استمع إلى المقال

خلال العقود السابقة، ظهرت العديد من قضايا مكافحة الاحتكار الكبرى ضد عدد من الشركات العملاقة، فهل تنضم “جوجل” إلى قائمة تلك الشركات قريبا.

منذ عام 1890، كان هناك عدد قليل من محاكمات مكافحة الاحتكار التي شكلت أكبر الشركات في أمريكا، “AT&T” و”IBM” و”مايكروسوفت”، حيث عادة ما تكون هذه القضايا ضد شركات التكنولوجيا التي تتحكم في قطاع رئيسي من الاقتصاد.

بسبب حكم قضائي صدر في وقت سابق من هذا الشهر، فإن شركة “جوجل” على وشك الانضمام إلى قائمة الشركات الشهيرة التي تواجه ادعاءات احتكار من قبل الحكومة.

القاضي أميت ميهتا، الذي يترأس قضية مكافحة الاحتكار ضد “جوجل”، حكم بأن الشركة يجب أن تواجه قسم مكافحة الاحتكار بوزارة العدل، بالإضافة إلى المدعين العامين للولاية، في محاكمة حول ما إذا كانت تحتكر سوق البحث.

أهمية القضية

لمدة شهرين هذا الخريف، يصبح القاضي ميهتا أحد أهم صانعي السياسة الاقتصادية في العالم، حيث أن هذه الأهمية تنشأ من مكانة الشركة الهائلة في المجتمع.

“جوجل” تعرف الكثير عن معظم الأشخاص، وتجيب يوميا على أسئلة المليارات من المستخدمين، حيث أنها  تحتكر البحث بإيرادات سنوية تزيد قليلا عن 280 مليار دولار، و 15 منتجا، مع أكثر من 500 مليون مستخدم.

ميهتا أصدر رأيا بشأن حكم مستعجل ذكر فيه أن الاتهامات التي طرحها المدعون، إذا ثبتت أثناء المحاكمة، تُظهر أن نموذج أعمال “جوجل” غير قانوني، وأن الشركة قد تحتاج إلى التفكيك.

القضية، التي كانت قيد المحاكمة لأول مرة في عهد ترامب واستمر بها بايدن، رُفعت في عام 2020، وهي أول قضية احتكار كبرى يقدمها قسم مكافحة الاحتكار للمحاكمة منذ 25 عاما، منذ قضية شركة “مايكروسوفت” في عام 1998.

الاتهامات ضد “جوجل”

الحكومة تجادل بأن “جوجل” تحتكر البحث وإعلاناته بنسبة تقترب من 95 بالمئة، وتزعم أن الشركة حافظت على هذا الاحتكار من خلال إعاقة المنافسين بطريقة تمنع المستهلكين من العثور على محرك بحث مختلف.

من أجل الحفاظ على مكانتها، تدفع الشركة 45 مليار دولار سنويا من أجل منع منتجات منافسيها، وتوقع صفقات مع “أبل” و”موتورولا” و”إل جي” و”سامسونج” و”موزيلا” و”أوبرا” لجعل محرك بحثها افتراضي، وفي كثير من الحالات، لمنع نظراء “جوجل” على وجه التحديد من التعامل مع منافسيها.

في الأساس، اشترت “جوجل” كل أماكن البحث المتاحة بالنسبة للمستهلكين، أي المتصفحات والهواتف، الأمر الذي جعلها تهيمن بطريقة جعلت محرك بحثها يصبح أسوأ بكثير على مدار السنوات الـ 5 إلى الـ 10 الماضية، حيث يمتلئ بشكل متزايد بالإعلانات والنتائج السيئة. 

هذا السلوك مشابه جدا لما فعلته “مايكروسوفت” في التسعينيات، عندما جمعت متصفحها مع نظامها التشغيلي، ووقعت صفقات مع مزودي خدمة الإنترنت لمنع متصفح “نتسكيب” المنافس من الوصول إلى العملاء.

قضية منطقية؟

لفهم سبب كون هذه القضية منطقية، فإن عليك النظر إلى تجربة محرك البحث “Neeva”، الذي كانت جودته عالية، لكنه مات قبل بضعة أشهر لأنه لم يتمكن من الوصول إلى العملاء.

كانت “Neeva” تشغل منتجا للذكاء الاصطناعي ومحرك بحث متكامل ومتصفح يركز على الخصوصية أولا، لكن المشكلة تكمن في أن القليل من المستخدمين تمكن من تجاوز مجموعة الإعدادات الافتراضية وعمليات إعادة التوجيه التي تفرضها “جوجل”.

بالنظر إلى أنه يتم تعيين جميع الإعدادات الافتراضية عبر “جوجل”، فإن هناك عدد لا حصر له من الشاشات التي تشجع الأشخاص على جعل محرك بحثها الافتراضي. لذلك، بالرغم من جودتها، لم تستطع “Neeva” الظهور أمام العملاء المحتملين.

هذه الإعدادات الافتراضية وعمليات إعادة التوجيه هي ما يخضع للمحاكمة، لأنها تقتل المنافسين وتمنع أي شخص من الاستثمار في منافس البحث التالي.

في حال وجدت المحكمة أن الشركة مذنبة وقابلة للتماسك في حال تفكيكها بشكل معقول، فإن المستخدمين قد يحصلون على التقنيات الجديدة للتعلم الآلي والذكاء الاصطناعي في سوق تنافسية، مع فتح الباب أمام إمكانيات هائلة مماثلة لتلك التي حدثت بعد تفكك “AT&T”. لذلك إذا فازت الحكومة، فقد نرى ابتكارات هائلة ووافدين جدد. 

مع ذلك، إذا فازت “جوجل”، فإنه قد يجري نشر التعلم الآلي والذكاء الاصطناعي بما يتوافق مع الطريقة التي تختارها الشركة لنشرها، أي ببطء، وبطريقة غير إبداعية، وفي خدمة السلطة الاحتكارية.

الاحتكار يسود؟

أثناء محاكمة “AT&T”، لم يكن هناك الكثير من حالات الاحتكارات، حيث كانت “AT&T” حالة شاذة، ومثلت احتكارا منظما تعرض لهجوم كبير. علاوة على ذلك، كان هناك أيضا جهاز تنظيمي قوي إلى حد ما ممثلا بلجنة الاتصالات الفيدرالية، كما نظمت العديد من الولايات أسعار الهواتف بشكل فعال. 

إلى جانب ذلك، كانت سابقة مكافحة الاحتكار مفيدة، حيث تقبلت شركة الاتصالات حكم القانون باعتباره تدقيقا ذا مغزى لسلوكها، لكن هذا لا يعني أن سياسات القضية كانت سهلة، حيث عارضت وزارة الدفاع ووزارة التجارة القضية. 

علاوة على ذلك، كانت القضية موروثة من إدارة كارتر، وكان لدى ريغان وجهة نظر مختلفة تماما عن مكافحة الاحتكار، وكان رونالد ريغان مؤيدا للغاية للشركات الكبرى.

لكن الآن كل شيء مختلف تقريبا، حيث أن “جوجل” تعد واحدة من الشركات الموجودة في الولايات المتحدة المليئة بالاحتكارات بسبب الافتقار إلى تطبيق مكافحة الاحتكار لعقود.

إلى جانب ذلك، فإن المسؤولين التنفيذيين في الشركات ينظرون إلى القانون على أنه مجرد اقتراحات، ويعتقدون عموما أنه يمكنهم الإفلات من أي شيء، حيث تبنى القضاة موقفا يحترم سلطة الشركات.

هناك أيضا فقدان للثقة في المؤسسات الأميركية على نطاق واسع بسبب تأرجح سياسات مكافحة الاحتكار وقوة الشركات.

ادعاءات “جوجل”

حجة “جوجل” الأساسية هي أنها تمتلك السوق بالكامل لأن المستهلكين يفضلون محرك بحثها على المنافسين. بينما قد تنخرط الشركة في سلوك لاستبعاد المنافسين، فإنها بحاجة إلى ذلك للحصول على البيانات لتحسين محرك بحثها.

في الأساس، تجادل “جوجل” بأن قدرتها على استبعاد الآخرين تمثل ميزة، حيث يحب المستهلكون بحثها لدرجة أن احتكارها قانوني، وتشير إلى أنه يمكنها فعل ما تريد طالما أنها قادرة على إظهار أن المستهلكين سعداء.

علاوة على ذلك قال محاميها جون شميدتين، “لا يمكن للسلوك الذي يمثل منتجا متفوقا أو منافسة على أساس الجدارة، بموجب القانون، انتهاك قوانين مكافحة الاحتكار، بغض النظر عن تأثيره”. 

حيثيات القضية

في الأسبوع الماضي، أصدر ميهتا حكمه في مرحلة الحكم المستعجل، وهو الجزء الذي يقرر فيه القاضي موضوع المحاكمة، حيث كانت الحجة الرئيسية للشركة في رفض القضية هي أن صفقات تعيين محركها للبحث كافتراضي ليست حصرية، ويمكن للمستهلكين والشركاء اختيار محركات بحث أخرى لاستخدامها. 

ميهتا رفض هذه الحجة، موضحا أن هذه القضية تُحسم خلال المحاكمة، الأمر الذي مثل خسارة كبيرة للشركة. 

هناك عدد قليل من المجالات التقنية حيث ضيقت الشركة الطريق أمام شعبة مكافحة الاحتكار للفوز، لكن جوهر القضية قيد المحاكمة.

الفوز الرئيسي للشركة كان في قضية المدعين العامين للولاية، بقيادة كولورادو، حيث قدموا ادعاءات أكبر من وزارة العدل، بحجة أن “جوجل” تفضل مراجعاتها الذاتية أو خدماتها للسفر على المنافسين.

القاضي رفض هذه الادعاءات، قائلا، “الخدمات ليست محركات بحث عامة، وبالتالي فهي ليست في نفس السوق مثل جوجل”.

النتيجة النهائية هي أن القضية تبدأ في 12 أيلول/سبتمبر القادم، وتستمر لمدة شهرين تقريبا. اعتمادا على ما يحدث، قد يكون هناك وقت إضافي للطعن، أو قد تتحول إلى محكمة الاستئناف.

مع شهادة الشهود، بما في ذلك المديرين التنفيذيين في “جوجل” والمنافسين، قد تظهر الكثير من المعلومات حول كيفية تطور الإنترنت، وكيف يتم بيع الإعلانات، وكيفية اتخاذ القرارات بشأن طريقة ظهور ما نبحث عنه.

ختاما، من نواح عديدة، فإن مثل هذه القضايا هي سبب اعتبار قوانين مكافحة الاحتكار الميثاق الأهم للمشاريع الحرة، وهي الدافع لإقرار “الكونغرس” لقانون شيرمان لمكافحة الاحتكار في عام 1890.

نقطة التحول هنا تشبه تلك الخاصة بالاتصالات في الثمانينيات، بحيث هل يخضع جميع المستهلكين لرغبات الشركة الأوحد “AT&T” أم يحصل المجتمع على المنافسة المطلوبة لجعل جميع المستخدمين يصلون إلى الإنترنت بالطريقة التي يفضلونها.

هل أعجبك المحتوى وتريد المزيد منه يصل إلى صندوق بريدك الإلكتروني بشكلٍ دوري؟
انضم إلى قائمة من يقدّرون محتوى إكسڤار واشترك بنشرتنا البريدية.
0 0 أصوات
قيم المقال
Subscribe
نبّهني عن
0 تعليقات
Inline Feedbacks
مشاهدة كل التعليقات