أستمع الى المقال

“كمبيوتر الإنترنت”، يمكننا اعتباره كياناً جامعاً بين سلسلة الكتل (Blockchain) ومزوّد سحابة لامركزي. تديره مؤسسة “دفينيتي” (“DFINITY”)، وهي منظمة سويسرية غير ربحية. منذ إطلاقه في مايو/أيار من العام المنصرم، قدمت المؤسسة بعض الادّعاءات الكبيرة حول ما يستطيع كمبيوتر الإنترنت تحقيقه في تمكين عالم “الويب 3.0” (Web 3.0) الناشئ. إذ يُروّج له على أنه بإمكانه بناء أي شيء تقريباً، مثل “التطبيقات اللامركزية” (dApps) دون سحابة.

ما هو كمبيوتر الإنترنت؟

في فيديو تمهيدي نُشِر العام الماضي، وصف مؤسس “دفينيتي”، دومينيك ويليامز، كمبيوتر الإنترنت بـ “سلسلة الكتل اللانهائية” وقال إنه “ثالث ابتكار عظيم في سلاسل الكتل” بعد عملة “بيتكوين” المشفرة في عام 2009 وعقود “إيثيريوم” الذكية في 2015. الآن، من الواضح أننا بحاجة توخّي الحذر بشأن المبالغة في عالم التشفير. 

لذلك، لترجمة ما يقوله ويليامز إلى لغة هندسة الويب العملية: يتكون كمبيوتر الإنترنت من مراكز بيانات مستقلة تتعاون مع بعضها البعض. ومن غير الواضح سبب جعلها “لا نهائية”، ولكن يمكن أن يكون الهدف هو أنها شبكة نظير إلى نظير، وليست مملوكة لشركة أو مؤسسة محدّدة.

كما يمكن تعريف كمبيوتر الإنترنت بأنه شبكة من سلاسل الكتل المترابطة. تسمى هذه “الشبكات الفرعية” في مصطلحات مؤسسة “دفينيتي” المُديرة. وتنص المؤسسة في وثائقها على أن “كل شبكة فرعية هي عبارة عن سلسلة كتل تتكون من عدد من الأجهزة اللامركزية والمملوكة والمسيطر عليها بشكلٍ مستقل، أجهزة كمبيوتر نظيرة متصلة تسمى العُقد تقوم بتشغيل المكوّنات البرمجية لبروتوكول كمبيوتر الإنترنت.” هذا يعني أن كلاً من سلاسل الكتل الفرعية هذه قادرةٌ على تشغيل تطبيقات الويب بنفسها.

كيف يقارن كمبيوتر الإنترنت مع إيثيريوم؟

إذن كيف يمكن مقارنة كل هذا مع إيثيريوم، منصة تطوير الويب الرائدة الحالية في سلاسل الكتل؟ يتمثل الاختلاف الرئيسي في أن تطبيقات كمبيوتر الإنترنت يتم تشغيلها بالكامل “عبر السلسلة”، بينما مع إيثيريوم من الشائع وضع بيانات المعاملات فقط على السلسلة. ونظراً لأن إيثيريوم هي أساساً سلسلة كتل عملاقة واحدة، فهي غير فعّالة البتّة كمنصة تطبيقات. لذلك فهي تعتمد بشكل كبير على الحلول “خارج السلسلة” وخدمات التخزين اللامركزية. لكن مع كمبيوتر الإنترنت، يمكن عمل كل شيء على شبكاته الفرعية نفسها.

إذ يمكن بشكلٍ أساسي توصيل سلسلة كتل بأخرى، لذلك لدينا طريقة يمكن من خلالها تواصل هذه السلاسل جميعها مع بعضها البعض.

لكن لاحظ النقاد أنه نظراً لأن كمبيوتر الإنترنت عبارة عن سلسلة من سلاسل الكتل المترابطة، والتي تعتمد على عدد محدود من العُقد لتحقيق “إجماع سلاسل الكتل”؛ وتعني خوارزمية تجعل حفظ السجلات اللامركزية أكثر تشابهاً مع قاعدة البيانات المركزية. فهي ليست لامركزية مثل إيثيريوم. 

لذا، لا يمكن القول أن كمبيوتر الإنترنت منافس مباشر لـ “إيثيريوم”. لا شكّ أن الأخيرة رائعة فيما تفعله، والذي يعتبر طبقة تسوية عالمية. بينما ما يفعله كمبيوتر الإنترنت هو شيء لم تصمم إيثيريوم حتى تفعله في المقام الأول.

فكمبيوتر الإنترنت هو بيئة يمكنك من خلالها تشغيل أي نوع من تطبيقات البرامج بالكامل على سلسلة الكتل، كما يمكنك استخدام الرموز (tokens)، لذلك يمكنها أيضاً ربط عقود إيثيريوم المختلفة.

تهديد خدمات الويب 2.0 السحابية

كمبيوتر الإنترنت هو واحد من عديد سلاسل الكتل التي تتنافس لتقود الطليعة في تطوير الويب 3.0. في الواقع، يحتل كمبيوتر الإنترنت لحظة كتابة هذه السطور المرتبة الـ 37 عالمياً بين سلاسل الكتل من حيث القيمة السوقية. ما يجعله أدنى بكثير من السلاسل المثيلة الأخرى مثل “Solana” و “Cardano” و “Polkadot” و “Avalanche”. ربما لهذا السبب، تحرص شركة “دفينيتي” على التأكيد على كيفية تكامل كمبيوتر الإنترنت مع سلاسل الكتل الأخرى، بما في ذلك أكبر اثنتين.

إذ تتمثل أحد أهداف الشركة من هذا المشروع هو التكامل مع بيتكوين وإيثيريوم. هذا يعني أن كمبيوتر الإنترنت يمكنه الاتصال مباشرةً بهذه الشبكات دون استخدام أي جسر. لذا فإن ما يعنيه ذلك هو أن العقد الذكي على كمبيوتر الإنترنت يمكنه تمرير الرسائل مباشرةً -وليس مجرد رموز بسيطة- بين الشبكتين. وهذا ما يسمح لنا بالاحتفاظ بمنطق الرمز (token) على إيثيريوم -على سبيل المثال-، ويمكنك إنشاء برمجة الواجهة الوسيطة الخاصة بك على كمبيوتر الإنترنت.

قد يهمك أيضاً: الاستثمار في التوكنز كمشاريع ناشئة

يبدو كل هذا رائعاً، ولكن ما مدى اختلاف كمبيوتر الإنترنت عن استخدام موفّري السحابة مثل AWS (خدمات أمازون ويب) أو Azure لاستضافة الواجهة الأمامية لتطبيق الويب الخاص بك؟ هذا ما تستخدمه العديد من “التطبيقات اللامركزية” على إيثيريوم اليوم. على سبيل المثال استضافة التطبيق على AWS وجعله يتحدث إلى سلسلة الكتل عبر العقود الذكية. لكن يبدو أن كمبيوتر الإنترنت، إذا تم استخدامه بطريقة متكاملة مع إيثيريوم أو بيتكوين كما تَعِد الشركة، يتولى بشكل أساسي مسؤولية AWS.

ولكن مرةً أخرى، لم يأتي كمبيوتر الإنترنت للمنافسة، فهو لا يقدم نفسه إلا كسلسلة كتل، وعلى الرغم من أن استخدامه قد يُغني عن استخدام مزوّدي السحابة مثل أمازون وجوجل، إلا أنه لا يعتبر منافساً مباشراً لها.

فمن وجهة نظر شخص ما يقوم ببناء تطبيق لامركزي، فإن كمبيوتر الإنترنت يوفّر بالتأكيد الإمكانات التي يمكن من خلالها استضافة التطبيق بالكامل كما يحصل على السحابة التقليدية. لذا فالمطوّر لا يحتاج إلى AWS أو سحابة جوجل. فإذا كان عليه أن يبني شبكةً قائمة على المستخدم مثل تويتر أو لينكد إن أو ريديت، أو تطبيق مؤسسي، يمكنه تشغيله بالكامل، بنسبة 100% على سلسلة الكتل، دون الحاجة إلى سحابة.

كيف تعمل العقود الذكية على كمبيوتر الإنترنت؟

يجب أن تتطرق أي مناقشة لتطبيق يعمل على البلوك تشين إلى برمجة العقود الذكية. بمعنى آخر، كيفية برمجة التعليمات الخاصة بالبيانات على سلسلة الكتل. على كمبيوتر الإنترنت، يُطلق مؤسسو “دفينيتي” على العقد الذكي اسم “العلبة” (Canister)، وهو مجموعة من منطق كود البايت -وهو شكل من أشكال مجموعة التعليمات المصمّمة للتنفيذ الفعال بواسطة مترجم برمجي- في لغة تجميع الويب (WebAssembly) والذي يمكنك إنشاؤه من أي لغة برمجة عالية المستوى، مثل “Rust” أو “Motoko”؛ وهي لغة فريدة تم إنشاؤها لكمبيوتر الإنترنت.

مصدر الصورة: DFINITY

وبالفعل، فإن كمبيوتر الإنترنت لديه بضعة آلاف من المطوّرين النشطين حالياً، ويستخدم نصفهم تقريباً لغة “Rust”، والنصف الآخر “Motoko”. أما فيما يتعلق بكيفية اختلاف بيئة برمجة العقود عن بيئة “Solidity” الخاصة بإيثيريوم، فإن الأمر كله يعود إلى لغة تجميع الويب (WebAssembly).

“Solidity” هي لغة صممتها مؤسسة إيثيريوم، والتي يتم تجميعها بعد ذلك ليتم تنفيذها بشكل أساسي على EVM (اختصاراً لـ Ethereum Virtual Machine، وتعني آلة إيثيريوم الافتراضية). أما في حالة كمبيوتر الإنترنت، يتم العمل بمعيار مفتوح، وهو لغة تجميع الويب، كبيئة تنفيذ. لذلك فهي مختلفة عن بيئة إيثيريوم. فأي شيء تنفّذه لغة تجميع الويب، يعمل بكفاءة مع كمبيوتر الإنترنت.

تهديد تطبيقات الويب 2.0

كما هو الحال مع معظم سلاسل الكتل الأخرى (بما في ذلك إيثيريوم)، فإن كمبيوتر الإنترنت لا زال في أيامه الأولى من حيث تطبيقات الويب التي تعمل على نظامه الأساسي. لكن يوجد لدى “دفينيتي” واجهة عرض تتضمن بعض التطبيقات المثيرة للاهتمام، بما في ذلك خدمة استضافة الويب التي تم وصفها كمنافس لـ “Netlify”، تسمى “Fleek”. ولكن لا يوجد أي من هذه التطبيقات على نطاق الويب حتى الآن من حيث عدد المستخدمين، مقارنةً بالدعامات الأساسية الحالية للويب مثل تويتر وريديت و “Netlify”.

بطبيعة الحال، فإن هناك تفاؤلٌ بشأن ما يمكن وما سيتم بناؤه على كمبيوتر الإنترنت، حيث يمكن للناس بناء نسخةٍ من أي شيء موجود في عالم الويب 2.0 بالفعل. من جوجل درايف، إلى ريديت إلى تويتر إلى إنستاغرام وغيرهم. إذ يمكن إعادة تصوّر جميع الخدمات التي تعمل اليوم كتطبيقات على كمبيوتر الإنترنت.

بالطبع، يبقى أن نرى ما إذا كان أي من تطبيقات الويب 3.0 هذه سوف تحتل مكانة تطبيقات الويب 2.0 هذه. وفيما يتعلق بحل كمبيوتر الإنترنت محل خدمات السحابة الموجودة حالياً على الويب 2.0، فإن هذا الحديث لا يزال مبكّراً على الرغم من ارتفاع احتماله، ويبقى أمام مقدّمي هذه الخدمات عقوداً من الزمن.

قد يهمك أيضاً: الاستثمار في التوكنز.. علامات خطر! عليك تجنبها

هل أعجبك المحتوى وتريد المزيد منه يصل إلى صندوق بريدك الإلكتروني بشكلٍ دوري؟
انضم إلى قائمة من يقدّرون محتوى إكسڤار واشترك بنشرتنا البريدية.