليّة على نظام نقل بيانات يعود إلى حقبة الحرب العالميّة الثانية يسمّى (Telex) Teleprinter Exchange للتواصل دوليًّا. كان Telex أوّل طريقة لنقل البيانات لمسافات طويلة تمّ إنشاؤها على الإطلاق. ورغم نجاحها في الحرب العالميّة الثانية والعقود التالية، فإنّ نظام Telex كان بطيئًا وغير آمن نسبيًّا ولم يكن لديه نظام موحّد من الرموز، ممّا أدّى إلى أخطاء لا حصر لها للمستخدم حيث أساءت أجهزة الاستقبال تفسير الرسائل المرسل.

في عام 1973 توحّد 239 بنكًا من جميع أنحاء العالم، في محاولة منهم للتوصّل إلى حلّ أفضل للمدفوعات عبر الحدود. وشكّلت البنوك مرفقًا تعاونيًّا يسمّى “جمعيّة الاتّصالات الماليّة العالميّة بين البنوك” وبدأت العمل مع خدمة الرسائل سويفت في عام 1977.

مع تسجيل أكثر من 10 ملايين رسالة في عامها الأوّل، أثبتت سويفت أنّها تقنيّة ممتازة، سرعان ما حلّت محلّ نظام Telex اليدويّ. وخلال الأعوام الماضية، رسخت شبكة سويفت مكانتها كرائد عالميّ في مجال المراسلة الماليّة.

تردّد الولايات المتّحدة والغرب في منع وصول سويفت لروسيا

بعد الأحداث الّتي شهدناها اليوم لغزو القوّات الروسيّة للأراضي الأوكرانيّة، تستعدّ الولايات المتّحدة وحلفاؤها الغربيّون لبدء طرح حزمة عقوبات لا مثيل لها من حيث نطاق التجارة المستهدفة وحجم الاقتصاد الخاضع للعقوبات.

وضّحت نائبة الرئيس الأمريكيّ كامالا هاريس في مؤتمر ميونيخ للأمن خلال عطلة نهاية الأسبوع أنّ هذه العقوبات تعتبر الأكبر، إن لم تكن الأقوى الّتي أصدرتها الولايات المتّحدة على الإطلاق. وأشارت إلى أنّ هذه العقوبات موجّه إلى المؤسّسات على وجه الخصوص، والمؤسّسات الماليّة والأفراد، وسيؤدّي إلى ضرر كبير للاقتصاد الروسيّ.

وعلى الرغم من كلّ هذه التهديدات، يبدو أنّ التحالف الأمريكيّ قد تراجع عن فكرة تضمين نظام سويفت في العقوبات، وقرّر عدم منع وصول روسيا إلى نظام اتّصالات المدفوعات الدوليّة. أصبح النقّاد يشيرون إلى عقوبات سويفت على أنّها “الخيار النوويّ”. لكنّ بعض خبراء السياسة يقولون إنّ هذا التوصيف مُبالغٌ فيه إلى حدّ كبير، وأنّ عقوبات سويفت لن تكون فعّالة مثل تلك الّتي تستهدف البنوك الروسيّة بصورة مباشرة.

ما سبب تخوّف الولايات المتّحدة وحلفائها من هذا القرار؟ 

إن تخوف الولايات المتّحدة وحلفائها من استخدام منظومة سويفت كورقة ضغط على النظام الروسيّ، هو تخوّفهم من أن إزالة الوصول الروسيّ إلى هذا النظام، قد يشكّل صدمة اقتصاديّة لا يفضّل السياسيّون والشركات الأمريكيّة التحريض عليها.

بالإضافة إلى القلق بشأن وضع الدولار الأمريكيّ كعملة احتياطيّة عالميّة. فمن الممكن أن تكون عقوبات سويفت، عوضا عن كونها “خيارًا نوويًّا” تحبط روسيا، هو بداية انهيار متسلسل من الأحداث الّتي تدعم أنظمة الدفع الرقميّة البديلة الّتي تدعمها الصين وروسيا.  وإلى توجيه الأسواق الناشئة نحو أنظمة قائمة على blockchain من شأنها تقليل الاعتماد العالميّ على النظام النقديّ الدوليّ المتمركز حول الولايات المتّحدة.  

تجدر الإشارة إلى أنّ الغالبيّة العظمى من معاملات سويفت تتمّ تسويتها بالدولار الأمريكيّ، ممّا يساعد على ترسيخ مكانة العملة الأمريكيّة كعملة احتياطيّة عالميّة. وهذا يمنح الولايات المتّحدة نفوذًا هائلًا على الاقتصاد العالميّ، وممّا يسمح أيضًا للحكومة الفيدراليّة بالاقتراض بأسعار مخفّضة، وتراكم الديون الوطنيّة الّتي تتجاوز الآن 30 تريليون دولار وممارسة تأثير على الدول الأجنبيّة من خلال السياسة النقديّة العقابيّة. وعلى الرغم من الحياد المفترض لنظام سويفت، فقد مارست الولايات المتّحدة نفوذها لإخراج إيران من الخدمة مرّتين. وفي كلتا الحالتين كان للعقوبات النتيجة المقصودة المتمثّلة في عرقلة الاقتصاد الإيرانيّ من خلال الحدّ من التجارة الدوليّة.

ماذا لو انقطعت روسيا عن نظام سويفت؟

تعدّ روسيا اقتصادًا أكبر بكثير من إيران وهي مندمجة بعمق في المجتمع الماليّ العالميّ، لذا فإنّ تأثير قطع سويفت سيكون أكبر بكثير ممّا هو عليه في حالة إيران.

تقول إلينا ريباكوفا الخبيرة الاقتصاديّة في معهد التمويل الدوليّ ومقرّه واشنطن، إنّ روسيا ستواجه اضطرابًا اقتصاديًّا كبيرًا لفترة من الوقت، لا سيّما فيما يتعلّق بالمدفوعات الخارجيّة.

وتضيف إن الاضطراب قد تتسبّب في انكماش الاقتصاد الروسيّ وتراجع الروبل على المدى القصير. ونظرًا لأنّ الصادرات الروسيّة الرئيسيّة، كالنفط والغاز الطبيعيّ ضروريّة لأوروبا، سيسعى الجانبان لإيجاد حلّ سريع.

المصدر: CNBC

وأوضحت أنّ التأثير سيكون ضعيفًا نوعًا ما لأنّ روسيا تعمل على بناء نظام الرسائل الماليّة الخاصّ بها.

ففي عام 2014، بعد أن ضمّت روسيا شبه جزيرة القرم الأوكرانيّة، كانت هناك دعوات لعزل روسيا عن نظام سويفت. لذلك دعم الكرملين تطوير منصّة اتّصالات ماليّة محلّيّة لحماية نفسه. المعروف باسم نظام نقل الرسائل الماليّة (SPFS)، وكان للمنصّة الروسيّة أكثر من 400 بنك عضو، ويتضمّن عشرين بنكًا من دول الاتّحاد السوفيتيّ السابق.

قد تكون أمريكا قد قامت في توجيه قوّتها الماليّة إلى دول صغيرة أو منعزلة مثل كوبًا وإيران وميانمار. تعدّ روسيا ضعف الحجم الإجماليّ لأيّ اقتصاد فرضته أمريكا على الإطلاق. أيّ اضطراب في روسيا من شأنه أن يمتدّ إلى البلدان الّتي لديها تعاملات تجاريّة معها. فهو خامس أكبر شريك تجاريّ للاتّحاد الأوروبّيّ، والبنوك الأوروبّيّة لديها مطالبات بقيمة 56 مليار دولار على المقيمين الروس. ودعونا لا ننسى أنّ روسيا هي مصدر 35% من إمدادات الغاز في أوروبا وهي موطن لأصول بقيمة 350 مليار دولار.

بحلول يناير / كانون الثاني من هذا العام، كانت الاحتياطيات الدولية للحكومة الروسية، من العملات الأجنبية والذهب عند مستويات قياسية، تزيد قيمتها عن 630 مليار دولار.
المصدر: BBC

وستتحمّل أمريكا أيضًا التكاليف على المدى الطويل. وهي تسيطر على التمويل الدوليّ بفضل هيمنة الدولار ودوره البارز في أنظمة الاستيطان العالميّة. أيّ دولة لديها علاقات غير مستقرّة مع أمريكا ستبحث عن بدائل سريعة، وستستفيد هذه الدول من التجربة الروسيّة، وإنشاء شبكتها الخاصّة في التداول الماليّ.

توجد أسلحة أخرى اقتصاديّة يمكن لأمريكا استخدامها، على سبيل المثال، إدراج المؤسّسات الماليّة الروسيّة الكبيرة في القائمة السوداء، ومنع بنوكها من التعامل معها. من المحتمل أن يكون هذا معطّلًا لروسيا أكثر من فصلها عن نظام سويفت، دون الحاجة إلى تقويض الهيكل الماليّ العالميّ. ورغم ذلك فإنّ خطر حدوث انتكاسة فوريّة سيظلّ قائمًا. وتشكيل الكثير من الارتدادات على الاقتصاد العالميّ.

هل أعجبك المحتوى وتريد المزيد منه يصل إلى صندوق بريدك الإلكتروني بشكلٍ دوري؟
انضم إلى قائمة من يقدّرون محتوى إكسڤار واشترك بنشرتنا البريدية.