أستمع الى المقال

مع استمرار المستهلكين في التحرك بحرية أكبر في العالم الرقمي، أصبح من الواضح أن بياناتهم الشخصية ذات قيمة كبيرة لأصحاب المصالح ومقدّمي الخدمات على اختلافهم. سواءً كان ذلك من خلال معدلات ضربات القلب التي تتم مراقبتها بواسطة ساعاتهم الذكية، أو بيانات الموقع الجغرافي الخاصة بهم المقدمة عند الإشارة في منشوراتهم إلى مطاعم معينة، أو أنواع الأفلام التي يرغبون في مشاهدتها على خدمات البث أو ربما حتى المنتجات التي يتصفحونها عند التسوق عبر الإنترنت. هذه المعلومات وغيرها فتحت الباب أمام الشركات للوصول إلى ثروة من البيانات حول من هم  المستهلكين وما هي تفضيلاتهم.

النفط الجديد

برزت البيانات الضخمة (Big Data) على مدار العقد الماضي كمورد ذا قيمة كبيرة يمكن أن يقدم رؤىً أكثر دقة للطرف الذي يستخدم البيانات مما كان ممكنًا في السابق. وفي معظم الحالات، يكون هذا الطرف هو الشركات التي تسعى إلى الحصول على مجموعات هائلة من البيانات بهدف اكتساب أكبر قدرٍ ممكنٍ من الفهم العميق لسلوكيات المستهلك وتفضيلاته. إذ قال عالم الرياضيات وعالم البيانات البريطاني “كلايف هومبي” في عام 2006: “البيانات هي النفط الجديد. ولابد من تحويلها إلى غاز، بلاستيك ومواد كيماوية … لخلق كيانٍ ذو قيمة يقود النشاط الربحي؛ لذلك يجب تقسيم البيانات وتحليلها حتى يكون لها قيمة”.

قد يهمّك: رؤية حول دور التحليل المعزز في إدارة الأعمال

وفي حين أن عملية التنقية هذه يمكن أن تكشف في كثير من الأحيان عن رؤى جديدة رائعة وتوفر في نهاية المطاف ميزة تنافسية لتلك الأطراف التي تستخدم البيانات المُنقّاة بفعالية، إلا أن الكثير من البيانات التي يتم شراؤها غالبًا ما تكون شخصية للغاية بالنسبة للمستخدم، صاحب هذه البيانات الحقيقي. هذا يعني أنه إذا لم يتم استخدامها على النحو المنشود، أو عندما تقع في الأيدي الخطأ، فقد تتسبب في ضررٍ كبير. فاليوم، تعد البيانات الضخمة أداة تدمير بحد ذاتها، باستثناء أنها تُتداول كسلعة. وهذا له عواقب إيجابية وسلبية. فعلى الرغم من روعة الحصول على خدمات تحتاجها حقًا وتوفر لك الجهد والمال كمستخدم، لا يكون الأمر بذات القدر من الروعة عندما تدرك أن كل حركة تأتي بها على الإنترنت يتم تتبعها ومشاركتها وبيعها حسب الرغبة.

إن تمكين الشركات من تخصيص المنتجات والخدمات التي تبيعها لعملاء مختلفين هو مثال جيد على ذلك. فمن خلال الموافقة على الكشف عن أنواع أفلامه المفضلة لخدمة بث منزلية، مثل نيتفلكس أو ديزني بلس، على سبيل المثال، يمكن للمستهلك أن يتوقع مستقبلاً تلقي توصيات أفلام تكون أكثر ملاءمة لتلك التفضيلات، والتي، بالطبع، ستكون مفيدة للمستهلك. أو من خلال توفير المزيد من البيانات المتعلقة باهتماماته، قد يبدأ المستهلك في رؤية الإعلانات التي تتوافق مع تلك الاهتمامات، ولا مشكلة في ذلك على أية حال. لكن بالنظر إلى أدلة السنوات الأخيرة التي تظهر بالضبط كيفية استخدام هذه البيانات، فهناك مخاوف حقيقية بشأن ما إذا كانت الشركات توفر حمايةً حقيقيةً لخصوصية المستهلكين عند الوصول إلى بيانات المستهلك والتصرف بناءً عليها.

علاوةً على ذلك، يبدو مثل هذا الحذر مبررًا تمامًا، لا سيما بالنظر إلى حجم الضرر الهائل الذي نجم عن أكبر انتهاكات البيانات خلال الفترة الماضية. ففي عام 2017 على سبيل المثال، كشفت شركة “إكويفاكس” (Equifax) العملاقة لإعداد التقارير الائتمانية أن قراصنةً قد سرقوا البيانات الشخصية لحوالي 147.9 مليون عميل أمريكي، بما في ذلك معلومات حساسة مثل أرقام الضمان الاجتماعي وتواريخ الميلاد وعناوين السكن. أدى هذا في النهاية إلى دفع الشركة 700 مليون دولار كغرامات وتعويضات. وبالتالي، فإن المخاطر كبيرة على الشركات التي تتعامل مع بيانات المستهلك؛ وحتى المستهلكين الذين لم يتأثروا بشكلٍ مباشر بهذه الانتهاكات انتبهوا إلى الطريقة التي تعاملت بها الشركات مع بياناتهم، وبالتالي نشأت الريبة لديهم. وبالطبع، لا يمكن لأحد أن ينسى الفضيحة التي تتعلق بفيسبوك وشركة “كامبريدج أناليتيكا” لجمع البيانات وتحليلها، حيث استأجرت حملة ترامب الانتخابية عام 2016 شركة البيانات للوصول إلى بيانات أكثر من 50 مليون مستخدم للفيسبوك. الأمر الذي مكّن الحملة من التأثير على سلوكيات تصويت المستخدمين.

وأجرت شركة “ماكنزي” (McKinsey) العالمية للاستشارات الإدارية مؤخرًا استطلاعًا لآراء 1000 مستهلك من أمريكا الشمالية فيما يتعلق بآرائهم حول الخصوصية وجمع البيانات والقرصنة والانتهاكات واللوائح القانونية والاتصالات. ما كشف عنه الاستطلاع هو أن المستهلكين أصبحوا انتقائيين بشكلٍ متزايد فيما يتعلق بأنواع البيانات التي يشاركونها، وكانوا أكثر استعدادًا لمشاركة بياناتهم مع مقدمي خدمات الرعاية الصحية والخدمات المالية، على الرغم من عدم تمكن أي صناعة من تحقيق معدل 50% على تصنيف الثقة لحماية البيانات . 

ما هي الخصوصية حقًا؟

يجدر التأكيد على أن الخصوصية ليست مفهومًا يسهل تعريفه تمامًا. إنه يعني أشياء مختلفة لأشخاص مختلفين، وعلى هذا النحو، فإن قيمتها تختلف من شخصٍ لآخر اختلافًا كبيرًا. وبالتالي، فإنه يعني أننا بعيدون عن الفهم الحقيقي والدقيق للخصوصية لما نتخلى عنها من خلال الموافقة على جعل بياناتنا في متناول المصالح الخارجية. يجدر أيضًا أن نسأل عن مقدار ما تستحقه بيانات المستهلك بالفعل. هناك فائدة قليلة للمستهلك من السماح للشركات بالوصول إلى معلوماته الشخصية. بينما على الجانب الآخر، تجني الشركة جلّ الفوائد الاقتصادية لاكتساب مثل هذه الرؤى العميقة للمستهلك، مما يؤدي بالتالي إلى حالة من عدم التناسق، حيث يظل المستهلك غير مدرك لكيفية استخدام الشركة لهذه المعلومات الشخصية بالضبط ومقدار القيمة التي تولّدها. علاوةً على ذلك، ومن خلال تخلي المستهلكين عن بياناتهم الشخصية، قد تبدأ الشركات في الانخراط في ممارسات مشكوك فيها، مثل تقديم عروض أكثر تكلفة مما كان يمكن أن يكون عليه الحال، أو بيع بيانات المستهلك إلى أطراف ثالثة أو استخدام البيانات في بالطريقة التي لا يقصدها المستهلكون.

قد يهمّك: هيئة الطرق والمواصلات في دبي تبدأ ببيع بياناتها وتثير مخاوف بشأن الخصوصية

في الواقع، وجد تحقيق أجرته صحيفة واشنطن بوست  أن بعض أشهر امتدادات (لاحقات) المتصفح المصممة لتحسين تجربة التصفح عبر الإنترنت والتي يستخدمها أربعة ملايين شخص كانت تجمع بيانات المستخدم، بل وتبيعها. إذ أفاد “جيفري فاولر”، مراسل واشنطن بوست، أن “لدى بعض الامتدادات مهمةً جانبيةً تتمثل في التجسس. فمن مكانها في متصفحك، تنقل معلومات حول المواقع التي تتصفحها فيه وما تشاهده من خلاله. فكر في كل ما تفعله على متصفحك في العمل والمنزل؛ إنه بمثابة وكيل رقمي لعقلك. تخيل الآن أن تلك النقرات التي تقوم بها تنبعث من جهاز الكمبيوتر الخاص بك ليتم حصادها من قبل المسوقين أو وسطاء البيانات أو المتسللين”. وبينما اتخذت كل من جوجل وموزيلا منذ ذلك الحين إجراءات لمنع مثل هذه الإضافات من التوفر على متصفحات الويب الخاصة بهما، “كروم” و”فايرفوكس” على التوالي، إلا أنه من الواضح أن استخراج البيانات الشخصية وحصادها صناعةٌ تزدهر الآن، وهو ما وصفته صحيفة نيويورك تايمز بـ “سوق تبلغ قيمته تريليون دولار“.

كما تُظهر الأبحاث الحديثة أنه في حالة عدم وجود حماية للخصوصية، قد يسوء وضع المستهلكين أكثر مما هو عليه، خاصة إذا اتخذوا قراراتٍ تستند إلى آفاق قصيرة المدى، وهي حقيقة الغالب من سلوك المستخدمين. في هذا الصدد، كتب أليساندرو أكويستي، أستاذ تكنولوجيا المعلومات والعامة السياسة في جامعة كارنيجي ميلون: “في غياب الحماية الخارجية، على المدى الطويل، قد تخضع بيانات المستهلكين لمفهوم “التمييز السعري” من قبل الجهات المالكة لها [ويعني ذلك بيع نفس المنتج بأسعار مختلفة لمشترين مختلفين بهدف زيادة المبيعات والأرباح] النقطة هنا هي أن هناك قيمةً اقتصاديةً واضحةً للخصوصية”.

بيانات يكفيها رأس الخيط

يعتقد الكثير من الناس أن مجرد رفضهم مشاركة معلوماتهم الشخصية (مثل عنوان السكن وبيانات الدفع) يعني تحصين تلك البيانات. إلا أن هذا المفهوم ليس صحيح، إذ يمكن لمعلومات أخرى أكثر بساطةً وغير شخصية ظاهريًا أن تكشف عن معلومات أكثر تعقيداً وحساسية بفضل تحليل “البيانات الضخمة”. 

مثالٌ على ذلك أبراج الهاتف المحمول، التي لا يستطيع المستخدم العادي التحكم بها، بينما تمتلك الدول صلاحيات الوصول إليها. إذ يتصل الهاتف المحمول الخاص بالمستخدم ببرج محدد، البرج الأقرب إلى الهاتف،  وحتى لو لم يستطع البرج تحديد نوع الجهاز وهوية مالكه، إلا أن الدولة يمكن لها ذلك باستخدام تقنيات خاصة. 

ومثالٌ على ذلك شركة “تيكتونيكس” (Tectonix) الأمريكية المتخصصة في تحليل البيانات الضخمة لأبراج الهاتف المحمول. إذ تقدم الشركة خدمة تتبع الأجهزة الخلوية المتصلة ببرج محدد لتتبع حالات كوفيد، بحسب ادّعائها. بمعنى، إن قامت مظاهرة أو أحداث شغب في دولةٍ ما، ولم يكونوا المشاركين فيها معروفي الهوية، تستطيع أجهزة الاستخبار الحكومية استخدام برمجيات هذه الشركة من خلال تحديد المنطقة التي نشبت فيها الأحداث وتاريخها.

يحدد نظام الشركة بعد ذلك الأجهزة الخلوية التي كانت نشطة ومتصلة بالبرج في تلك المنطقة، يمكن بعد ذلك تفعيل ما يسمى بـ “الخط الزمني” وتحديد مكان تلك الأجهزة في أوقاتٍ مختلفة. وبالتالي، أصبح لدى الجهات الاستخباراتية معلومات حول أماكن سكن وتحرك المشاركين في أحداث الشغب تلك.

يذكر أن لدى الشركة قناةً على يوتيوب تستعرض من خلالها عمليات التتبع ومعالجة البيانات الضخمة التي تشكل انتهاكاً صارخاً لمعايير الخصوصية.

محاولات كبح

هذا لا يعني أن الحماية الخارجية غير موجودة، لا سيما في السنوات الأخيرة، والتي تم خلالها تنفيذ تدابير للحماية من الاستخدام الشائن لبيانات المستهلك واستمر تعزيزها. ربما تكون “اللائحة العامة لحماية البيانات” (GDPR) التي شرّعها الاتحاد الأوروبي هي المثال الأكثر وضوحًا، حيث توفر للمستهلكين مستويات أعلى من الحماية حول كيفية استخدام بياناتهم. إذ تضمن هذه اللائحة أنه لا يمكن جمع البيانات الشخصية إلا بموجب قواعد صارمة ولأغراض مشروعة ومُعلن عنها. كما تفرض اللائحة على المؤسسات والشركات التي تجمع المعلومات الشخصية وتديرها أيضًا أن تحميها من سوء الاستخدام واحترام خصوصيتها.

ويعتمد “توجيه الخصوصية الإلكترونية” (توجيه الخصوصية والاتصالات الإلكترونية 2002/58/EC) على أطر عمل الاتصالات وحماية البيانات في الاتحاد الأوروبي لضمان أن تحافظ جميع الاتصالات عبر الشبكات العامة على احترام الحقوق الأساسية، ولا سيما المستويات العالية من حماية البيانات والخصوصية، بغض النظر عن التكنولوجيا المستخدمة. وعلى هذا النحو، يجب على الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي ضمان منح المستخدمين موافقتهم قبل تخزين ملفات تعريف الارتباط على أجهزة مثل أجهزة الكمبيوتر والهواتف الذكية.

في النهاية، يبدو أنه لا يزال أمام الشركات طريق طويل قبل أن تتمكن من كسب ثقة عملائها بشكل كافٍ عندما يتعلق الأمر ببياناتهم الشخصية. في الواقع، خلص بحث “ماكنزي” الذي ذُكر أعلاه إلى أن المستجيبين ببساطة لا يثقون في الشركات للتعامل مع بياناتهم وحماية خصوصيتهم. وبالتالي هناك فرصة أمام الشركات أن تميّز نفسها من خلال اتخاذ تدابير إيجابية مدروسة في هذا المجال. وبينما يبدو أن الشركات بشكلٍ عام بدأت في تعلم هذا الدرس المهم، فمن المرجح أن يظل الهدف النهائي المتمثل في استعادة ثقة المستهلك بعيد المنال، على الأقل في الوقت الراهن.

هل أعجبك المحتوى وتريد المزيد منه يصل إلى صندوق بريدك الإلكتروني بشكلٍ دوري؟
انضم إلى قائمة من يقدّرون محتوى إكسڤار واشترك بنشرتنا البريدية.