استمع إلى المقال

الإنسان يبتكر يوما بعد يوم تقنيات مذهلة تفتح أمامنا آفاقا جديدة في مجموعة من المجالات. ومن بين هذه التقنيات الثورية التي تلفت انتباه العالم بأسره، تبرز “التكنولوجيا العصبية” كمفهوم مبهر يمهد الطريق للتفاعل المباشر بين عقل الإنسان والكمبيوتر، وتحويل الأفكار إلى أفعال ملموسة. تسعى هذه التكنولوجيا إلى ربط الدماغ بالأجهزة الإلكترونية عبر مسارات مبتكرة، وتعتبر إنجازاتها وتطوراتها الراهنة واعدة بالنسبة للبشرية ومجتمعها.

التكنولوجيا العصبية، والتي تُعرف أيضًا باسم “الاستفادة من الأعصاب” أو “التفاعل الدماغي الحاسوبي”، تهدف إلى استغلال التفاعلات الكهربائية والكيميائية التي تحدث داخل الدماغ، لتمكين التواصل المباشر بين المخ والأجهزة الإلكترونية. وتعتمد هذه التقنية على قراءة وفهم نشاطات الدماغ، ثم ترجمتها إلى إشارات رقمية يمكن للكمبيوتر فهمها والاستجابة لها.

هناك أنواع مختلفة من التكنولوجيا العصبية، تتراوح من أجهزة تقرأ نشاط الدماغ، وتحوله إلى إشارات رقمية، مثل واجهات الدماغ-الحاسوب، إلى أجهزة تؤثر في نشاط الدماغ وتغيره، مثل التحفيز المغناطيسي عبر الجمجمة أو التحفيز العميق للدماغ.

التكنولوجيا العصبية لها تطبيقات عديدة ومهمة في مجالات مثل الطب والتعليم وغيرها، يمكن استخدامها لعلاج أو تحسين حالات مرضية تؤثر في وظائف الدماغ، مثل الصرع أو باركنسون أو الزهايمر. كما يمكن استخدامها لتعزيز قدرات المخ المعرفية أو الذاكرة أو التعلم. بالإضافة إلى ذلك، يمكن استخدامها لإنشاء تجارب جديدة وفريدة من نوعها، مثل التحكم في ألعاب فيديو بالفكر فقط، أو التواصل مع آلات أو كائنات في عالم افتراضي.

أمثلة من أرض الواقع

هناك بعض الأمثلة الحية والملموسة لتطبيقات التكنولوجيا العصبية في مختلف المجالات والصناعات، هذه الأمثلة توضح كيف تستخدم التكنولوجيا العصبية لحل مشاكل وتحديات ولتحسين جودة الحياة للكثير من الناس.

ربط الدماغ بالكمبيوتر عبر الأذن الداخلية

في إنجاز علمي مذهل، ابتكر فريق من المهندسين في جامعة تسينغهوا في بكين جهازا يسمح بالاتصال المباشر بين الدماغ والكمبيوتر عبر الأذن الداخلية، يسمى هذا الجهاز “SpiralE” وهو عبارة عن مادة مرنة على شكل حلزوني تدخل في قناة الأذن، وتتكيف مع شكلها بفضل آلية حرارية كهربائية، وبخلاف أجهزة أخرى تستخدم لهذا الغرض، لا يحتاج “SpiralE” إلى جراحة دقيقة أو تثبيت دائم، ويمكن استخدامه بسهولة وسرية في الحياة اليومية.

هذا الجهاز يعمل على قراءة إشارات كهربائية تصدر عن نشاط الدماغ في استجابة لمحفزات بصرية أو سمعية، وتحويلها إلى إشارات رقمية يمكن للكمبيوتر فهمها والتفاعل معها، وقد أظهرت التجارب التي أجراها الباحثون أن “SpiralE” قادر على تحقيق دقة عالية في تصنيف التغيرات في نشاط الدماغ المصاحبة للانتباه أو التفكير، مما يفتح آفاقا جديدة لتطبيقات مثيرة مثل الترجمة من الفكر إلى النص، أو التحكم في أجهزة أو كائنات في العالم الحقيقي أو الافتراضي، أو حتى تعزيز الذاكرة البشرية.

شركة إيلون ماسك

“نيورالينك” هي شركة تأسست عام 2016 برؤية إيلون ماسك لإنشاء واجهة عصبية-حاسوبية تسمح بالتواصل المباشر بين الدماغ والأجهزة الذكية هذه الواجهة تتكون من شريحة صغيرة تزرع في الجمجمة، وتتصل بألياف دقيقة تحفز أو تقرأ نشاط الخلايا العصبية.

هدف “نيورالينك” هو استخدام هذه التقنية لعلاج أو تحسين حالات مرضية تؤثر في وظائف الدماغ، مثل فقدان البصر أو الشلل أو الخرف، وكما تهدف إلى تعزيز قدرات المخ المعرفية أو الذاكرة أو التعلم، وإنشاء تجارب جديدة وفريدة من نوعها، مثل التحكم في ألعاب فيديو بالفكر فقط، أو التواصل مع آلات أو كائنات في عالم افتراضي.

التكنولوجيا العصبية

“نيورالينك” قامت بإجراء اختبارات ناجحة على حيوانات مختلفة، مثل القرود والخنازير، وأظهرت قدرتها على التحكم في أجهزة رقمية بالفكر، كما حصلت الشركة على موافقة من السلطات الصحية الأمريكية (FDA) لإجراء اختبارات على البشر، وتخطط لبدء هذه الاختبارات ضمن عام 2023.

شركة “سينكرون”

هي شركة ناشئة تعمل على تطوير تقنية تسمح بالتواصل بين الدماغ والكمبيوتر من خلال مجسات صغيرة تُدخل في الأوعية الدموية داخل الدماغ، الهدف من هذه التقنية هو مساعدة الأشخاص الذين فقدوا القدرة على الحركة أو الكلام جراء مرض أو إصابة، وتمكينهم من كتابة رسائل إلكترونية أو استخدام الإنترنت بواسطة عيونهم وأدمغتهم.

تمت أول عملية زرع لهذه الأداة في تموز/يوليو 2022 في الولايات المتحدة، وشارك فيها عدد من المرضى كجزء من اختبارات سريرية.

شركة “سينكرون” تواجه منافسة من شركات أخرى تعمل في المجال نفسه، مثل شركة “نورالينك” التابعة لإيلون ماسك، التي حصلت على موافقة من إدارة الأغذية والعقاقير الأميركية لإجراء اختبارات على البشر لعمليات زرع شرائح ذكية في الدماغ.

لكن هذه التقنية لا تخلو من التحديات والمخاوف الأخلاقية المتعلقة بالخصوصية وحقوق الإنسان، فهل ستكون نعمة أم نقمة، هذا ما سيحدده مستقبل هذا المجال المثير للاهتمام.

التحديات

التكنولوجيا العصبية هي تطور مذهل يحمل الكثير من الفرص والفوائد المحتملة، ولكنها أيضًا تواجه تحديات ومخاطر متنوعة من حيث الجوانب الأخلاقية والقانونية والاجتماعية والصحية. دعونا نلقي نظرة على هذه التحديات والمخاطر بالتفصيل.

التحديات الأخلاقية

من بين أبرز التحديات التي تواجه التكنولوجيا العصبية هي القضايا الأخلاقية المعقدة التي تنشأ عن تدخل في العقل البشري. يثير استخدام هذه التقنية الأسئلة حول مدى خصوصية الأفراد وحرية التفكير، وقدرتها على الوصول إلى أفكار ومشاعر الأشخاص بطريقة غير مسبوقة. يتعين على المجتمع أن يتوصل إلى معايير وقواعد أخلاقية صارمة لضمان أن تستخدم هذه التقنية بأمان واحترام للحقوق الأساسية للإنسان.

التحديات القانونية

تفتح التكنولوجيا العصبية نقاشات قانونية هامة حول مسائل مثل ملكية البيانات العقلية والمسؤولية المدنية والجنائية عند استخدام هذه التقنية. فمن المهم تحديد الجهة المسؤولة في حالة وقوع أخطاء أو أضرار ناتجة عن استخدام التكنولوجيا العصبية، وكيفية التعامل مع التحفظات المتعلقة بالحقوق الشخصية للأفراد.

التحديات الصحية

تحمل التكنولوجيا العصبية مخاطر صحية جوهرية، حيث يتعين علينا التأكد من أمان هذه التقنية وعدم تسببها في أي آثار جانبية أو مشاكل صحية للأفراد، من الضروري أيضا أن نضع في اعتبارنا التأثير النفسي والعاطفي الذي قد يكون لها على الأفراد وما يتطلبه ذلك من رعاية ومتابعة.

مخاوف دولية

في إطار مؤتمر عالمي حول الأخلاق في مجال التكنولوجيا العصبية، أصدرت منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة (اليونسكو) تنبيها بشأن مخاطر التكنولوجيا العصبية المدعمة بالذكاء الاصطناعي على الحقوق الإنسانية والخصوصية الذهنية.

التكنولوجيا العصبية هي مجال يشهد نموا سريعا يسعى إلى دراسة الدماغ وتطوير تقنيات تتواصل معه، من بينها واجهات دماغ-حاسوب وفحوصات دماغية، التي استعملت في أغلب الأحيان لمعالجة اضطرابات عصبية واسترجاع حركة أو اتصال أو رؤية أو سمع.

لكن في الآونة الأخيرة، حقق هذا المجال تقدمات كبيرة بفضل خوارزميات الذكاء الاصطناعي التي تقدر التعلم من البيانات بطرق لم تكن متاحة من قبل، وهذا يزيد من قدرة هذه التقنية على اقتحام عقول الأشخاص والتأثير على نشاطهم العصبي والسلوكي.

في المؤتمر، قالت غابرييلا راموس، المساعدة للمدير العام للشؤون الاجتماعية والإنسانية في “اليونسكو”، “إننا نتجه إلى عالم يستطيع فيه الخوارزميات فك شفرة عمليات الذهن البشري والتلاعب المباشر بآليات الدماغ التي تحدد نوايانا ومشاعرنا وقراراتنا”.

راموس أضافت، أن هذا يمكن أن يشكل خطرا على مفاهيم الهوية البشرية والكرامة الإنسانية وحرية الفكر والاستقلالية والخصوصية (الذهنية) والرفاهية.

لذلك، تسعى “اليونسكو” إلى إنشاء إطار أخلاقي عالمي لتنظيم استخدام هذه التكنولوجيا بطريقة تحترم حقوق الإنسان وتعززها، وتدعو جميع الأطراف المعنية إلى المشاركة في هذه المبادرة. تظهر تقارير “اليونسكو”، إن استثمارات صناعة التكنولوجيا العصبية زادت 22 ضعفا من عام 2010 إلى عام 2020، مما يثير المخاوف من عدم وجود تنظيم كاف لهذا المجال.

تفاؤل وحذر

في ختام تقريرنا حول التكنولوجيا العصبية وتحدياتها والمخاوف منها، نجد أن هذا المجال المتنام يحمل الكثير من الإمكانيات والتحديات في آن واحد. تعد التكنولوجيا العصبية إنجازا علميا مذهلا يفتح آفاقا جديدة للتواصل بين الدماغ والكمبيوتر وتطبيقاتها المحتملة في مجموعة واسعة من المجالات.

من ناحية الفوائد، قد تمثل التكنولوجيا العصبية قفزة نوعية في علاج اضطرابات الدماغ وتحسين جودة حياة الأفراد المصابين بإعاقات عصبية، وكما قد تمتد استخداماتها المحتملة إلى تحسين أداء الإنسان وتعزيز قدراته العقلية والذهنية؛ لذلك، يجب أن ندعم البحث والتطوير في هذا المجال للاستفادة القصوى من هذه التكنولوجيا في خدمة الإنسانية.

مع ذلك، لا يمكن تجاوز القلق من التحديات الأخلاقية والقانونية والصحية المرتبطة بهذه التقنية المتطورة، يجب أن نضمن حماية خصوصية الأفراد وحقوقهم الأساسية عند استخدام التكنولوجيا العصبية، من الضروري وضع إطار قانوني صارم لتنظيم استخدام هذه التكنولوجيا وتوجيهها نحو الاستخدامات الأخلاقية والمسؤولة.

بالنهاية، يجب أن ننظر إلى التكنولوجيا العصبية بعين التفاؤل والحذر في الوقت ذاته. استثمار الجهود للتوصل إلى التوازن بين التقدم التكنولوجي والأخلاق والقيم الإنسانية مسؤوليتنا جميعا؛ بذلك، ستكون التكنولوجيا العصبية قوة دافعة لتحقيق التقدم العلمي والإنساني بطرق مبتكرة وآمنة تحقق رفاهية وتطورا مستداما للمجتمعات والبشرية بأكملها.

هل أعجبك المحتوى وتريد المزيد منه يصل إلى صندوق بريدك الإلكتروني بشكلٍ دوري؟
انضم إلى قائمة من يقدّرون محتوى إكسڤار واشترك بنشرتنا البريدية.
5 1 صوت
قيم المقال
Subscribe
نبّهني عن
0 تعليقات
Inline Feedbacks
مشاهدة كل التعليقات