التراث العربي في الألعاب.. إعادة إحياء بغداد

التراث العربي في الألعاب.. إعادة إحياء بغداد
استمع إلى المقال

التراث العربي واجه التجاهل كثيرا في عالم الألعاب، وذلك رغم وجود عدة ألعاب تحاول تصوير هذا التراث والمدن التي شاركت في صنعه، إلا أنه في الغالب كانت الألعاب تقدمها على أنها مدن صحراوية لا تراث أو هوية بها، ويمكن القول بأن هذا الأمر بدأ في التغير مع طرح الجزء الأول من سلسلة “Assassin’s Creed” في عام 2007. 

الجزء الأول من السلسلة المحبوبة كان يدور في مدينة القدس والمناطق المحيطة بها من فلسطين وصولا حتى سوريا، وعبر هذه الأحداث تمكنت اللعبة من استعراض تراث وتاريخ المنطقة المعماري بشكل مبهر، ولكن مع تطور السلسلة بدأت في الابتعاد عن المنطقة العربية لتعود لها مجددا مع “Mirage”، ولكن هل استطاع الجزء الجديد تقديم بغداد القرن التاسع كما كانت فعلا، أم قدم نسخة محرفة من المدينة مثلما حدث مع مصر في “Origins”. 

تراث عانى من الإهمال 

نظرة واحدة على قائمة الألعاب التي دارت أحداثها في المنطقة العربية تؤكد الاهمال الذي عانى منه تراث المنطقة العربية في التمثيل داخل الألعاب، وهو أمر رغم كونه مزعجا، إلا أنه مفهوم للغاية، كون غالبية مطوري الألعاب والعاملين في إدارات شركات تطوير الألعاب بعيدين عن هذا التراث وغير مدركين لما يدور فيه. 

بعض الألعاب حاولت تقديم هذا التراث والتوجه إليه، ويمكن القول بأن سلسلة ألعاب “علاء الدين” التابعة لفيلم “ديزني” الذي يحمل الاسم ذاته كانت من الألعاب التي توجهت للتراث العراقي والعربي بشكل عام، وذلك رغم العقبات التقنية التي كانت تواجه بناء البيئات والتفاصيل الخاصة بها في ذاك الوقت، كما أن سلسلة ألعاب “Prince Of Persia” اهتمت أيضا بالتراث الفارسي وإعادة إحياءه. 

الأزمة تكمن أن جميع هذه الألعاب هي ألعاب قديمة وأثرية في حد ذاتها، إذ صدرت في مطلع القرن الواحد والعشرين حين كانت تقنيات تطوير البيئات في الألعاب وبرمجتها محدودة للغاية، وبالتالي كان هذا التمثيل في الألعاب محدودا مثلها. 

الألعاب التي حاولت تقديم بيئة عربية حديثة كانت أغلبها تتخذ من المناطق العربية موطنا للإرهابيين، وذلك حدث في الكثير من العناوين الحربية مثل “Call of duty” و “Battlefield”، وهي في الغالب كانت تركز على المناطق التي تدمرت جراء الحروب. 

لذلك يمكن القول بأن “Mirage” من “Assassin’s Creed” هي من أولى الألعاب التي تولي المنطقة العربية اهتماما حقيقيا وتقوم على تصويرها بشكل جيد وواضح للغاية، وذلك تماشيا مع توجه السلسلة الأخير في تقديم مناطق صحيحة تاريخيا. 

رحلة عبر الزمن إلى بغداد 

رحلة “Assassin’s Creed Mirage” تبدأ في مدينة بغداد في القرن التاسع الميلادي، حيث انتشر رجال التنظيم الأشرار الذي يعيثون في المدينة فسادا لدرجة أنها أصبحت مرتع للصوص والمرتشين والمرتزقة، وذلك وسط تخاذل الخلافة العباسية وركضها وراء الثروات. 

مسعى “Ubisoft” لتقديم عالم واقعي ومليء بالتفاصيل وأقرب إلى بغداد في تلك الحقبة دفعها للعمل مع الكثير من المؤرخين والاستعانة بالمصادر والكتب التاريخية حتى يتمكنوا من إعادة تصور المدينة وبنائها دون وجود أساس واقعي تستند إليه الآن، إذ أن بغداد العصر الحديث تختلف كثيرا عن تلك المصورة في اللعبة. 

بدءا من السور الضخم العملاقة الذي يحيط بالمدينة ويمتلئ بالبوابات الضخمة المختلفة وحتى الحزام المائي والقنوات المائية التي تتخلل السور وقلب بغداد، استطاعت “Ubisoft” إعادة تصوير بغداد بشكل ودقة غير معهودة في العصر الحديث. 

التجول في المدينة يوضح هذه الدقة ويعزز من التجربة بالكامل، إذ تجد الكثير من المباني التي تحمل زخارف عربية وحتى أشجار ونباتات عربية عرفت عن المنطقة، كما أن طرق التنقل داخل المدينة وبناء المآذن والكنائس فيها يقترب للغاية من التصور الواقعي. 

تصريحات الشركة وبياناتها تؤكد على أهمية تصوير وتقديم بغداد صحيحة تاريخيا بشكل واضح في عالم اللعبة، وهذا ما ظهر في مقابلة أجراها رافائيل ويلاند مدير فرق التاريخ والآثار في الشركة، إذ وصف مدينة بغداد بالجزء الأهم في عالم اللعبة، وهو الجزء الذي كانت الشركة تحاول إظهاره بأدق التفاصيل. 

أثمرت جهود “Ubisoft” عن عالم مليء بالتفاصيل وواسع للغاية، وهو عالم يجعل التجول فيه جزءا هاما من تجربة اللعبة والمتعة الموجودة بها، وليس مهمة مملة يجب عليك إتمامها حتى تنتهي منها وتنتقل إلى بقية المهام الأخرى. 

توجه معتاد من ‘Ubisoft” 

الاهتمام بالتاريخ وتقديم مدن دقيقة تاريخيا هو التوجه المعتاد الذي تتبعه “Ubisoft” في ألعابها، ويكفي القول بأن لعبة “Assassin’s Creed Unity” التي كانت تدور في عصر النهضة الفرنسية ساهمت في إعادة ترميم وإصلاح كنيسة “نوتردام” بعد الحريق الكبير الذي أصابها منذ عدة سنوات. 

ظهر هذا الاهتمام بوضوح أكبر بعد لعبة “Origins” التي كانت تدور في الحقبة البطلمية في مصر، إذ صورت اللعبة مدن مصر تحت تأثير البطالمة وتاريخ الدولة ضمن وجودهم، ورغم أن اللعبة قدمت طورا جديدا لاكتشاف المدينة والتاريخ بشكل مكثف، إلا أن المؤرخين كان لهم بعض الاعتراضات على هذا التصور. 

في الجزء التالي، “Valhalla” أصلحت “Ubisoft” هذه الأخطاء، وقدمت تصورا واقعيا وحقيقيا للغزو النوردي لدول أوروبا وتوسع دولة الفايكينج بشكل كبير للغاية، وهذا يشمل كافة تفاصيل الحياة في تلك الحقبة وتصرفات الأشخاص وتناولهم للطعام وحتى طريقة حديثهم. 

الدقة الكبيرة انتقلت أيضا إلى “Mirage” حيث قامت الشركة بتقديم تصور حقيقي لمدينة بغداد بكافة تفاصيلها وتفاصيل الحياة فيها، بدءا من الأسوار والمباني وحتى طريقة تصرف الأشخاص وحياتهم وطريقة تصرف الجنود والفساد المتفشي في المدينة. 

تراث غني بالقصص والأساطير

التراث الياباني وتراث الشرق الأقصى كان محط اهتمام الدول الغربية والمبدعين الغرب لفترات طويلة، وذلك لأن المجتمع ومن يعيش في هذا التراث يحاول نشره بشكل كبير وجعل الوصول إليه أمرا سهلا، لذلك نجد الكثير من الألعاب تتحدث عن الساموراي والنينجا. 

العكس يحدث مع التراث العربي، رغم أنه يزخر بالكثير من الأساطير والتفاصيل الحيوية التي قد تقدم ألعابا مميزة وفريدة من نوعها، ولكن بسبب التقديم السيء لهذا التراث وصعوبة الوصول إليه بسبب الحواجز التي يقيمها متحدثو اللغة العربية، فإن الشركات الغربية تبتعد عنه ولا تحاول الاقتراب منه، وربما تكون “Mirage” نقطة التحول والاهتمام بهذا العالم. 

هل أعجبك المحتوى وتريد المزيد منه يصل إلى صندوق بريدك الإلكتروني بشكلٍ دوري؟
انضم إلى قائمة من يقدّرون محتوى إكسڤار واشترك بنشرتنا البريدية.
0 0 أصوات
قيم المقال
Subscribe
نبّهني عن
0 تعليقات
Inline Feedbacks
مشاهدة كل التعليقات