كيف استغلت إسرائيل التغيرات الجيوسياسية في المنطقة لتعزيز تفوقها في الأمن السيبراني؟

كيف استغلت إسرائيل التغيرات الجيوسياسية في المنطقة لتعزيز تفوقها في الأمن السيبراني؟
أستمع الى المقال

بالكاد يمر يوم في هذه الأيام دون الإعلان عن أن شركة إسرائيلية ناشئة للأمن السيبراني قد جمعت ملايين الدولارات في جولة تمويلية جديدة، إذ قبل 3 أشهر فقط، جرت جولة تمويلية بالغة الأهمية جمعت فيها شركة “سايميوليت” ومقرها تل أبيب 70 مليون دولار.

 ثلث الشركات وحيدة القرن -أي الشركات التي تفوق قيمتها السوقية المليار دولار- التي تعمل في مجال الأمن السيبراني حول العالم في عام ،2021 كان مقرها في إسرائيل، اثنتان منها، “تشيك بوينت” و”سايبر آرك”، تبلغ قيمتهما السوقية مجتمعة أكثر من 20 مليار دولار.

عجز سيبراني إقليمي

إسرائيل تتمتع بتاريخ طويل من التركيز في هذا المجال، واعتُبرت منذ عقود مركزاً إقليمياً للأمن السيبراني، حتى أن البعض يتتبع قوتها في هذه التكنولوجيا إلى تأسيس الدولة في عام 1948؛ عندما هاجر أكثر من مليون يهودي إلى إسرائيل من الاتحاد السوفيتي في السنوات التي تلت، كان منهم أكثر من 150 ألفًا من العلماء أو المهندسين، ما ساعد على تحويل الدولة إلى مركزٍ تقني.

المبالغ الهائلة من الأموال التي تنفقها إسرائيل في أنظمة الدفاع السيبراني، هي الأخرى دفعت كثيراً نحو التطوير في هذه الصناعة، وتم دعم كل ذلك من قبل مراكز الابتكار السيبراني التي تمولها الحكومة، مثل تلك الموجودة في مدينة بئر السبع المتوقع لها أن تصبح عاصمة الأمن السيبراني في إسرائيل.

شهد العام الماضي على سبيل المثال تمويلًا قياسيًا لشركات الأمن السيبراني الإسرائيلية، التي استفادت من استثمارات تقدر بنحو 8.8 مليار دولار. كان جزءاً كبيراً من ذلك مدفوعاً بالعدد المتزايد من الثغرات السيبرانية التي عانت منها الشركات خلال جائحة فيروس “كورونا”، عندما اضطرت الأنظمة للتحول إلى نظام العمل عن بعد.

إسرائيل استفادت أيضاً من التوجهات الإقليمية المختلفة في الشرق الأوسط، الذي يتميز بمستوى غير متناسب من الضعف السيبراني، إذ أظهرت دراسة أجراها معهد “بونمون” عام 2020، أن متوسط ​​الوقت الذي تستغرقه الشركات للرد على الخروقات السيبرانية في الشرق الأوسط كان “الأبطأ في العالم”.

الأسوأ من ذلك، أن نسخة العام ذاته من تقرير “كلفة خرق البيانات” السنوي الذي تعده شركة “آي بي إم”، ذكر أن عواقب الهجمات السيبرانية في المنطقة كانت وخيمة بشكلٍ عام، لكنها لم تكن متسقةً كذلك، إذ بلغ متوسط ​​تكلفة حادث خرق البيانات في المنطقة 6.53 مليون دولار، أي ما يقرب من ضعف المتوسط ​​العالمي البالغ 3.86 مليون دولار، لذا نُظر إلى إسرائيل التي تمتلك قدرات سيبرانية متقدمة على أنها الشريك المثالي من قبل العديد من الدول العربية، ولا سيما دول الخليج.

قد يهمّك أيضًا: تكاليف خروقات البيانات في الشرق الأوسط تبلغ ذروتها تاريخيًا هذا العام.. ولا خطوات جادة

بعيداً عن فرق الخبرات، هل يمكن للتغيّرات الجيوسياسية التي تحصل في الشرق الأوسط أن تعطي المد السيبراني الإسرائيلي في المنطقة دفعة أخرى؟

عدو مشترك

الجواب هو نعم، لعدد من الأسباب، الأول هو تحول الولايات المتحدة في تركيزها بعيداً عن الشرق الأوسط ونحو الصين. إذ كانت الولايات المتحدة، ولا سيما خلال سنوات التدخل في العراق وأفغانستان، تركز بشدة على أمن المنطقة، بما فيه السيبراني، فقد كان الاستثمار في الأمن السيبراني، سواء من قبل الحكومة الأميركية أو الشركات الأميركية الخاصة، نتيجة طبيعية لتلك التدخلات. ولكن مع تراجع الشرق الأوسط في قائمة أولويات السياسة الخارجية للولايات المتحدة، خاصةً بعد انسحابها العام الماضي من أفغانستان، تتحول المصالح والموارد الأميركية إلى الشرق. وهذا يترك فراغاً تملأه الشركات الإسرائيلية المتعطّشة للتمدد خارج حدودها.

مشهد الأمن السيبراني الإسرائيلي، يستفيد أيضاً من إعادة تشكيل التحالفات الدبلوماسية في الخليج، وعلى وجه الخصوص، العلاقات الجيدة التي تربط كل من الإمارات والسعودية والبحرين مع إسرائيل بعد عقودٍ من العداء، إذ جمعت تلك الأطراف مخاوف مشتركة بشأن القوة الإقليمية الأخرى التي تتمدد في المنطقة، إيران.

مئات التقارير تشير، إلى أن إيران مسؤولة عن تمويل ودعم التنظيمات المتطرفة والمصنفة على قوائم الإرهاب، مثل “الإخوان المسلمين” و”حزب الله”، التي تقوّض الاستقرار في المنطقة، كما أنها مسؤولة عن تمويل ودعم “حركة حماس” في قطاع غزة التي تقوّض أمن إسرائيل. 

عندما يتعلق الأمر بالسعودية، فإنها منخرطة فعلياً في حرب بالوكالة مع إيران في اليمن، إذ ينشر “الحوثيون”، أعداء السعودية في اليمن، باستمرار صواريخ باليستية زودتها بها إيران، كما أن لدى المملكة العربية السعودية وإيران أيضاً منافسة من نوعٍ خاص على زعامة العالم الإسلامي.

التعاون في مجال الأمن السيبراني بين هذه البلدان الثلاثة ليس حديثاً، فمنذ عام 2007، على سبيل المثال، تعاقدت الإمارات مع شركة “فور دي سيكيوريتي سولوشنز” المملوكة من قبل الدولة الإسرائيلية للمساعدة في تحسين قدراتها في مجال الأمن السيبراني في مرافق الطاقة في الدولة، وإنشاء نظام مراقبة “ذكي” في جميع أنحاء أبو ظبي.

عضو الكنيست السابق إريل مارغاليت،ادّعى أن شركات الأمن السيبراني الإسرائيلية ساعدت “أرامكو” السعودية في الرد على هجوم سيبراني تعرّضت له عام 2012. وزعم أن الشركات الإسرائيلية خاضت محادثات مع صندوق الاستثمارات العامة في المملكة للمساعدة في بناء نيوم، المدينة السعودية الذكية الأكثر شهرة. 

رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، سبق أن وصف المعرفة السيبرانية بأنها الركيزة الأساسية للدبلوماسية الإسرائيلية في زيارته إلى سلطنة عمان في عام 2018.

لكن بعد “اتفاقات أبراهام” في عام 2020، وهي الصفقات التي توسط فيها الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب والتي أدت إلى تطبيع العلاقات الدبلوماسية بين عدد من الدول العربية وإسرائيل، شهد التعاون في الأمن السيبراني بين تلك البلاد وإسرائيل تطوراتٍ كبيرة.

في مقابلة مع صحيفة “هآرتس” الإسرائيلية، قال رئيس مجلس الأمن السيبراني لحكومة دولة الإمارات محمد الكويتي علانية، إن هناك “تشارك جيد للمعلومات فيما بيننا”، في إشارةٍ إلى التعاون الاستخباراتي السيبراني بين البلدين رداً على هجوم إلكتروني نفذته مجموعة التهديد المستمر اللبنانية المرتبطة بحزب الله “سيدار” في يناير 2021.

تعد مخاوف إسرائيل المشتركة مع دول مجلس التعاون الخليجي بشأن التهديدات الإلكترونية الإيرانية محورية في هذا التعاون السيبراني، إذ تزايدت استهدافات السعودية والإمارات بهجمات سيبرانية كبيرة من قبل قراصنة مشتبه بهم تابعين لإيران خلال السنتين الأخيرتين، وحتى البلدان ذات الاقتصادات الصغيرة نسبياً في الخليج، مثل البحرين، تم استهدافها من قبل قراصنة مرتبطين بشبكات إيرانية.

قد يهمّك أيضًا: مجموعة “APT42”: تنتحل شخصيات الصحافيين والعلماء لتنفيذ هجماتها وتتبع للحرس الثوري الإيراني

مع ذلك، فإن تعاون إسرائيل السيبراني مع الدول العربية يمتد إلى ما وراء نزاعها مع إيران إلى شمال إفريقيا أيضاً، ففي تموز/يوليو 2021، تم توقيع اتفاقية بين إسرائيل والمغرب، تمكن فرق الأمن السيبراني من تبادل المعلومات حول تهديدات الأمن السيبراني ومحاولات القرصنة في كلا البلدين. 

المغرب هي واحدة من أربع دول عربية -إلى جانب البحرين والمملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة- تدّعي التقارير أنها استخدمت برنامج تجسس “بيغاسوس”، الذي صممته شركة المراقبة الإسرائيلية “إن إس أو” (NSO Group). وتنفي الدول المشتبه بها هذه المزاعم.

هناك بالفعل دلائل على أن هذا سيحقق فوائد كبيرة لمشهد الأمن السيبراني في إسرائيل، إذ تتعاظم فوائد تل أبيب من رأس المال والاستثمار المتاح في أبو ظبي، المركز المالي الإقليمي. 

بحسب اتفاقية التجارة الحرة التي وقعتها الإمارات مع إسرائيل، من المتوقع أن تصبح إسرائيل أحد أهم عشرة شركاء تجاريين للإمارات في غضون السنوات القليلة المقبلة. 

من المتوقع أيضاً، أن يبلغ حجم سوق الأمن السيبراني الإسرائيلي 1.51 مليار دولار أميركي بحلول عام 2027، بعدما كانت قيمته 560 مليون دولار فقط في 2019، بحسب “ستاتيستا”.

لاعب آخر يحاول التسلل

في الوقت الذي تتطور فيه علاقات الأمن السيبراني بين بعض الدول العربية وإسرائيل، تكتسب الصين أيضًا موطئ قدم في المنطقة. إذ تعمل بكين على تعزيز مكانتها في مجال الإنترنت في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، ففي آذار/مارس 2021، وقعت الصين وجامعة الدول العربية مبادرة تعاون في مجال أمن البيانات تهدف إلى “وضع الشركاء كلاعبين أقوياء في تشكيل اللوائح الدولية بالإضافة إلى بذل المزيد من الجهود نحو هيكل أكثر تماسكًا للحوكمة الرقمية العالمية، وأتت هذه الخطوة في سياق “المبادرة الصينية العالمية لأمن البيانات” التي تحاول بكين من خلالها التأثير على النقاش الدولي حول قواعد ومعايير خصوصية البيانات.

تم الإعلان عن ذلك في أيلول/سبتمبر 2020 كرد فعل على مبادرة “الشبكة النظيفة الأميركية” لشبكات الجيل الخامس التي أطلقتها إدارة ترامب قبل ذلك بشهر، لكن الجدير بالذكر أنها لم تلقَ أي استجابة إيجابية من منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، كما اعتبرتها السعودية والإمارات خطوة معادية للصين، المستورد الرئيسي للنفط الخليجي.

قد يهمّك أيضًا: الخليج العربي .. أرض صراع صيني أميركي جيو – تكنولوجي

أما بالنسبة لإسرائيل، فإن الاستثمارات الصينية تتحدى الوجود التقليدي الطويل للولايات المتحدة، من خلال إجراء عمليات استحواذ في الشركات الإسرائيلية الناشئة ذات التقنية العالية، والتي نمت من 76 مليون دولار في 20 صفقة في عام 2013 إلى 325 مليون دولار في 52 صفقة خلال الأرباع الثلاثة الأولى فقط من 2018.

من المثير للاهتمام، أن شركة “فاير آي” للأمن السيبراني، كشفت أن هجوماً سيبرانياً ضخماً مدعوماً من الصين أصاب العشرات من المؤسسات الحكومية والخاصة الإسرائيلية وأهدافاً أخرى في الشرق الأوسط بين عامي 2019 و2020. 

يُعتقد أن الهجوم ركز في المقام الأول على الكيانات الإسرائيلية النشطة في مجالات التكنولوجيا الفائقة، والاتصالات، والأوساط الأكاديمية، وتكنولوجيا المعلومات لسرقة المعرفة الإسرائيلية في الأمن السيبراني، والطاقة المتجددة، والتقنيات الزراعية واتصالات الجيل الخامس.

رغم ذلك، وحتى لو بدا أن الصين تكتسب المزيد من النفوذ في مجال الإنترنت في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، فإن الدول العربية، ولا سيما دول الخليج، تبدو أكثر انفتاحاً على التعاون مع إسرائيل منه مع الصين، أولاً لأنها تشاركها جدية مخاوفها بشأن إيران، على عكس الصين التي تعد من أكبر حلفائها، والتي وقعت معها مؤخرًا اتفاقية تعاون مدتها 25 عاماً في قطاعات التجارة والتكنولوجيا والطاقة وغيرها، وثانياً تميل الكفة لاختيار إسرائيل لكونها شريك إقليمي قادر تقنياً على مساعدة دول الشرق الأوسط وشمال إفريقيا بعيداً عن المفاضلة بين الولايات المتحدة والصين، ما يقي تلك الدول من خسارة أحدهما على حساب الآخر في سياق التحالفات العالمية.

هل أعجبك المحتوى وتريد المزيد منه يصل إلى صندوق بريدك الإلكتروني بشكلٍ دوري؟
انضم إلى قائمة من يقدّرون محتوى إكسڤار واشترك بنشرتنا البريدية.