استمع إلى المقال

لا شك في أن الذكاء الاصطناعي يساعد في معالجة تغير المناخ، لكن لتحقيق هذا الوعد، تحتاج الشركات إلى إيجاد طريقة للحد من تأثير التقنية الناشئة في المناخ.

وفقا للعديد من التقديرات، تساهم تكنولوجيات المعلومات والاتصالات بما يصل إلى 3 في المئة من الانبعاثات الغازية المسببة للاحتباس الحراري، حيث تبعث مراكز البيانات نفس الكمية التي تنبعث من صناعة الطيران تقريبا وتستهلك كميات كبيرة من المياه. 

مع نمو الذكاء الاصطناعي، تزداد الطاقة اللازمة لتدريب وتشغيل نماذجه ذات اللغات الكبيرة، لكن الذكاء الاصطناعي قادر على خفض الانبعاثات من خلال جعل الأنظمة أكثر كفاءة.

من أجل مساعدة الطائرات على إنشاء عدد أقل من مسارات التكثيف، مما يساهم في ظاهرة الاحتباس الحراري، فإن شركة “جوجل” وشركة “أمريكان إيرلاينز” استخدمتا الذكاء الاصطناعي.

كما تستخدم “جوجل” التقنية الناشئة للتنبؤ بفيضانات الأنهار والتوصية بالطرق الصديقة للبيئة عبر خدمتها للخرائط. 

في حين تستخدم شركة “Verse” الناشئة ومقرها سان فرانسيسكو الذكاء الاصطناعي لتبسيط عملية حصول الشركات على الطاقة النظيفة. 

إلى جانب ذلك، يستخدم الذكاء الاصطناعي لتوليد صور لما قد يبدو عليه العالم مستقبلا، بدءا من تصوير زحف المحيطات على المدن الساحلية إلى رسم خرائط للأراضي القاحلة المعرضة لحرائق الغابات.

مع تزايد اندماج الذكاء الاصطناعي في المجتمع، أصبح إيجاد تأثير مناخي محايد – إن لم يكن إيجابيا – أمرا بالغ الأهمية. 

بالنسبة للعديد من الشركات التي تستخدم الذكاء الاصطناعي، هناك تأثيرات إيجابية وسلبية على انبعاثات الكربون واستخدام المياه، ويمكن أن يكون ذلك بمثابة عمل متوازن أثناء سعيهم لتحقيق أهدافهم الطموحة المتمثلة في صافي الانبعاثات الصفرية.

اختلال توازن القوى

ساشا لوتشيوني، عالمة الأبحاث في شركة “Hugging Face” لتطوير تطبيقات الذكاء الاصطناعي، عملت مع باحثين آخرين لرسم خريطة للبصمة الكربونية لنموذج التعلم الآلي الذي يحتوي على 176 مليار معلمة الذي يدعى “Bloom”.

بحسب الباحثة، فإن العوامل خارج نطاق الطاقة المستخدمة في تدريب النماذج – وهو أمر لا تأخذه معظم الأبحاث في هذا المجال في الاعتبار – أصبحت مهمة جدا لدرجة أنها ضاعفت إجمالي الانبعاثات.

على سبيل المثال، تصنيع وحدة معالجة الرسومات – قطعة من الأجهزة التي تعمل على تسريع العمليات الحسابية في التعلم العميق – يتطلب استخدام الماء النقي والمعادن النادرة، ويزيد هذا من تكاليف المناخ.

“Bloom” استخدم أكثر من ألف من وحدات معالجة الرسوميات هذه في تدريبه، وهذا مجرد واحد من العديد من العوامل الخارجية التي قامت مجموعة لوتشيوني بتقييمها في بحثها.

لكن النماذج ذات الحجم المماثل لنموذج “Bloom”، مثل “ChatGPT-3” من “OpenAI”، كانت لديها انبعاثات كربون أعلى بكثير – أكثر من 20 ضعفا – واستهلكت نحو 3 أضعاف الطاقة التي يستهلكها “Bloom”.

مصادر الطاقة تعد عاملا مساهما كبيرا في تباين الانبعاثات، وفي حال تم الحصول على الكهرباء المستخدمة لتدريب النماذج من شيء أنظف، فيمكن أن يؤدي ذلك إلى خفض انبعاثات الكربون، حتى من دون تغيير حجم نموذج التعلم الكبير.

ضمن الولايات المتحدة، حيث لا توجد شبكة كهربائية مركزية، يمكن أن يكون لنماذج التدريب في ولاية مقابل أخرى تأثير كبير على انبعاثات الكربون. 

في كاليفورنيا، حيث توجد كميات كبيرة من طاقة الرياح، يمكن أن تكون الانبعاثات أقل مما لو تم تدريب النموذج نفسه باستخدام الطاقة في ولاية مثل فرجينيا، التي تعتمد في الغالب على الوقود الأحفوري للحصول على الطاقة.

إذا كان أداء “Bloom” أفضل بالمعايير البيئية من نماذج اللغات الكبيرة الأخرى، فإن هذا لا يزال نسبيا، حيث يستهلك تدريب نماذج الذكاء الاصطناعي ما يكفي من الطاقة لتشغيل منزل أميركي عادي لعدة قرون. 

خلال الفترة من شهر آذار/مارس إلى شهر تموز/يوليو 2022، استخدم “Bloom” طاقة كافية في تدريب النموذج لتزويد المنزل الأميركي العادي بالطاقة لمدة 41 عاما، كما أطلق التدريب كربونا يعادل 25 ضعف الكمية التي ينتجها راكب واحد في رحلة ذهاب وإياب من نيويورك إلى سان فرانسيسكو.

الموقف الصعب

الذكاء الاصطناعي متعطش للطاقة بشكل كبير، حيث يحتاج “ChatGPT-3” إلى 0.5 لتر من الماء لإجراء محادثة أساسية تتكون من 20 إلى 50 استفسارا، وذلك اعتمادا على مكان توليد الكهرباء. 

من المحتمل أن يستهلك “ChatGPT-4” أكثر من ذلك، بالرغم من أن السرية المحيطة بالمنصة والتدريب تعني عدم وجود بيانات كافية متاحة للعامة لإجراء استنتاج دقيق.

في حين احتاج أحد نماذج “جوجل”، المعروف باسم “LaMDA”، إلى استخدام نحو مليون لتر من الماء للتدريب وحده، حيث زاد استهلاك المياه في مركز البيانات التابع لشركة “جوجل” بشكل عام في عام 2022 بنسبة 20 بالمئة تقريبا مقارنة بعام 2021.

في أواخر العام الماضي، قالت “جوجل”، “أينما نستخدم المياه، فإننا ملتزمون بالقيام بذلك بطريقة مسؤولة. يشمل ذلك استخدام بدائل المياه العذبة كلما أمكن ذلك، مثل مياه الصرف الصحي والمياه الصناعية أو حتى مياه البحر”.

خلال عام 2030، تهدف “جوجل” إلى تجديد 120 بالمئة من المياه التي تستهلكها في المتوسط عبر مكاتبها ومراكز البيانات، حيث أن الأبحاث التي أجرتها “جوجل” قدرت انبعاثات الكربون الناتجة عن تدريب نموذج “LaMDA” بـ 26 طنا، أو ما يعادل نحو 22 راكبا في رحلة ذهابا وإيابا بين سان فرانسيسكو ونيويورك.

كما هو الحال مع استخدام الكهرباء، يمكن أن يصبح استخدام المياه أكثر كفاءة اعتمادا على المكان الذي يتم سحبها منه. 

في العام الماضي، قالت “مايكروسوفت”، “الفعالية الفعلية لاستخدام المياه في مراكز البيانات الآسيوية التابعة لها كانت أسوأ بـ 3 مرات من مواقع الشركة في الأمريكتين”.

هذا الأمر يعني أن استخدام المياه للتدريب المماثل على الذكاء الاصطناعي يمكن أن يتضاعف 3 مرات بناء على الموقع، وذلك لأنه عادة ما يكون أكثر دفئا في آسيا، الأمر الذي يتطلب مبردات مبردة بالماء.

إلى جانب ذلك، فإن التغيرات الموسمية تحدث اختلافات كبيرة أيضا، حيث يمكن لمراكز البيانات في الصيف أن تحتاج إلى المزيد من المياه بسبب التبخر. 

عند النظر إلى كل من الموسم وموقع مركز البيانات، أظهرت التقديرات أن أعلى إجمالي للبصمة المائية يمكن أن يكون أكثر من 3 أضعاف نظيره في أدنى مستوى.

الحد من التأثير

هناك عدد من الأساليب التي تساعد في تحقيق التوازن بين انبعاثات الكربون واستخدام المياه لمراكز البيانات، مع تقاسم العبء عليها جغرافيا، بحيث لا تواجه أي منطقة العبء الأكبر من التكلفة البيئية.

بالنظر إلى أن في مجال الذكاء الاصطناعي – التدريب والاستخدام – يتم عبر الإنترنت، فقد يكون من السهل اتخاذ خطوات، مثل تبديل موقع مركز البيانات الذي يتم إرسال المهمة إليه.

نقل الطلبات إلى مراكز البيانات التي تعمل بالطاقة النظيفة، أو إلى تلك الموجودة في المناطق الأكثر برودة والتي تستخدم كميات أقل من المياه، يعد تغييرا يمكن أن يؤثر على المناخ، وليس هناك فرق كبير من وجهة نظر المستخدم.

على سبيل المثال، تشير “جوجل” إلى أنها تستخدم الذكاء الاصطناعي لتسريع العمل المناخي من خلال تزويد الأفراد والمنظمات بمعلومات أفضل لاتخاذ الخيارات. 

من أجل تقليل بصمتها الكربونية بشكل كبير، استخدمت “جوجل” ممارسات تم اختبارها لأعباء العمل، مما ساعد في تقليل طاقة تدريب النموذج بما يصل إلى 100 مرة والانبعاثات بما يصل إلى 1000 مرة.

نتيجة لذلك، تخطط “جوجل” لمواصلة تطبيق هذه الممارسات التي تم اختبارها ومواصلة تطوير طرق جديدة لجعل حوسبة الذكاء الاصطناعي أكثر كفاءة.

كما تبحث “إكوينيكس”، وهي شركة خدمات إنترنت تمتلك 248 مركز بيانات، عن حل أيضا، حيث أوضحت الشركة أنها ملتزمة بتصميم وبناء وتشغيل البنية التحتية لمراكز البيانات العالية الكفاءة والتي تعمل بالطاقة النظيفة.

في العام الماضي، شهدت إكوينيكس تغطية للطاقة المتجددة بنسبة 96 بالمئة من حملها التشغيلي، وهو العام الخامس على التوالي مع تغطية للطاقة المتجددة بأكثر من 90 بالمئة، كما دعمت الشركة 5 مزارع جديدة للطاقة الشمسية في إسبانيا في وقت سابق من هذا العام للمساعدة في تأمين الطاقة المستدامة لتشغيل مراكز البيانات الخاصة بها.

في الوقت نفسه، فإن الخطوة العملية للحد من الانبعاثات تكون عدم دمج الذكاء الاصطناعي في المنصات التي لا تحتاج إليه.

بشكل عام، فإن الذكاء الاصطناعي هو عامل بالغ الأهمية يغير قواعد اللعبة ولديه القدرة على تسريع سباق البشرية ضد تغير المناخ، حيث لدينا فرصة لبناء مستقبل أكثر مرونة لنا جميعا، ومع اتساع نطاق تأثيرات تغير المناخ وحدتها، فمن الأهمية أن نستمر في الاستثمار في ودعم شركات تكنولوجيا المناخ التي تستخدم الذكاء الاصطناعي لتطوير الحلول.

ختاما، من الممكن للذكاء الاصطناعي إحداث تأثير ملموس على التنبؤ بتغير المناخ من خلال الحد من الانبعاثات، وتحسين كفاءة استخدام الطاقة، وزيادة استخدام مصادر الطاقة المتجددة، ومع ازدياد ثقة البشر في الذكاء الاصطناعي قد نكون قادرين على الاعتماد على التكنولوجيا بشكل أكبر لفهم تغير المناخ وتقديم تنبؤات ونماذج أكثر دقة، الأمر الذي يسمح لنا بأن نكون أكثر استهدافا في استراتيجياتنا للتخفيف من أسوأ الآثار. 

هل أعجبك المحتوى وتريد المزيد منه يصل إلى صندوق بريدك الإلكتروني بشكلٍ دوري؟
انضم إلى قائمة من يقدّرون محتوى إكسڤار واشترك بنشرتنا البريدية.
0 0 أصوات
قيم المقال
Subscribe
نبّهني عن
0 تعليقات
Inline Feedbacks
مشاهدة كل التعليقات