أستمع الى المقال

صرحت نيتبلوكس “NetBlocks” وهي منظمة غير حكومية تعمل على مراقبة أمن وحكومات شبكة الأنترنت، وتوفر أيضًا أدوات لمراقبة القطع و التلاعب المتعمد و غير المتعمد لشبكة الإنترنت، كما تحلل العواقب الاقتصادية المحتملة لقطع الإنترنت في مناطق مختلفة بالعالم، بأن روسيا حولت مسار حركة الإنترنت في منطقة خيرسون الأوكرانية التي تسيطر عليها عسكرياً، بحيث تم قطعها بشكل كامل مع الشبكة المركزية للإنترنت في أوكرانيا، وربطها عبر بنيتها التحتية للاتصالات.

وأضافت نيتبلوكس بإن انقطاع الإنترنت شبه الكامل في منطقة خيرسون المحتلة في جنوب أوكرانيا، حصلت يوم السبت 30 أبريل و الذي بدوره أثر على العديد من مقدمي الخدمات الأوكرانيين بما في ذلك Ukrtelecom و Kyivstar و Volia، كما أكدت شركة فودافون المشغل للهواتف المحمولة في المنطقة، حدوث الانقطاع.

وبعد ساعات من حصول الانقطاع وتحديدًا في اليوم التالي 1 مايو، تم إعادة الإتصال الى المزود الإقليمي (Skynet (Khersontelecom على شاكلة مع وصول جزئي إلى شبكة الإنترنت. إلا انه و بحسب  نتبلوكس تم توجيه الاتصال على الشبكة عبر الإنترنت في روسيا بدلاً من البنية التحتية الأوكرانية للاتصالات، مما يعني الخضوع الكامل لشبكة الإنترنت في منطقة خيرسون الأوكرانية الى القوانين و اللوائح  أن الروسية لتنظيم عمل شبكة الإنترنت، و التي تتضمن المراقبة والرقابة التي تفرضها الدولة على شبكتها.

وتُظهر مراقبة سير البيانات عبر الشبكة إلى أنه تم إعادة توجيه حركة مرور البيانات لشبكة خيرسون عبر مزود ميراندا “Miranda” الروسي و الذي يخدم شبه جزيرة القرم التي تحتلها روسيا و التي بدورها قامت بفصلها عن الشبكة الأوكرانية في العام 2014. وبدوره يتم تغذية المزود ميراندا من قبل مزود الرئيسي  Rostelecom في روسيا. 

وقد أقرت أوكرانيا في وقت لاحق، فقدان السيطرة على غالبية  إتصالات الشبكة في منطقة خيرسون، بما في ذلك العاصمة الإقليمية التي تحمل اسمها، لكنها صرحت  بأن “قواتها المسلحة تتصدى للمحاولات الروسية للوصول إلى حدود المقاطعة، وأن السلطات استجابت للحادث وتمكنت من إعادة توصيل منطقة خيرسون عبر البنية التحتية الأوكرانية يوم الأربعاء 4 مايو”.

مراقبة و تجسس

لم توفر الحكومة الروسية الهجمات السيبرانية المتقدمة لأستهداف أوكرانيا، مثل تلك الهجمة التي أغلقت شبكات الكهرباء في أوكرانيا عام 2015، و التي تم تنفيذها من قبل مجموعة التهديدات المتقدمة “Sandworm”. كما أن روسيا لا تعتمد فقط على الهجمات السيبرانية، بل تقوم  بإتلاف البنية التحتية المادية للإنترنت أو تدميرها أو قطعها مثل الكابلات الموجودة تحت سطح البحر، ويمكنهم تعطيل اتصالات الإنترنت في منطقة مستهدفة لإحداث حالة من الذعر والاضطراب العام، او لمنع تسريب تفاصيل التطورات العسكرية و ممارسات المجموعات العسكرية في منطقة يتم إحتلالها

عندما غزت روسيا شبه جزيرة القرم وضمتها بشكل غير قانوني في عام 2014، قامت بإتلاف بعض كابلات الاتصالات التابعة لشركة Ukrtelecom الاحتكارية التي ربطت شبه الجزيرة بأوكرانيا. 

وأتاح انقطاع الإنترنت الجزئي حينئذ للكرملين القدرة على بسط نفوذهم على المنطقة والحد من التواصل مع العالم الخارجي، يمتلك الكرملين خطة جاهزة يتم تكرارها في كل المناطق التي تقوم روسيا بإحتلالها، حيث ان الكرملين يدرك أهمية البعد المادي للفائدة التجارية من التحكم بالشبكة و بيع الخدمات عبر المزودات الروسية للزبائن الأوكرانيين.

كما أن القوانين الروسية وتحديدًا قانون الأتصالات الروسية 90-FZ للعام 2019، والذي أطلق صلاحيات الدولة بمراقبة شبكة الأنترنت بشكل واسع و زادت من صلاحيات الدولة بالقيام بحظر الموارد الغير مرغوب فيها من قبلها، مما أدّى لزيادة السيطرة على البنية التحتية من خلال إجبار الشركات المحلية المزودة للاتصالات على تثبيت المزيد من تقنيات المراقبة والتصفية. بالمقابل و عندما تفشل آليات التحكم الرقمية بتحقيق مآرب الكرملين تلجأ الدولة إلى الإكراه الجسدي للمواطنين وموظفي تقنية المعلومات  الأجانب.

وشهد العقدان الأخيران من التطورات العسكرية الروسية تركيزًا متزايدًا على أهمية الهجمات السيبرانية ضد الأهداف المحلية و الخارجية، و توسعة  السيطرة على البنية التحتية المحلية، وهذه التطورات زادت من تخوّف الحكومات الغربيةبناءً على ذلك، حذر قائد القوات المسلحة في المملكة المتحدة من أن النشاط البحري الروسي يمكن أن يهدد الكابلات البحرية ويسمح لموسكو بتعطيل حركة الإنترنت العالمية.

تقييد الوصول

يُعد كابل “مضيق كيرتش” الذي تم وضعه بواسطة “Rostelecom”، وهي شركة الاتصالات الروسية السلكية واللاسلكية المملوكة للدولة في عام 2014 بعد ضم شبه جزيرة القرم من قبل الاتحاد الروسي، بمثابة الخطر الأكبر نظرًا لأنه ينقل حركة الإنترنت العالمية مباشرة إلى أوكرانيا، لكن التأثير الفوري لقطعه سينعكس على اتصالات الإنترنت في شبه جزيرة القرم نفسها. ولهذا، ربما لن يقوم الكرملين بإتلاف هذا الكابل. 

وفي السيناريو الأكثر ضررًا عالميًا، يمكن للجيش الروسي أن يستهدف أيّاً من عشرات الكابلات البحرية التي تربط أجزاء أخرى من أوروبا بشبكة الإنترنت العالمية – والتي بالتبعية – قد تنقل حركة المرور الصادرة من (والموجهة إلى) أوكرانيا.

على سبيل المثال، هناك ستة عشر كابلًا بحريًا تقع قرب إيرلندا غرب أوروبا، وقطع بعض هذه الكابلات التي يشكّل اثنين منها جزءًا من الشبكة الروسية، من شأنه أن يضر بتدفق حركة الإنترنت العالمية وقد يستغرق عدة ساعات أو حتى أيام لإصلاحها، كما قد يعزل بعض الدول الموصولة عبر هذه الكابلات عن الشبكة العالمية لفترة من الزمن.

وإلى جانب التحضير للعمليات السيبرانية المتقدمة الروسية ضد أوكرانيا وكذلك البلدان التي يعتبرها الرئيس الروسي فلاديمير بوتين مؤيدة لأوكرانيا، يجب على كييف وحلفائها الاستعداد للاستهداف المحتمل بقطع كابلات الإنترنت البحرية لأن موسكو تعرف جيدًا بأن المعلومات أمر حيوي في أي أزمة – وأن التحكم في تدفقها أو تعطيله بالكامل يمكن أن يوفر مزايا استراتيجية مهمة.

عواقب اقتصادية وخيمة

وفي نفس السياق، نشرت صحيفة “لو باريزيان” الفرنسية تقريرًا للكاتبة “جولييت بوسون” يشير إلى أنه مع تصاعد الحرب في أوكرانيا، ازدادت المخاوف بشأن سلامة الكابلات البحرية التي تحمل الإنترنت والتي توفر الاتصال بين القارات، كما عبّر المتخصصون عن خشيتهم من قيام روسيا بتدمير هذه البنى التحتية ردًا على العقوبات الغربية.

والسؤال الذي يطرح نفسه الآن، هل هو بالفعل موضوع مزعج أم تهديد حقيقي؟ 

يعتقد الخبراء أنه لا يمكن تصور مدى خطورة هذا السيناريو، لكن إمكانية تحقيقه ليست مستبعدة في ضوء الصراع الأكثر خطورة في أوروبا منذ أيام الحرب الباردة. وفي عام 2017، حذر المارشال ستيوارت بيتش رئيس اللجنة العسكرية لحلف الناتو آنذاك، من أن التعطيل الناتج عن قطع الكابلات أو إتلافها سيكون له تأثير كارثي فوري على البنية التحتية للإنترنت وعلى كل من التجارة الدولية، فهناك ما يقرب من 97٪ من حركة الإنترنت العالمية و 10 مليارات دولار من المعاملات المالية اليومية تمر عبر كابلات الألياف الضوئية التي تقع في قاع المحيط يوميًا.

ولهذا السبب، قال المجلس الأوروبي للعلاقات الدولية، وهو مركز أبحاث أوروبي، أن هذه الكابلات “لا تقل أهمية عن أنابيب الغاز والنفط”.

مناطق شرق أوكرانيا ليست الأولى في الإنفصال على الشبكة المركزية

بعد العام 2011 عند اندلاع الاحتجاجات في سوريا، فقدت الحكومة السورية السيطرة العسكرية على شمال شرق وشمال غرب سوريا لصالح قوات حماية الشعب أو المعارضة السورية المسلحة، وعلى أثر الحرب، دمرت البنية التحتية للإتصالات في بعض المناطق وتم فصل مناطق أخرى عن شبكة الأنترنت المركزية القادمة من دمشق.

يهدف الموزع الذي يتخذ من تركيا مقراً له لبناء برج لتزويد عملائه بالإنترنت في المناطق الحدودية في منطقة عفرين السورية … مصدر الصورة citizenlab.ca

وعلى أثره خسر سكان المنطقة الوصول للإنترنت لعدة سنوات، إلى أن نجحت بعض الشركات المحلية بجلب كابلات ضوئية دولية كما هو الحال في مناطق شمال شرق سوريا الموصولة بـ أقليم كوردستان العراق، و تم ربط مناطق شمال غرب سوريا بكابلات ضوئية و بموصلات لاسلكية بمناطق تركيا.

يظهر الموزّع أثناء توزيع خدمة شركة الاتصالات التركية (ترك تيليكوم) عبر VDSL في إحدى القرى السورية .. مصدر الصورة citizenlab.ca

مكاسب اقتصادية لدول الجوار و حكومات الأمر الواقع

فصل المناطق السورية عن الشبكة المحلية أدى لتحول المكاسب الاقتصادية الواردة من قطاع الاتصالات إلى شركات الأنترنت في دول الجوار (العراق و تركيا) و التي بدورها وفرت مكاسب أقتصادية لشركات محلية تتبع بشكل أو بأخر للحكومات المحلية والمجموعات العسكرية المسيطرة على تلك المناطق، مما يعني خسارة دمشق لموارد مالية هائلة هي بأمس الحاجة لها.

فاتورة أمنية ثقيلة

مع خسارة حكومة دمشق للبنية التحتية في الأماكن التي تم تعد تسيطر عليها، خسرت دمشق قدرتها على حظر ومراقبة مستخدمي الأنترنت في تلك المناطق، وخصوصًا أن دمشق كانت تستخدم تقنيات تعتمد على سيطرتها على البنية التحتية، كتقنيات الـ Deep packet inspection او الفحص العميق للشبكة لحظة بروتوكولات مشفرة، أو لهجمات الرجل في الوسط Man in the Middle Attacks لزرع شهادات TLS/SSL مزورة تسمح للحكومة بعرض ماهية الإتصالات المشفرة، إلا أن جهات أخرى استفادت من خسارة دمشق للبنية التحتية.

كما حصل في المناطق السورية والتي تزودها بالإنترنت شبكات تركية، حيث أنه وبحسب مركز Citizen Lab في جامعة تورنتو الكندية، قامت الحكومة التركية بشن هجمات سيبرانية من نوع Watering hole attack و التي تسمح لمالكي الشبكات بإعادة توجيه المستخدمين لتحميل تطبيقات خبيثة بدل التطبيقات الحقيقية بهدف أختراق أجهزة المستخدمين كـ الحواسيب الشخصية و الهواتف الذكية. ويبين التقرير بأن الاستهداف حصل ضد المناطق التي تقطنها الأقلية الكردية في سوريا.

ختامًا:

بينت الحروب السورية والأوكرانية بأن شبكة الإنترنت جزء لا يتجزأ من الصراع العسكري، و قد تكون القضايا الحساسة مثل الهروب من المراقبة و التقييد أو زيادة المراقبة و التقييد جزء من عملية فصل الأقاليم المستهدفة عن المركز، إلا أن الفائدة الاقتصادية جزء هام جداً يجب أن لا يغفل عند تحليل أي حالة من الحالات المذكورة أعلاه أو تلك المشابهة لها.

قد يهمك أيضًا: تغطية إكسڤار المباشرة للحرب السيبرانية بين روسيا وأوكرانيا

قد تبين الصراعات المذكورة أعلاه مستقبل الصراعات العسكرية و تأثيرها على الشبكات، إلا أن القوى المعتدية كـ روسيا على سبيل المثال تغفل حقيقة أن مصادرة حق تزويد الاتصالات ضمن حدود دولة معينة هي قضايا سيادية متفق عليها دولياً، وقد تكلف مخاليفها قانونياً. 

الأكثر قراءة