الدب الروسي الهائج والعملات الرقمية … هل تنقذه من فخ العقوبات؟

الدب الروسي الهائج والعملات الرقمية … هل تنقذه من فخ العقوبات؟
أستمع الى المقال

أدّى غزو بوتين لأوكرانيا إلى أن تفرض الدول الغربية عقوبات اقتصادية لم يسبق لها مثيل، مما جعل روسيا ترزح اليوم تحت وطأة ضغط اقتصادي هائل، ولكن بوتين كان يدرك أن هذا الأمر وارد الحدوث، ومع ذلك فقد مضى في قراره بالغزو، لذا لا بدَّ أن الرّجُل كان قد وضع خطة لتفادي هذه العقوبات، والحفاظ على الاقتصاد الروسي أثناء الحرب.

قد يُعتقد أن الإجابة على هذا التساؤل واضحة وضوح الشمس، فما الشيء الذي يُعتقد أن يدَ الغرب لا تطاله؟ إنها (العملات الرقمية)!

ولكن الوضع ليس بالبساطة التي يبدو عليها، فخطة بوتين لتمويل هذه الحرب مُعقّدة للغاية، خاصةً أنه يخطط منذ سنوات لهذا الغزو، لذا دعونا نخوض في تفاصيل الخطة الروسية للتعامل مع العقوبات الغربية، وهل ستنقذ العملات الرقمية الدب الروسي من ورطته؟

ولكن قبل الحديث عن إستراتيجية بوتين الخاصة بالعملات الرقمية، فإننا نحتاج إلى النظر في الأصول المهمّة للاقتصاد الروسي.

الاقتصاد العولمي

نحن نعيش في عصر العولمة حيث أصبحت الدول ترتبط ببعضها بصلات وثيقة، ويعمل هذا الاعتماد المتبادل بين الدول عادةً بوصفه عامل استقرار، إذ إن خوض حرب مع شريك تجاري قد يُعرّض استقرار اقتصاد الدولة الغازية للخطر، ولكن بوتين لا يبالي بهذا الأمر؛ لأن روسيا ومنذ سنوات سَعت إلى بناء العديد من الاقتصادات المحلية القوية، فهي الآن تمتلك قطّاعًا زراعيًا موثوقًا يوفّر للسكان الطعام، ولديها أيضًا قطاع تقني مهم يساعدها في مجال الأمن السيبراني، والتجسس الإلكتروني.

ومن المعروف أيضًا أن لدى روسيا كمّاً هائلًا من الموارد الطبيعية، مثل: الغاز. وهذا الأمر هو ما يسمح لبوتين بالتحرك مع قدر كبير من الحصانة مقارنةً بغيره من الزعماء، لأنه أقل اعتمادًا على الدول الأخرى، خاصةً الدول الأوروبية التي تعتمد بنسبة كبيرة على روسيا للحصول على الغاز الطبيعي.

ومع أن بعض الدول الأوروبية تسعى إلى تقليل الاعتماد على الغاز الطبيعي، إلا أن الأمر يحتاج إلى عقود، كما أن مصادر الطاقة المتجدّدة، مثل: الطاقة الشمسية، وطاقة الرياح لا تلبي كامل احتياجات أوروبا من الطاقة، لذا يبدو أن بوتين مطمئن إلى أن أوروبا لن تستغني عن الغاز الروسي مهما ساءت الأوضاع في أوكرانيا.

خيارات بوتين الأخرى

مع أن بوتين يدرك مدى اعتماد أوروبا على الغاز الطبيعي الروسي، إلا أنه فكر في احتمال أن تتخلى عنه، الأمر الذي سيضر بالاقتصاد الروسي أيّما إضرار، ولكن يبدو أن بوتين يركز في الوقت الراهن على استقرار الاقتصاد باستخدام الأدوات المحلية، ومن ذلك أن المصرف المركزي الروسي رفع سعر الفائدة إلى 20 في المئة لإغراء الدائنين ولإنقاذ عملة الروبل المتهاوية، وفرض تدابير للسيطرة على رأسمال المال بغية منع المواطنين من الهروب بأموالهم خارج البلاد، كما أعلن عن خطة دعم لحماية الشركات الروسية من الإفلاس.

استعداد بوتين للحرب

مع أن بوتين كان قد أعدّ لهذه الحرب، بهدف الحيلولة دون انهيار الاقتصاد الروسي بسبب العقوبات، صندوق تمويل بقيمة 650 مليار دولار، وهو رقم قد يبدو هائلًا جدًا، إلا أن المثير للاهتمام كيف أن بوتين نوّع في أصول هذا المبلغ. فبالمقارنة مع دول الاتحاد الأوروبي التي تحتفظ بنسبة 60 في المئة من أصولها المالية بالدولار الأمريكي الذي يعد من أكثر عملات الاحتياط العالمية قبولًا، وهي مستقرة منذ عقود.

ولكن بوتين يدرك أن العلاقات مع الولايات المتحدة قد تسوء في أي لحظة، وبالنتيجة فإن الأخيرة قد تحد من وصوله إلى أصوله بالدولار، لذا فهو كان قد عمل خلال السنوات الماضية على جعل نسبة هذه الأصول لا تتجاوز 16 في المئة، ليجعل باقي النسبة موزعة على الذهب، واليوان الصيني، واليورو، وغيرها من العملات الأخرى.

وبعد أن خرجت أوكرانيا من عباءة روسيا عام 2014، اتخذ الدب الروسي خطوة مهمة للحفاظ على جزيرة القرم التابعة لأوكرانيا تحت سلطانه، وكان عيناه تطمحان إلى السيطرة على كامل أوكرانيا في وقت لاحق، لذا أخذ يعمل على بناء صندوق الحرب المذكور آنفًا.

وفي سبيل ذلك، اتخذ قرارًا بالتضحية بالنمو الاقتصادي، وتأجيل الاستثمار في أي مبادرات جديدة، وقد تعلم درسًا مهمًا من إلحاق جزيرة القرم بروسيا عام 2014، حين فرضت الدول الغربية عقوبات اقتصادية قاسية على روسيا بسبب تلك الخطوة، حيث أدت تلك العقوبات إلى أزمة مالية وارتفاع مستويات التضخم إلى 16 في المئة.

وبعد ذلك، سعى بوتين إلى ادخار احتياطي من العملات الأجنبية، ولكنه لم يكن كبيرًا على نحو يسمح له بمواجهة الضغوطات الدولية، والآن لا يزال الدب الروسي يدرك أنه في أمس الحاجة إلى العملات الأجنبية للحيلولة دون انهيار الروبل.

ومع استمرار انخفاض قيمة الروبل، فإن بوتين سيسعى إلى شراء الروبل باستخدام صندوق الحرب الذي أعدّه سابقًا من العملات الأجنبية للحفاظ على استقرار سعر الصرف، ولمساعدة الشركات الروسية على الاستمرار في العمل، خاصةً بعد حرمانها من التعامل مع الأسواق المالية العالمية.

ومع ذلك، فإن بوتين يدرك أيضًا أن أصول روسيا من العملات الأجنبية قد تكون عرضة للخطر، بالنظر إلى أن العقوبات الجديدة تُصعّب على روسيا بيع الأصول الأجنبية دوليًا، وإن كان أي من تلك الأصول مُخزّنًا في مصارف أجنبية في دول عدوّة لروسيا، فإنه يمكن تجميد هذه الأصول بالكامل، ولكن من الصعب تجميد الأصول المُخزّنة بالعملات الرقمية.

ولهذا السبب، فإن العديد من الناس أبدوا مخاوفهم من أن بوتين قد يستفيد من العملات الرقمية للالتفاف على العقوبات الاقتصادية، فما فائدة طرد روسيا من نظام SWIFT، إن كان بإمكان بوتين استخدام البيتكوين لنقل المليارات من الدولارات حول العالم، ولكن فعليًا يبدو الأمر أصعب مما يعتقد معظم الناس.

صعوبة الحصول على العملات الرقمية

لفهم الأمر أكثر، دعونا نعود إلى صندوق الحرب الذي أعدته روسيا والبالغة قيمته 650 مليار دولار أمريكي، مع الإشارة إلى أن كل البيتكوين الموجودة في العالم تعادل قيمتها حاليًا نحو 830 مليار دولار أمريكي، لذا سيكون عليه شراء كل البيتكوين في العالم للحيلولة دون تجميد أصوله بالعملات الأجنبية، وهو أمر مستحيل لكون الكثير من مالكي البيتكوين يرفضون التعامل مع روسيا.

ولكن لنفرض جدلًا أن بوتين أراد شراء كل البيتكوين، وكان كل مالكي البيتكوين راغبين بالتعامل مع روسيا، ولكن هل يمكن تحقيق ذلك بالفعل؟

والجواب على هذا السؤال هو أن تحقيق ذلك غير ممكن لعدة أسباب، ومنها أن تحويل الروبل إلى البيتكوين غير قابل للتحقيق، بالنظر إلى أن الحد الأقصى لشراء البيتكوين حاليًا محدد بنحو 200,000 دولار أمريكي للعملية الواحدة، وهذا المبلغ منخفض جدًا بالمقارنة باحتياجات بوتين في حربه بأوكرانيا، خاصةً أن معظم المحللين يعتقدون أن التكلفة اليومية للحرب تُقدَّر بنحو 20 مليار دولار.

وهناك مشكلة أخرى تواجه بوتين، وهي تبادل العملات الرقمية، فمع أنه من غير الممكن بسهولة حظر روسيا من نظام (سلسلة الكتل) Blockchain الذي يحكم عمليات تبادل العملات الرقمية، إلا أنه يمكن حظرها من التعامل مع بورصات العملات الرقمية العاملة في الدول الغربية، فمثلًا، لو أن الإدارة الأمريكية أصدرت قرارًا بتجريم التعامل مع روسيا في هذا المجال، فإن يُحظر على الشركات أو الأفراد بيع العملات الرقمية لروسيا.

وحتى لو تجرأت أي شركة أو فرد على واجهة تلك العقوبات الأمريكية، فإن أي عملية تبادل غير شرعية تجري مع روسيا يمكن تعقبها بسبب أن نظام سلسلة الكتل متاح للعامة، الأمر الذي جعل عمليات غسيل الأموال بالعملات الرقمية صعبة للغاية.

لذا، فإن كان من الصعب على بوتين تكديس كميات هائلة من العملات الرقمية باستخدام الوسائل التقليدية، ولا يمكنه تخزين احتياطي من تلك العملات من خلال السوق السوداء، فهل لديه خيارات أخرى؟

سرقة العملات الرقمية

حسنًا، يمكن لبوتين سرقة تلك العملات، وهو ما يحدث بالفعل، إذ إن برمجيات انتزاع الفدية تعد من أكثر الطرق شيوعًا التي يستخدمها المجرمون للحصول على العملات الرقمية، حيث يَعْمد المجرمون إلى قفل أجهزة الضحايا للحيلولة دون وصولهم إلى البيانات الحساسة، ثم طلب فدية بالعملات الرقمية لإلغاء قفل تلك الأجهزة.

ويمثل القراصنة الروس نحو 74 في المئة عائدات برمجيات انتزاع الفدية العالمية خلال العام الماضي، ولكن ذلك لن يحل مشكلة بوتين، فمع أن روسيا تقود العالم في هجمات برمجيات الفدية، فهم يكسبون نحو 400 مليار دولار أمريكي، ومع أن هذا المبلغ كبير إلا أنه لا يكفي لتمويل حرب.

وحتى مع تصور حاجة بوتين إلى استخدام العملات الرقمية للالتفاف على العقوبات الغربية، ولكن يبدو أن الأمر ليس بالسهولة التي يعتقدها كثيرون، حتى أن وزارة الخزانة الأمريكية أكدت على عدم قلقها من هذا الأمر، لأن المبلغ الذي يحتاجه بوتين لا يتناسب مع القيمة الحالية لسوق العملات الرقمية، وفي الواقع، فقد ذكر بوتين العام الماضي أنه غير مهتم باستخدام العملات الرقمية في تبادلات الطاقة الدولية.

وأخيرًا، لو كان بوتين يعتقد فعلًا بإمكانية تجنب العقوبات باستخدام العملات الرقمية، فلماذا لم يدّخر كميات هائلة من تلك العملات خلال السنوات الأخيرة؟

هل أعجبك المحتوى وتريد المزيد منه يصل إلى صندوق بريدك الإلكتروني بشكلٍ دوري؟
انضم إلى قائمة من يقدّرون محتوى إكسڤار واشترك بنشرتنا البريدية.