مايكروسوفت و ويندوز فون .. مراجعة لأسباب فشلهما في سوق الهواتف الذكية ‏

مايكروسوفت و ويندوز فون .. مراجعة لأسباب فشلهما في سوق الهواتف الذكية ‏
أستمع الى المقال

لا أزال أذكر جيدًا في عام 2010 حين وقفت مذهولًا وأنا أرى ميزات هاتف HTC HD2 حين عرضه عليّ زميلي في العمل، ولم أكن قبل ذلك قد رأيت هاتفًا ذكيًا مثله.

حينئذ كان معظم الناس من حولنا يسارعون إلى اقتناء هواتف محمولة تقليدية، أو متطورة نسبيًا، مثل: هواتف بلاك بيري التي لم تكن تعجبني، فلطالما كنت أعتقد أنه ينبغي للهواتف أن تكون كحاسوب شخصي في الجيب مع شاشة لمسية.

HTC HD2

كان هاتف HTC HD2 يعمل بنظام (ويندوز موبايل 6.5 بروفيشنال) Windows Mobile 6.5 Professional من مايكروسوفت الذي كان يتضمن مجموعة من التطبيقات الأساسية التي طُوِّرت باستخدام واجهة برمجة التطبيقات Microsoft Windows API، وقد صُمم ليكون له ميزات ومظهر يشبه إلى حد ما إصدارات سطح المكتب من نظام ويندوز.

وقد سمح النظام لمطوري الطرف الثالث بتطوير برامج دون أي قيود مفروضة من قبل مايكروسوفت، وكانت التطبيقات قابلة للشراء من متجر Windows Marketplace for Mobile.

كان Professional 6.5 الإصدار قبل الأخير من نظام Windows Mobile الذي تطور لاحقًا ليصبح (ويندوز فون) Windows Phone الذي هو مدار حديثنا اليوم.

سنركز هنا على سؤال واحد، وهو: كيف يمكن لعملاقة البرمجيات مايكروسوفت التي بدأت بتطوير نظام تشغيل للهواتف المحمولة عام 2000 أن تفشل في المنافسة في سوق نظم تشغيل الهواتف الذكية، مع أنها سبقت شركتي آبل وجوجل في دخول السوق بسنوات!

تاريخ نظام (ويندوز فون) Windows Phone

الآن لنعد بالتاريخ إلى تسعينيات القرن الماضي لنعرف القصة من البداية:

بدأت شركة مايكروسوفت بالسعي نحو تطوير منصة للأجهزة المحمولة باليد قبل أكثر من 30 عامًا، إذ بدأت المشاريع البحثية في هذا المجال عام 1990، ثم بدأ العمل على نواة (ويندوز سي إي) Windows CE عام 1992، وهي التي ستشكل لاحقًا أساس نظم تشغيل الهواتف المحمولة.

ثم أطلقت مايكروسوفت نظام Pocket PC 2000 في شهر نيسان/ أبريل من عام 2000 ليكون نظام تشغيل للحواسيب الشخصية الجيبية مع بعض من تطبيقات مايكروسوفت على الأجهزة المكتبية، مثل: Microsoft Reader، و Pocket Internet Explorer، و Windows Media Player، والتطبيقات المكتبية Pocket Office.

Pocket PC 2000

وعلى هذا المنوال، أطلقت الشركة نظام Pocket PC 2002 في شهر تشرين الأول/ أكتوبر من عام 2001، ثم الإصدار الثالث تحت اسم Pocket PC 2003 ثم تغير اسمه إلى Windows Mobile 2003، ثم نظام Windows Mobile 2003 SE في عام 2004، ثم Windows Mobile 5 في عام 2005 مع تصميم أشبه ما يكون بنظام (ويندوز إكس بي) Windows XP الشهير.

ثم أطلقت مايكروسوفت نظامي Windows Mobile 6 و Windows Mobile 6.1 في عامي 2007 و 2008، على التوالي. وبدأت مايكروسوفت منذئذ توفر نسخًا مختلفةً من النظام، فكانت نسخة Windows Mobile 6 Standard مخصصة للهواتف بدون شاشات لمسية، ونسخة Windows Mobile 6 Professional للهواتف ذات الشاشة اللمسية، أما نسخة Windows Mobile 6 Classic فكانت موجهة للحواسيب الجيبية التي لا تدعم الاتصال الخلوي.

وفي عام 2009 أطلقت الشركة نظام Windows Mobile 6.5 الذي كان الأخير في السلسلة قبل أن تقرر الشركة تغيير الاسم ليصبح مع الإصدار السابع (ويندوز فون) Windows Phone، إذ أطلقت نظام (ويندوز فون 7) في 21 تشرين الأول/ أكتوبر 2010.

ظهور أندرويد وآيفون

ومع إطلاق نظام (ويندوز فون 7) في عام 2010 كان نظام التشغيل أندرويد؛ الذي كانت جوجل قد استحوذت عليه قبل نحو 5 سنوات من ذلك التاريخ مقابل 50 مليون دولار أمريكي بالظهور؛ بالتزامن مع النجاح المتصاعد لهواتف آيفون التي أطلقت آبل منها ما لا يقل عن 3 إصدارات.

وقبل الدخول فيما حدث خلال العقد الثاني من الألفية الجديدة في سوق الهواتف المحمولة وظهور الهواتف الذكية، دعونا نشير إلى أن شركات، مثل: سوني إريكسون، وسامسونج، وموتورولا، ونوكيا كانت تهيمن على سوق الهواتف المحمولة خلال العقد الأول، خاصةً نوكيا الفنلندية التي سنعود للحديث عنها بعد قليل.

وخلال العقد الأول أيضًا كانت شركة جوجل تبرز بقوة في عالم الويب مع العديد من الخدمات، مثل: محرك البحث، ثم خدمة البريد الإلكتروني (جيميل) التي أُطلقت في 1 نيسان/ أبريل 2004، ثم خدمة الخرائط التي أُطلقت في 8 شباط/ فبراير 2005، ثم موقع يوتيوب الذي استحوذت عليه في 13 تشرين الثاني/ نوفمبر 2006، وغيرها من الخدمات والتطبيقات لاحقًا.

ولأن جوجل كانت تدرك أن العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين سيكون للهواتف الذكية، فقد تفادت الوقوع في الخطأ الذي وقعت فيه مايكروسوفت، إذ جعلت نظام التشغيل أندرويد مفتوح المصدر، وتعاونت مع شركات عدة، مثل: سامسونج، وموتورولا، وHTC لإطلاق هواتف ذكية تعمل بنظام التشغيل التابع لها. وقد أعطت لتلك الشركات حرية التعديل على واجهة المستخدم شريطة أن تكون خدمات جوجل وتطبيقاتها أساسية في الأجهزة.

ولاحقًا بدأت تدخل في سوق الهواتف الذكية شركات عديدة، ولأن مايكروسوفت كانت تنظر بعين الريبة نحو مفهوم المصادر المفتوحة وتصر على جعل أنظمتها مغلقة المصدر، فقد كان أمام تلك الشركات إما أن تختار بين نظام ويندون فون المغلق المصدر ودفع تراخيص باهظة لمايكروسوفت، ونظام التشغيل أندرويد المفتوح المصدر، فكانت تفضل الأخير إذ لم تكن تمانع من تثبيت خدمات جوجل وتطبيقاتها.

أما شركة آبل فقد استطاعت من خلال خبرتها في التسويق وقوتها في مجال الحواسيب والبرمجيات من أن تجعل هواتف آيفون اسمًا مميزًا في سوق الهواتف الذكية، وذلك من خلال التركيز على إطلاق إصدار واحد من الهاتف يتطور كل عام، وتعزيز الميزات البرمجية لنظام iOS.

أفول نجم نوكيا

ومع انتشار الهواتف الذكية في كل مكان، بدأ نجم شركة نوكيا بالأفول. فبعد أن كانت الشركة تفتخر بأنها أكبر بائع للهواتف المحمولة في العالم بين عامي 1998 و2012، أخذت حصتها في السوق تنخفض تدريجيًا حتى تمكنت سامسونج بفضل نظام التشغيل أندرويد من إزاحتها من المركز الأول في شهر نيسان/ أبريل من عام 2012.

وعلى غرار ما فعلت مايكروسوفت، لم تكن نوكيا تأخذ نظام التشغيل أندرويد على محمل الجد، وظنت أنها قادرة على الاستمرار بدونه، ولكنها وجدت لاحقًا أنها لا تقوى على المنافسة مع أندرويد و iOS من خلال التشبث بنظام Symbian OS، وهو ما اعترفت به لاحقًا.

والآن لنعد إلى مايكروسوفت وويندوز فون، فمنذ إطلاق نظام (ويندوز فون 7) بدأت الشركة تتخبط، فمع إصرارها على أن الهواتف الذكية يجب أن تكون نسخة مصغرة من الحواسيب الشخصية، فقد كانت الإصدارات المختلفة من نظام التشغيل ويندوز فون تحاكي إلى حد كبير نظام التشغيل ويندوز للحواسيب المكتبية.

وبعد نجاح نظام (ويندوز 7)؛ جاء نظام (ويندوز 8) مع واجهة Metro الجديدة كليًا والقائمة على الأيقونات المربعة، والتي تجعل الحواسيب الشخصية تحاكي الحواسيب اللوحية، وفيها تخلت مايكروسوفت عن زر “ابدأ” الشهير.

وبعد أن قُوبلت تلك الواجهة بالرفض، انعكس ذلك على نظام (ويندوز فون 8) الذي أُطلق عام 2012، ثم أطلقت الشركة (ويندوز فون 8.1) مع نظام ويندوز 8  في شهر نيسان/ أبريل من عام 2014.

التقاء المصالح بين مايكروسوفت ونوكيا

وخلال تلك المرحلة من التخبط، التقت مصالح مايكروسوفت مع شركة نوكيا المخضرمة في صناعة الهواتف، وذلك في سعيها للحاق بكل من جوجل، وآبل، وسامسونج وغيرها الكثير من الشركات في سوق الهواتف الذكية. فأعلنت مطلع شهر أيلول/ سبتمبر 2013 عن صفقة استحواذ بقيمة 5.44 مليارات يورو مع نوكيا تشتري بموجبها جميع أجهزة الشركة الفنلندية وخدماتها، وترخيص براءات الاختراع الخاصة بها، وترخيص واستخدام خدمات الخرائط من نوكيا.

الرئيس التنفيذي لمايكروسوفت (ساتيا ناديلا) – والرئيس التنفيذي لنوكيا (ستيفن إيلوب)

ثم نشطت الشركتان في إطلاق هواتف (لوميا) Lumia بنظام التشغيل (ويندوز فون)، وبالتوازي، كانت بعض الشركات، مثل: سامسونج، تطلق هواتف تعمل بالنظام أيضًا.

وفي ذلك الوقت كانت شركتا سامسونج وآبل قد هيمنتا على سوق الهواتف الذكية من خلال نظامي أندرويد وiOS، فلم يعد المطورون متحمسين لفكرة تطوير تطبيقات لنظام (ويندوز فون)، ولقلة التطبيقات المتاحة على النظام لم يكن المستخدمون يجدون فكرة التبديل مشجعة.

Lumia 535

ومع ذلك، لم تستلم شركة مايكروسوفت، إذ أطلقت نظام (ويندوز فون 10) في 20 تشرين الثاني/ نوفمبر 2015، ولكن هذا لم يجدِ نفعًا. إذ قررت الشركة عام 2017 إيقاف تطوير النظام ثم إنهاء الدعم عنه نهائيًا في 14 كانون الثاني/ يناير 2020.

أسباب فشل ويندوز فون

ولكن ما السبب يا تُرى في فشل ويندوز فون في سوق الهواتف الذكية؟

حاول أحد مستخدمي موقع Reddit الذي ادعى أنه كان مهندسًا بشركة نوكيا في الوقت الذي استحوذت فيه مايكروسوفت على قطاع الهواتف المحمولة المتعثر حينئذ للشركة الفنلندية، أن يجب عن هذا السؤال بتحديد أربعة عوامل رئيسية وراء فشل النظام.

وكما أشرنا آنفًا، فإن المهندس أيضًا يعتقد أن هناك العديد من الأسباب التي أدت إلى خسارة مايكروسوفت لمعركة الهواتف الذكية، ومنها: سياسة ترخيص نظام ويندوز فون، وعزوف شركات كبرى، مثل: سامسونج عن إطلاق هواتف رائدة تعمل بالنظام. وهو يوافقنا الرأي في أن الشركة أخفقت في جذب مطوري التطبيقات.

وقال المهندس، الذي انضم إلى نوكيا في مرحلة ما بعد الصفقة التي جرت عام 2011 بين مايكروسوفت ونوكيا لوضع نظام (ويندوز فون 7) على جميع هواتفها الذكية، وعمل لاحقًا على متجر التطبيقات (نوكيا إكس) Nokia X، وهو أول هاتف يعمل بنظام أندرويد أطلقته نوكيا قبل استحواذ مايكروسوفت عليها.

وكتب المهندس أن مايكروسوفت قلّلت من شأن جوجل، وخدماتها في سوق الهواتف الذكية، مثل: البريد الإلكتروني (جيميل)، والبحث، والخرائط. وبعد أن توقفت جوجل عام 2012 عن تمويل جهود جلب تطبيقاتها إلى نظامي ويندوز 8، وويندوز فون 8، أصبح النظامان، وخاصةً الأخير، دون أهمية لمستخدمي خدمات جوجل الذين ينتشرون في جميع أنحاء العالم.

وذكر المهندس أن مايكروسوفت استخفت بجوجل بالنظر إلى أنها حديثة عهد بسوق أنظمة التشغيل، مقارنةً بها وبآبل، ولكنها لم تكن تدرك أن ما يشغل جوجل هو جلب خدماتها وتطبيقاتها إلى جيوب المستخدمين في جميع أنحاء العالم من خلال نظام أندرويد الذي توفره للشركات على نحو مجاني.

وأشار المهندس أيضًا إلى أن فشل نظام (ويندوز 8) ورفض واجهة المستخدم Metro الأمر الذي أثر على نظام (ويندوز فون 8)، فمع أن واجهة Metro مقبولة للهواتف الذكية، فإن جلبها إلى الحواسيب الشخصية أثار رد فعل سلبية لمستخدمي الهواتف، خاصةً بين الشباب الذي شبّوا على النفور من احتكار مايكروسوفت لسوق أنظمة تشغيل الحواسيب الشخصية.

وبعد عام من استحواذ مايكروسوفت على قطاع الهواتف من نوكيا، ذكر المهندس أن الأمر قد استقر بين مستخدمي الهواتف الذكية بين أندرويد وiOS، فأصبح التبديل إلى نظام تشغيل جديد أمر مستبعد حتى لو وفر للمستخدمين التطبيقات المهمة التي يبحثون عنها. وقد أشار أيضًا إلى أن التبديل من أندرويد إلى iOS، أو العكس لا يزال منخفضًا حتى يومنا هذا.

الخاتمة

قد تكون مايكروسوفت قد أخطأت التقدير واغترت بسجلها الحافل في سوق أنظمة التشغيل، وظنت أنها تستطيع أن تكرر تجربة آبل إن هي استحوذت على نوكيا وصنعت العتاد ونظام التشغيل، ولكن يبدو أن ذكاء جوجل في إتاحة النظام للجميع مع خدمات وتطبيقات هي أصلًا الأكثر استخدامًا على الويب، ساعدها في التفوق على كل من (ويندوز فون)، و iOS.

وأنت ما رأيك؟ ما السبب الذي جعل نظام (ويندوز فون) يفشل في سوق الهواتف الذكية؟

هل أعجبك المحتوى وتريد المزيد منه يصل إلى صندوق بريدك الإلكتروني بشكلٍ دوري؟
انضم إلى قائمة من يقدّرون محتوى إكسڤار واشترك بنشرتنا البريدية.