سياسات الصين الانعزالية: هل تكلفها انحدارًا تقنيًا رغم تركيزها على عكس ذلك؟

سياسات الصين الانعزالية: هل تكلفها انحدارًا تقنيًا رغم تركيزها على عكس ذلك؟
أستمع الى المقال

في أحد الأيام في أواخر أغسطس/آب المنصرم، بعد وقتٍ قصير من اجتماع قادة الصين في منتجع “بيدايخه” على بحر بوهاي لوضع اللمسات الأخيرة على جدول أعمال المؤتمر العشرين للحزب الشيوعي الذي جرى الأسبوع المنصرم، نشر مركز أبحاث حكومي مقالًا أكاديميًا غامضًا على الإنترنت أثار جدلاً مفاجئًا وتحدى وجهة النظر السائدة القائلة بأن سياسات الانعزالية التي طبقتها أُسر “مينغ” (1398-1644) و”تشينغ” (1636-1912) الصينية أضعفت الصين وأنهكتها داخليًا، إذ طرح التقرير وجهة نظرٍ مخالفة تقول أن تلك السياسات كانت بمثابة جهودًا موجّهة للدفاع عن أراضي الصين وثقافتها ضد “القوى الاستعمارية الغربية العدوانية”.

فسر مستخدمو الإنترنت الصينيون والمهتمين الدوليين بالشأن الصيني على حد سواء المقال -الذي لم يُذكر اسم مؤلفه- على أنه محاولة سياسية لإعطاء ذخيرة تاريخية لحملة الزعيم الصيني شي جين بينغ لجعل الصين أكثر اكتفاءً ذاتيًا بهدف “تحصينها” ضد التهديدات الخارجية.

مع فوز جين بينغ بولاية ثالثة في الاجتماع الحزبي الذي يعقد مرتين في العقد، والذي افتُتح في بكين يوم الأحد، فإن السؤال الحاسم هو ما إذا كان تركيزه على دعم انغلاق الصين على ذاتها محليًا سينجح في جعلها قوية ومستقلة، أو سيزيد من عزلتها ويجلب المزيد من الركود الاقتصادي.

إن دفع جين بينغ لتحقيق الاكتفاء الذاتي له آثار هائلة على بقية العالم. إذ كان صعود الصين على مدى السنوات الأربعين الماضية مدفوعاً بإصلاحاتها الاقتصادية الموجهة نحو السوق والانفتاح على التجارة، الأمر الذي أطلق العنان للقطاع الخاص وجلب التكنولوجيا والاستثمار الأجنبيين؛ ما جعل الصين الآن أكبر دولة تجارية في العالم، وهي الشريك التجاري الأول لأكثر من 120 دولة.

لكن منذ توليه السلطة في عام 2012، غيّر جين بينغ أولويات الصين. إذ يقول الخبراء إن نهج جين بينغ متجذر في نظرته الأكثر قتامة للبيئة الدولية مقارنة بتلك التي اتبعها القادة الصينيون الذين سبقوه. في نظره، الصين محاصرة من قبل “قوى أجنبية معادية” عازمة على إفشال صعودها وإحداث انهيار الحزب، ويقول إن الأمن القومي هو “الأولوية القصوى” للصين. وبالفعل، رفع الاكتفاء الذاتي إلى مستوى لم تشهده الصين منذ نهاية حقبة ماو تسي دونغ عام 1976.

الدفع نحو الاعتماد على الذات

تحرك جين بينغ بقوة لتقوية الحزب الشيوعي وإحكام قبضته على الاقتصاد والمجتمع. لقد أخضع القطاع الخاص للشركات التي تديرها الدولة ووسع السياسة الصناعية، مستخدمًا إعانات ضخمة لمحاولة التغلب على الغرب في التقنيات المتقدمة. لكن أغلقت ضوابطه الصارمة الخاصة بكوفيد-19، التي عُرفت بسياسة “صفر كوفيد”، حدود الصين أمام العديد من الزوار الأجانب مع مطالبة جميع المسافرين الوافدين بالحجر الصحي.

ويعمل ما أُطلق عليه اسم “سور الحماية العظيم” -كنايةً عن سياسات الانعزال الصارمة- على إبطاء تدفق الأفكار الأجنبية. كما حدت إجراءات “صفر كوفيد” من الحركة داخل وخارج البلاد، إذ توقف أو مُنع العلماء الصينيون عن حضور المؤتمرات في الخارج، وهي المصدر الأساسي للازدهار البحثي في شتى المجالات حول العالم. كما أصبح المسؤولون التنفيذيون الصينيون بالكاد يسافرون، وانخفض عدد رجال الأعمال الأوروبيين في الصين إلى النصف.

وكنيتجةٍ حتمية، فإن الصين الأقل اتصالاً ستكون أقل ديناميكية وإبداعًا. وتعمل الحكومة على تفاقم عزلة الصين من خلال جعلها أقل ملاءمة للأجانب للعيش أو العمل فيها. على سبيل المثال، يجب على الشركات الأجنبية جعل البيانات الحساسة التي ترسلها إلى الخارج في متناول الدولة، التي تمتلك منافسي تلك الشركات الرئيسيين في كثير من الأحيان. هذا وحده حافزٌ للبحث والتطوير خارج الصين. وأخيرًا، يضمن سجل الصين السيئ في مجال حقوق الإنسان أن لديها عددًا قليلاً من الدول الصديقة، ما يحدّ من التعاون مع الدول التي تمتلك أحدث التقنيات.

ولضمان قدرة الصين على الدفاع عن نفسها، يسعى جين بينغ إلى جعل الدولة التي يبلغ عدد سكانها 1.4 مليار نسمة معتمدة على نفسها في الغذاء والطاقة والتكنولوجيا المتقدمة. إذ يريد أن تهيمن الصين على تقنيات مثل الذكاء الصنعي أو شبكات الجيل الخامس، لذا فإن الأموال العامة والخاصة تتدفق على الأبحاث المتعلقة في تلك المجالات. وربما تكون الصين متقدمة على الغرب في مجالات مثل شبكات الجيل الخامس والبطاريات. وفي الحالة الطبيعية، كلما نما اقتصاد الدولة، زادت قوتها الجيوسياسية. سيكون ذلك صحيحًا لو كان بإمكان جين بينغ السيطرة على تقنيات رئيسية معينة وجعل البلدان الأخرى تعتمد عليها ووضع المعايير التي تحكم هذه التقنيات.

لكن لهذا السبب تحديدًا تعامل الحكومات الغربية الآن الابتكار الصيني كقضية تتعلق بالأمن القومي (اقرأ: لماذا القلق من معدات شبكات الجيل الخامس الرخيصة؟). إذ تعمل على زيادة الإعانات والتمويل للصناعات الحساسة مثل صناعة أنصاف النواقل وشبكات الجيل الخامس. وأخذت إدارة الرئيس الأميركي جو بايدن خطوةً أبعد من ذلك، إذ سعت علانيةً إلى شل صناعة التكنولوجيا الصينية. ففي السابع من أكتوبر/تشرين الأول، حظرت بيع الرقائق عالية الجودة للصين، سواء من قبل الشركات الأمريكية أو الأجنبية التي تستخدم المعدات الأمريكية.

سيؤدي هذا إلى إبطاء تقدم الصين في المجالات التي تعتبرها أمريكا مهددة، مثل الذكاء الاصطناعي وأجهزة الكمبيوتر العملاقة. كما أنه سيضر المستهلكين الصينيين أنفسهم لتعثر وصولهم إلى تلك منتجات تلك الشركات.

نتائج متباينة

في ظل حكم جين بينغ، انخفض الناتج المحلي الإجمالي السنوي بشكل مطّرد، ومن المتوقع أن ينخفض ​​هذا العام إلى 3.5% -هدف الحكومة 5.5%- وفقًا لبنك الصين. والأهم من ذلك، كما يقول الاقتصاديون، أن الإنتاجية الإجمالية للعوامل في الصين – وهي مقياس رئيسي للكفاءة – قد انخفضت من متوسط ​​3.5% سنويًا في العقد الأول من القرن الحادي والعشرين إلى 0.7% في العقد الذي تلاه، وفقًا لصندوق النقد الدولي.

ويعد الابتكار التكنولوجي أمرًا محوريًا لاستراتيجية جين بينغ الاقتصادية، ولكن من خلال توجيه الاستثمار من خلال القطاع المملوك للدولة، والذي هو أقل إنتاجية وكفاءة وابتكارًا، فإن بكين تقوّض هذا الهدف. وعلى الرغم من أن الصين لديها نظام جيد حقًا في تعبئة الموارد، لكن الابتكار والإبداع التكنولوجي يحتاج الكثير من المرونة والكثير من الانفتاح، وهذه هي المعضلة الأساسية التي تواجهها الحكومة الصينية.

ويقول الخبراء إن خطة جين بينغ للصين للسيطرة على التقنيات الرئيسية وحدها تقلل من أهمية التعاون الدولي في تحقيق قفزاتٍ واكتشافاتٍ نوعية في مجالات مثل أشباه الموصلات. إذ أن كافة الابتكارات الجوهرية السابقة أتت من خلال التعاون. وهذا واحد من الأسباب التي تجعل التجربة الصينية مع أشباه الموصلات متواضعة للغاية.

قد يهمّك: حرب التكنولوجيا الباردة: الجزء الخامس – أشباه الموصلات

من المؤكد أن الصين قد تمتعت بنجاحات في مجال التكنولوجيا المحلية، وعلى مدى السنوات العشر الماضية، صعدت إلى المرتبة 11 بين الدول المصنفة في مؤشر الابتكار العالمي الذي تنشره المنظمة العالمية للملكية الفكرية، وهي وكالة تابعة للأمم المتحدة في جنيف. لكن يحذر المسؤولون والخبراء الصينيون من أن القيود الأجنبية على نقل التكنولوجيا إلى الصين -مثل تشديد الولايات المتحدة مؤخرًا للرقابة على صادرات رقائق أشباه الموصلات الذي ذكر أعلاه- ستؤدي إلى نتائج عكسية وتقوّض جهود بكين لتحقيق الاستقلال التكنولوجي الذي ترمي إليه.

انحدار تقني محلي؟

بدأت شركات التكنولوجيا الصينية العملاقة بالخروج من أسوأ ربع من ناحية النمو في تاريخها، حيث أدى التباطؤ الكبير في الاقتصاد المحلي إلى خسائر فادحة. ففي الربع الثاني من هذا العام، سجلت شركة التجارة الإلكترونية “علي بابا” أول نمو ثابت في هذا الربع مقارنة بالربع نفسه من العام الماضي لأول مرة على الإطلاق. كما أعلنت شركة “تينسينت” (Tencent) للألعاب والشبكات الاجتماعية عن أول انخفاض في مبيعاتها منذ تأسيسها. وسجلت “JD.com” ثاني أكبر شركة للتجارة الإلكترونية في الصين، أبطأ نمو في الإيرادات في تاريخها، في حين سجلت شركة “Xpeng” لصناعة السيارات الكهربائية خسارة أكبر من المتوقع.

السبب في ذلك؟ نما الاقتصاد الصيني بنسبة 0.4% فقط في الربع الثاني من هذا العام، وقد أثر ذلك على قوة المستهلك، وكذلك إنفاق الشركات في مجالات مثل الإعلان والحوسبة السحابية. وبالطبع، كان المتأثر الأكبر بذلك هو عمالقة التكنولوجيا في الصين.

قال دانييل تشانغ، الرئيس التنفيذي لشركة علي بابا، في إعلان أرباح الشركة هذا الشهر: “انخفضت مبيعات التجزئة على أساس سنوي في أبريل/نيسان ومايو/أيار بسبب عودة ظهور كوفيد-19 في شنغهاي والمدن الرئيسية الأخرى، وتعافت ببطء في يونيو/حزيران”. كما تأثرت شبكات علي بابا اللوجستية في الصين، وقالت إن بعض مشروعات الحوسبة السحابية تأخرت.

أما شركة “تينسينت”، مالكة تطبيق “WeChat” الشهير للمراسلة وواحدة من أكبر شركات الألعاب في العالم، نمت إيرادات خدمات التكنولوجيا المالية خاصتها بشكلٍ أبطأ مما كانت عليه في الأرباع السابقة بسبب سياسات “صفر كوفيد” كذلك، حيث انخفض عدد الناس الذين يخرجون ويستخدمون خدمة “WeChat Pay” للدفع عبر الهاتف المحمول. كما انخفضت عائدات الشركة من الإعلانات عبر الإنترنت انخفاضًا حادًا مع خفض الشركات الأخرى نفقاتها.

وقالت شركة صناعة السيارات الكهربائية “XPeng” إنها تتوقع تسليم ما بين 29 و 31 ألف سيارة في الربع الثالث. لكن هذا كان رقمًا أضعف مما توقعه السوق. بالإضافة إلى الضعف الموسمي، قال رئيس الشركة التنفيذي إن “حركة المرور في المتاجر أقل مما رأيناه من قبل بسبب ‘حالة’ ما بعد كوفيد.”

ويواصل قطاع التكنولوجيا في الصين التعامل مع بيئة تنظيمية أكثر صرامة يومًا بعد يوم. فعلى مدى العامين الماضيين، أدخلت الصين سياسة أكثر صرامة في مجالات تقنية مختلفة من الألعاب إلى حماية البيانات. ومع انخفاض معدلات النمو بشكل حاد أكثر مما كانت عليه في السنوات السابقة، يتوخى المستثمرون الحذر بشأن توقعاتهم.

إحباط شعبي

صادق مؤتمر الحزب الشيوعي الأخير على فترة حكم شي جين بينغ الثالثة، ومعها -بالضرورة- أجندته الواسعة للاكتفاء الذاتي. ولكن مع عدم وجود نهاية تلوح في الأفق لسياساته الصارمة، يشعر العديد من الصينيين بالقلق من تزايد انعزال بلادهم بشكلٍ متزايد عن بقية العالم.

لكن البيانات واضحة تمامًا، وتقول أن الانفتاح -سواءً في التاريخ أو في الفترات المعاصرة- يعزز النمو الاقتصادي والتطور التكنولوجي. وفي المقابل، دمرت سياسة الباب المغلق اقتصاد الصين، في الماضي وفي الحاضر كذلك. 

وبالعودة إلى المقال الأكاديمي الذي قارن سياسات انعزال الصين الحالية بسابقاتها التي اتبعتها عائلات “مينغ” و”تشينغ” الحاكمة في السابق، علق شخص باللغة الصينية على موقع المدونات الصيني الشهير وثاني أكبر منصة تواصل اجتماعي صينية “Weibo” قائلاً: “في ذلك الوقت، كان العالم كله يسير على قدم وساق مع الثورة الصناعية. لقد أغلقنا بلدنا في عزلة… تخلفنا وتعرضنا للضرب [كناية عن تأخر الصين عن بقية العالم في القرن العشرين]”. وكتب آخر: “العالم كله ينفتح، ونحن لا زلنا معزولين في حبسنا”.

هل أعجبك المحتوى وتريد المزيد منه يصل إلى صندوق بريدك الإلكتروني بشكلٍ دوري؟
انضم إلى قائمة من يقدّرون محتوى إكسڤار واشترك بنشرتنا البريدية.