ما الأسباب التي تجعل موظفي آبل يتركون العمل لدى “جنة” وادي السيليكون؟

ما الأسباب التي تجعل موظفي آبل يتركون العمل لدى “جنة” وادي السيليكون؟
أستمع الى المقال

هل سبق لك أن شاهدت أحداث آبل التي تعلن فيها عن منتجاتها الجديدة، وهل أنت مثلي ممن كان يترقب المقطع الخاص برئيس قسم التصميم (جون آيف) الذي كان يستعرض لنا بلهجته البريطانية المحببة وصوته الهادئ ميزات تلك المنتجات.

ولمن لا يعرف تاريخ الرجل مع آبل، فقد انضم آيف إلى عملاقة التقنية الأمريكية عام 1992، وقد صمم لها خلال تسعينيات القرن الماضي بعض إصدارات (مساعدها الرقمي الشخصي) Newton. وبعد أن عاد (ستيف جوبز) إلى الشركة عام 1997 أصبح آيف من المقربين إليه، وشارك في تصميم المنتجات التي تشتهر بها الشركة حاليًا.

ومن بين الأجهزة التي شارك آيف في تصميمها: الحاسوب الشخصي (آيماك) iMac عام 1998، ثم صندوق الحاسوب الشخصي (باور ماك جي4 كيوب) Power Mac G4 Cube عام 2000، ثم جهاز تشغيل الوسائط المتعددة المحمول (آيبود) iPod عام 2001، ثم هاتف (آيفون) iPhone الذكي عام 2007، ثم الحاسوب اللوحي (آيباد) iPad عام 2010، كما أنه شارك في تصميم حاسوب (ماك بوك) MacBook.

ولم يقتصر دور آيف على تصميم الأجهزة، بل شارك أيضًا في تصميم واجهة نظام التشغيل (آي أوإس) iOS. وساعد أيضًا في تصميم متاجرها، ومقرها الرئيسي (آبل بارك) Apple Park بمدنية كوبيرتينو في ولاية كاليفورنيا الأمريكية.

ما دفعني للحديث عن آيف هو أن خبر تركه شركة آبل عام 2019 كان مفاجئًا وغريبًا بالنسبة لي، فكيف لشخص مثله عمل لأكثر من 27 عامًا في شركة يحلم كثيرون بالعمل لديها، يتركها هكذا بكل بساطة.

ولأن آيف كان من بين كبار المسؤولين لدى آبل، وكنا نراه دائمًا في الصور إلى جانب الراحل (ستيف جوبز)، و(تيم كوك)، ومسؤولي الشركة الآخرين، ولأن أحداث الشركة السنوية ارتبطت بصورته وصوته، فإن خبر استقالته كان مميزًا، ولكن يبدو أن آيف لم يكن الأول ولن يكون الأخير في ترك آبل.

ومن أشهر الموظفين الكبار الذي غادروا شركة آبل حديثًا هو (جيف ويلكوس) الذي يعد المسؤول عن تطوير معالجات آبل، (آبل سيليكون) Apple Silicon، ومعالج الأمن (تي2) T2.

وقد أُعلن قبل أيام أن ويلكوس غادر آبل ليعود إلى إنتل، وذلك في وقت احتدمت فيه المنافسة بين العملاقين الأمريكيين في مجال تطوير وصناعة المعالجات.

اليوم سنستعرض معكم علاقة آبل بموظفيها، ولماذا أصبحنا نسمع كثيرًا عن مغادرة الموظفين سواء الكبار منهم أو الصغار لشركة هي الأعلى قيمةً في العالم، وقد بلغت قيمتها السوقية حديثًا 3 تريليونات دولار أمريكي.

قد تختلف دوافع مغادرة الموظفين الكبار عن نظرائهم الصغار، وهو ما سنشرحه هنا، ولكن الشركة أصبحت تعاني حقًا من أزمة، الأمر الذي جعلها تعض بنواجذها على مهندسيها من خلال إغرائهم بالحوافز المالية.

ولكن قبل الخوض في أسباب مغادرة موظفي آبل، دعونا نعود قليلًا إلى حقبة (ستيف جوبز) الذي توفي عام 2011، ليترك إدارة الشركة لـ (تيم كوك)، الذي كان يثق بأنه سيسير على خطاه.

ثقافة السرية لدى آبل

تشتهر شركة آبل منذ حقبة جوبز بثقافة السرية، حتى أن البعض يصفها بأنها الشركة الأعلى سريةً في العالم، وكأنها وكالة استخبارات. وتحرص الشركة أن يبقى كل شيء يجري داخلها سرًا، حتى أنه يُقال إن الشركة تحذر موظفيها الذي يحضرون اجتماعاتها بأن إفشاء ما يجري داخل تلك الاجتماعات سيؤدي إلى الطرد منها والمحاكمة.

ومن الأساليب التي تتبعها الشركة للحفاظ على السرية، هي أنها تفصل موظفيها عن بعضهم بهدف منع التسريبات، فلا يدري القسم “س” عما يفعله القسم “ع”، والأشخاص الوحيدون الذي يعرفون ما يجري تمامًا هم المسؤولون الكبار فقط.

ويُقال أيضًا إن موظفي الشركة يتطلعون إلى أحداث الشركة السنوية ليعرفوا الشكل النهائي للمنتج الذي كانوا يعملون عليه قبل ذلك، لأنهم لا يعرفون حقًا إلا الجزئية التي كانوا مسؤولين عنها فقط.

وقد يُعزى السبب وراء هذه السرية إلى عقلية وشخصية جوبز الذي كان يحب أن يتكتم على كثير من الأشياء التي يفعلها، وهو ما أظهرته الوثائقيات التي نُشرت عنه، ولأن الرجل كان شغوفًا بالإبداع ويعرف كيف ينافس في السوق، فقد كان يُصر على سرية المنتجات التي تعمل عليها الشركة بغية جعل عملاء الشركة في تشوق دائم إلى ما تخفيه من جديد المنتجات.

كوك يسير على خطى جوبز

ولأن تيم كوك تربى على يدي جوبز وكان الأخير يرى في الأول خير خليفة له في إدارة الشركة بعد وفاته، فقد حافظ كوك على نهجه في السرية، وربما أصبح من المتطرفين فيها.

وبالنظر إلى أن بعض الناس كانوا يعتقدون أن وفاة جوبز مثلت نهاية العصر الذهبي لآبل، فقد حاول كوك أن يثبت العكس، وأن آبل أكبر من مجرد شخص، بل هي علامة تجارية قائمة على فلسفة خاصة ستستمر حتى بعد وفاة الرجل الذي أسسها وصنعها.

وبالفعل، ها قد مضت نحو 10 سنوات على وفاة جوبز وآبل مستمرة في نجاحها حتى أنها تمكنت خلال العقد الماضي من مضاعفة قيمتها السوقية مرات عديدة.

ولكن السياسة التي تتبعها آبل أثرت على علاقتها بموظفيها، فعلى سبيل المثال، فإن السياسة الخاصة بالتركيز على هاتف آيفون – الذي لا يزال منذ أكثر من عقد يشكل عماد إيراداتها المالية – والتأخر في إطلاق ابتكارات جديدة، دفع بعضًا من كبار مهندسيها إلى تركها.

ويُعزى ترك كبار المهندسين إلى أن بعضهم يسعى إلى تأسيس شركات خاصة بهم تعمل على ابتكارات قد تغير عالم التقنية، تمامًا كما فعل جوبز من قبل بمنتجات آبل الحالية، أو للانضمام إلى شركات منافسة، مثل: (ميتا) Meta تَعِد بابتكارات يسعى كثير منهم إلى العمل عليها، مثل: الواقع المعزز، والواقع الافتراضي.

أما السياسة الخاصة بالسرية والإصرار على الربح مهما كلف الأمر، أثر على علاقة الشركة بالموظفين الأدنى درجة، وهو الأمر الذي أدى خلال السنوات الماضية إلى حالة نادرة من التململ بين الموظفين، الذي خرج كثير منهم عن صمتهم وفضحوا للملأ مساؤى بيئة العمل لدى “جنة” وادي السيليكون.

وخلال شهر تشرين الأول/ أكتوبر الماضي، قدّم أكثر من 500 شخص قالوا إنهم موظفون حاليون وسابقون لدى آبل؛ شهادات عن الإساءات اللفظية، والتحرش الجنسي، والانتقام، والتمييز في العمل، فضلًا عن شكاوى أخرى، إلى مجموعة ناشطين من الموظفين تطلق على نفسها اسم #AppleToo.

رد فعل آبل على ترك الموظفين

أما عن رد فعل آبل على فرار المهندسين منها، فهي تتوافق مع أسس الرأسمالية التي تقوم عليها سياسة الشركة الساعية دائمًا إلى الربح بغية إرضاء المستثمرين، فهي لا تبالي بالموظفين الصغار، فتطرد كل من يجرؤ على انتقادها في العلن، حتى الذين يعارضون نظام العمل لديها في مرحلة ما بعد جائحة كورونا.

أما مع المهندسين الكبار، فهي تحرص عليهم أشد الحرص، بل وصل الأمر بها للحيلولة دون انشقاقهم وانضمامهم إلى شركات أخرى إلى إغرائهم ماليًا من خلال تقديم مكافآت على شكل أسهم تصل قيمتها إلى 180 ألف دولار أمريكي، وهو ما كشف عنه تقرير نشرته وكالة بلومبرج الإخبارية أواخر شهر كانون الأول/ ديسمبر الماضي.

وذكرت بلومبرج أن المكافآت جاءت كرد فعل على “التصيد” الذي فعلته (ميتا) حديثًا للمهندسين الرئيسيين في أقسام الواقع المعزز، والواقع الافتراضي، والأجهزة القابلة للارتداء. وتقول الوكالة إن (ميتا) وظف نحو 100 مهندس “في الأشهر القليلة الماضية” في “حرب المواهب المستمرة” هذه بين الشركات.

الخاتمة

والآن، ما الذي يخفيه المستقبل للعلاقة بين موظفي آبل والمسؤولين الكبار الذي يسيرون على خطى جوبز في الإصرار على الربحية حتى لو أدى ذلك إلى تجاهل آراء المهندسين الكبار فيما يتعلق بمنتجات الشركة، والدوس على “كرامة” الموظفين الصغار.

ماذا عنك؟ هل تتمنى أن تكون أحد موظفي “جنة” وادي السيليكون حتى في ظل بيئة العمل الصعبة التي تمنعك عن الحديث عما يجري داخلها حتى لأقرب المقربين إليك، وإلا ستُطرد وتُحاكم!

هل أعجبك المحتوى وتريد المزيد منه يصل إلى صندوق بريدك الإلكتروني بشكلٍ دوري؟
انضم إلى قائمة من يقدّرون محتوى إكسڤار واشترك بنشرتنا البريدية.