أستمع الى المقال

هل سبق أن رأيت في أحد أفلام الخيال العلمي سيارةً تسير من تلقاء نفسها من دون تدخل من السائق الذي يقضي وقت الرحلة في الاسترخاء. وفي تلك السيارة مساعد افتراضي ذكي يتحدث مع السائق ويقدم له المعلومات التي يريدها، سواء الرسائل، أو الاتجاهات، وذلك فضلًا عن وسائل الترفيه.

قد تكون رأيت مثل هذا المشهد قبل سنوات عديدة، حتى قبل انتشار الهواتف الذكية وتحوّل المساعد الذكي، وتطبيقات التراسل الفوري، وتطبيقات الخرائط، فيها إلى شيء معتاد، وكنت تتساءل هل نعيش إلى أن نرى هذا الخيال يصبح واقعًا؟

والآن، قد تتساءل؛ هل وصلت مثل القدرات “الخيالية” إلى السيارات؟ وهل طوّر البشر سيارات تسير من تلقاء نفسها؟ وما الشيء الذي يُمكّن السيارات التقليدية – التي اختُرعت قبل نحو 150 عامًا، وتطورت كثيرًا منذئذ – من أن تُقاد ذاتيًا؟

ولكن قبل الخوض في الحديث عن تطور السيارات الذاتية القيادة، دعونا أولًا نعود في التاريخ قليلًا لنفهم جيدًا كيف وصلنا إلى ما وصلنا إليه اليوم.

التاريخ

بعد الثورة الصناعية قبل نحو ثلاثة قرون، استفاد الإنسان كثيرًا من الآلات في تسهيل حياتهم، ولكن فطرة البشر التي تسعى دائمًا إلى تسهيل الأمور، لم تكتفِ بالآلات التي كانت تحتاج إلى أن تُدار بأيديهم، بل سعت إلى جعل هذه الآلات تعمل من تلقاء نفسها دون أي تدخل منهم، فنشأ مصطلح (الأتمتة) أو (التشغيل الآلي) Automation.

أما عن الأتمتة في السيارات، فإن كثيرين يظنون أنها قد بدأت حديثًا، ولكن دعني أفاجئك بالقول إن تاريخ القيادة الآلية يعود إلى نحو 100 عام. نعم! فبعد اختراع السيارات بنحو 50 عامًا، بدأ الناس بالتفكير في أنظمة القيادة الآلية خلال عشرينيات القرن الماضي، ثم تطورت التجارب في خمسينيات القرن الماضي، وفي عام 1977 طُوِّرت أول سيارة شبه آلية من قبل مختبر تسوكوبا للهندسة الميكانيكية في اليابان، والتي تطلبت شوارع ذات علامات خاصة تم تفسيرها بواسطة كاميرتين على السيارة وجهاز حاسوب تناظري. ووصلت السيارة إلى سرعات تصل إلى 30 كيلومترًا في الساعة بدعم من سكة حديدية مرتفعة.

ثم توالت التجارب لتظهر أول سيارة ذاتية القيادة حقيقية في ثمانينات القرن الماضي من خلال مختبرات نافلاب التابعة لجامعة كارنيغي ميلون في عام 1984، ثم مشروع شركة مرسيدس وجامعة بندسويهر في ميونيخ بألمانيا في عام 1987.

ومنذ ذلك التاريخ طورت العديد من الشركات الكبرى والمنظمات البحثية نماذج أولية عاملة لمركبات ذاتية القيادة، وأخذ يتسارع تطوير هذه السيارات بدرجة كبيرة بمشاركة أكثر من 35 شركة متخصصة في التقنية أو السيارات، من بينها: شركات لوسيد، وجنرال موتورز، وتويوتا، وآبل، وجوجل، وإنتل، وأودي، وبي أم دبليو، وتسلا، وأوبر، وفورد، وغيرها الكثير.

ويعود الفضل في التسارع الهائل الذي شهده سوق السيارات الذاتية القيادة خلال السنوات العشر الماضية إلى الذكاء الاصطناعي، الذي دخل في العديد من مجالات الحياة.

وإن كنت تتساءل عن ماهية المركبات الذاتية القيادة، وما الفرق بينها وبين المركبات التقليدية، فدعني أقول – بعد الإشارة إلى دور الذكاء الاصطناعي في تطويرها – بأنها مركبة تستخدم مجموعة من أجهزة الاستشعار، والكاميرات، والرادار، والذكاء الاصطناعي، للتنقل بين الوجهات بدون مشغل بشري. ولكي تتأهل المركبة لتكون مستقلة تمامًا، فيجب أن تكون قادرة على التنقل دون تدخل بشري إلى وجهة محددة مسبقًا على الطرق التي لم يسبق لها استخدامها.

ولأن عنواننا هو “السيارات الذاتية القيادة بين الذكاء الاصطناعي وماسك الطموح”، فدعونا الآن نُفصّل في الحديث عن الرئيس التنفيذي لشركة تسلا (إيلون ماسك) ووعوده بأن نظام (القيادة الآلية) Autopilot الذي تطوره شركته سيغير مستقبل النقل، وهل نجح في ذلك فعلًا، أم أن ماسك يبالغ؟

ماسك وتقنية (الطيار الآلي)

أنشأ (إيلون ماسك) – الذي يُعدّ حاليًا أغنى رجل في العالم – شركته للسيارات الكهربائية (تسلا) لتغير مستقبل القيادة. وهو يعتقد أن هذا المستقبل يقوم على تقنية (الطيار الآلي) Autopilot التي استُعِيرت من أنظمة الطيران التي تسمح للطائرات بالتحليق في ظروف مثالية مع تدخل محدود من الطيار.

وكانت تسلا قد بدأت بتطوير تقنية (الطيار الآلي) منذ أكثر من سبع سنوات في محاولة منها للامتثال لمعايير السلامة الجديدة في أوروبا، والتي تتطلب تقنيات، مثل: الكبح التلقائي.

وأطلقت الشركة على هذا المشروع في الأصل اسم (المساعدة المتقدمة للسائق)، ولكن يبدو أن الطموح المبالغ فيه لماسك دفعه إلى التفكير في اسم رنّان آخر، فوقع الاختيار على (الطيار الآلي)، وهو ما اعترض عليه بعض مهندسي تسلا على اعتبار أنه مُضلِّل.

وعلى عكس التقنيين في الشركات الأخرى التي تعمل أيضًا على مركبات ذاتية القيادة، يُصر ماسك على أن القيادة الذاتية قابلة للتحقيق فقط من خلال الكاميرات التي تتعقب محيطها. فهو يقول إن كان باستطاعة البشر القيادة باستخدام أعينهم فقط، فلماذا لا تستطيع السيارات ذلك، وهي وجهة نظر يعتقد كثيرون من خبراء الصناعة أنه من المعيب الانطلاق منها في تطوير سيارات ذاتية القيادة، فالكاميرات لا ترقى إلى قدرة العين البشرية، ثم إن العين البشرية تعتمد على قدرة الدماغ في تحليل البيانات.

كما أن العديد من مهندسي تسلا نفسها تساءلوا: هل يكفي الاعتماد على الكاميرات دون الاستفادة من أجهزة الاستشعار الأخرى، ويرون أن ماسك يبالغ في وعوده للسائقين بشأن قدرات (القيادة الآلية).

وبالفعل، فإن المبالغة في وصف نظام (الطيار الآلي) جرّ على تسلا دعاوى قضائية عديدة، وذلك من أُسر أشخاص ماتوا أو أُصيبوا بسبب الاتكال تمامًا على النظام ثم وقوع حوادث اصطدمت فيها سيارات تسلا بسيارات الإطفاء المتوقفة، وسيارات الشرطة، ومركبات الطوارئ الأخرى.

أما شركة تسلا، فهي – رغم المبالغة في وصف قدرات نظام (الطيار الآلي) – تُصر على أن المسؤولية في القيادة تقع على عاتق السائقين، إذ عليهم البقاء في حالة تأهب للسيطرة على السيارة في حال تعطّل أو عدم استجابة النظام الآلي.

وبعد إعلان ماسك في عام 2016 أن جميع سيارات تسلا التي تغادر المصنع تحتوي العتاد اللازم للقيادة الذاتية من المستوى الخامس، تفاجأ كثيرون – ومن ذلك العاملين على المشروع ذاته – من هذه المبالغة في الوصف، خاصةً أن المستوى الخامس يعني القيادة المستقلة تمامًا. ومع ذلك، لا تزال وثائق الشركة تنبه إلى ضرورة بقاء السائق على أهبة الاستعداد أثناء القيادة.

ومع أن ماسك أكد كثيرًا في الخطابات والمقابلات وعبر وسائل التواصل الاجتماعي أن القيادة الذاتية الكاملة أصبحت وشيكة، إلا أن إصراره على تمكين السيارات من ذلك بالاعتماد أساسًا على الكاميرات، جعله يتراجع عن رأيه، خاصةً بعد أن توفي سائق سيارة Model S في شهر أيار/ مايو 2016 بولاية فلوريدا الأمريكية مع أن سيارته احتوى كاميرات ورادارًا.

وبعد تلك الحادثة، ظل ماسك متمسكًا بأن سيارات تسلا على وشك توفير خدمة القيادة الذاتية الكاملة، ولكنه بدأ يعمل على تسخير الذكاء الاصطناعي أكثر لتعزيز قدرات تقنية (الطيار الآلي)، وهو ما تؤكد عليه الشركة في موقعها الإلكتروني.

وتذكر تسلا أنها تستخدم الذكاء الاصطناعي في تحسين قدرات برنامج القيادة، والشرائح الإلكتروني المستخدمة في السيارات، بالإضافة إلى الشبكات العصبية، وخوارزميات القيادة الذاتية، وتقييم البنى التحتية.

ومع أن الأضواء في سوق المركبات الذاتية القيادة تركز على شركات معدودة، أبرزها تسلا، ولكن المفاجئة كانت أن حصلت شركة ( مرسيدس – بنز ) Mercedes-Benz – التابعة لمجموعة (دايملر أي جي) Daimler AG – الأسبوع الماضي على الموافقة التنظيمية لنشر نظام القيادة التلقائية في ألمانيا قبل شركة تسلا، لتظفر بذلك على ميزة في السباق لتقديم مستويات أعلى من الأتمتة في أحد أسواق السيارات الأكثر تنافسية في العالم.

ورغم السعي الحثيث للتطوير، فإن تسلا لا تزال تواجه مشكلة في أكبر سوق للسيارات في أوروبا من خلال تقنية مساعدة السائق الخاصة بها بعد أن رفضت محكمة ألمانية ترويج الشركة لنظام (الطيار الآلي) العام الماضي، قائلةً إن شركة صناعة السيارات الأمريكية قد ضلّلت المستهلكين بشأن ما يمكن أن يفعله النظام.

الخاتمة

وفي النهاية، هل ترى أن شركة تسلا ستهيمن على سوق السيارات الذاتية القيادة في قادم الأيام من خلال الاستثمار الأمثل لتقنيات الذكاء الاصطناعي، أم أن المبالغة في وصف القدرات سيجعل المستثمرين ينفرون منها، خاصةً بعد دخول شركات عريقة، مثل مرسيدس على الخط.

هل أعجبك المحتوى وتريد المزيد منه يصل إلى صندوق بريدك الإلكتروني بشكلٍ دوري؟
انضم إلى قائمة من يقدّرون محتوى إكسڤار واشترك بنشرتنا البريدية.