أستمع الى المقال

الذكاء الصنعي (AI) هو علم مكرّس لجعل الآلات تفكر وتتصرف مثل البشر. قد يبدو هذا التعريف بسيطًا، لكن لم يبدأ حتى الآن أي جهاز كمبيوتر بمطابقة تعقيدات الذكاء البشري. تتفوق أجهزة الكمبيوتر في تطبيق القواعد وتنفيذ المهام، وبأشواطٍ كبيرة، ولكن في بعض الأحيان قد يكون “الإجراء” البديهي نسبيًا بالنسبة لشخص ما معقدًا للغاية بالنسبة لجهاز الكمبيوتر.

على سبيل المثال، يُعد حَمل صينية من المشروبات عبر مقهى مزدحم وتقديمها إلى الطاولة الصحيحة أمرًا يفعله النادلون والنادلات كل يوم، ولكنه يعد تمرينًا معقدًا في عملية صنع القرار ويعتمد على حجم كبير من البيانات التي يتم نقلها بين الخلايا العصبية في دماغ الإنسان.

أجهزة الكمبيوتر التي تحاكي تلك التعقيدات ليست موجودة بعد، ولكن التعلم الآلي والتعلم العميق هما أكبر الخطوات الأساسية نحو هذا الهدف؛ وهو تحليل كميات كبيرة من البيانات واتخاذ القرارات أو التنبؤات بناءً عليها بأقل قدر ممكن من التدخل البشري.

ما هو التعلم الآلي؟

التعلم الآلي هو مجموعة فرعية من الذكاء الصنعي تركز على هدف محدد: إعداد أجهزة الكمبيوتر لتكون قادرة على أداء المهام دون الحاجة إلى برمجة واضحة.

يتم تغذية أجهزة الكمبيوتر ببيانات منظمة (في معظم الحالات) و “تتعلم” لتصبح أفضل في تقييم هذه البيانات والتعامل معها بمرور الوقت.

يمكن تشبيه “البيانات المنظمة” كمدخلات بيانات يمكنك وضعها في أعمدة وصفوف. إذ يمكنك إنشاء عمود فئة في “Excel” يسمى “طعام”، ولديك إدخالات صفوف مثل “فاكهة” أو “لحومات”. هذا الشكل من البيانات “المنظمة” سهل للغاية لأجهزة الكمبيوتر للعمل معه، والفوائد التنظيمية من ذلك ليست بحاجة شرح. وليس من قبيل المصادفة أن واحدة من أهم لغات برمجة البيانات اسمها “structured query language” (تعرف اختصارًا بـ SQL) وتعني “لغة الاستعلام المنظمة”.

وبمجرد أن تتم برمجته، يمكن للكمبيوتر استيعاب البيانات الجديدة إلى أجلٍ غير مسمى، وفرزها والعمل على أساسها دون الحاجة إلى مزيد من التدخل البشري.

بمرور الوقت، قد يكون الكمبيوتر قادرًا على التعرف على أن “الفاكهة” هي نوع من الطعام حتى إذا توقفت عن تصنيف بياناتك. يعد “الاعتماد على الذات” هذا أمرًا أساسيًا للتعلم الآلي لدرجة أن المجال ينقسم إلى مجموعات فرعية بناءً على مقدار المساعدة البشرية المستمرة.

التعلم الخاضع للإشراف والتعلم شبه الخاضع للإشراف

التعلم الخاضع للإشراف هو مجموعة فرعية من التعلم الآلي الذي يتطلب مشاركة بشرية مستمرة – ومن هنا جاء الاسم “الخاضع للإشراف”. حيث يتم تغذية الكمبيوتر ببيانات التدريب ونموذج مصمم بشكل صريح “لتعليمه” كيفية الاستجابة للبيانات.

بمجرد وضع النموذج في مكانه، يمكن إدخال المزيد من البيانات إلى الكمبيوتر لمعرفة مدى استجابته. ويمكن للمبرمج أو عالم البيانات تأكيد التنبؤات الدقيقة، أو يمكنه إصدار تصحيحات لأي استجابات/تنبؤات غير صحيحة.

بمرور الوقت، يساعد هذا المستوى من الإشراف على صقل النموذج إلى شيء قادر بدقة على التعامل مع مجموعات البيانات الجديدة التي تتبع الأنماط “المكتسبة”. ولكن من غير الفعال الاستمرار في مراقبة أداء الكمبيوتر وإجراء التعديلات.

أما في التعلم الآلي شبه الخاضع للإشراف، يتم تغذية الكمبيوتر بمزيج من البيانات المصنّفة بشكل صحيح والبيانات غير المسماة، والبحث عن الأنماط بمفرده. تعمل البيانات المصنفة “كدليل” من المبرمج، لكنها لا تصدر تصحيحات مستمرة.

التعلم غير الخاضع للإشراف

يأخذ التعلم غير الخاضع للإشراف الأمر خطوةً إلى الأمام باستخدام البيانات غير المسماة. حيث يُمنح الكمبيوتر حرية العثور على الأنماط والتجميعات التي يراها مناسبة، وغالبًا ما ينتج عنه نتائج قد تكون غير ظاهرة لمحلل بيانات بشري.

الاستخدام الشائع للتعلم غير الخاضع للإشراف هو “التجميع” (أو “التعنقد” Clustring)، حيث ينظم الكمبيوتر البيانات في موضوعات وطبقات مشتركة يحددها. وتستخدم مواقع التسوق/التجارة الإلكترونية هذه التقنية بشكل روتيني لتحديد التوصيات التي يجب تقديمها لمستخدمين محددين بناءً على مشترياتهم السابقة.

التعلم المعزز

في التعلم الخاضع للإشراف وغير الخاضع للإشراف، لا توجد “عواقب” للكمبيوتر إذا فشل في فهم البيانات أو تصنيفها بشكلٍ صحيح. ولكن ماذا لو تمت معاملته على أنه طفل؟ وتلقى ردود فعل إيجابية عندما فعل الشيء الصحيح، وردود فعل سلبية عندما فعل الشيء الخاطئ؟ من المفترض أن يبدأ الكمبيوتر حينها بمعرفة كيفية إنجاز مهام محددة من خلال التجربة والخطأ، مع العلم أنه على المسار الصحيح عندما يتلقى مكافأة تعزز “سلوكه الجيد”.

يعد هذا النوع من التعلم المعزز أمرًا بالغ الأهمية لمساعدة الآلات على إتقان المهام المعقدة التي تأتي مع مجموعات بيانات كبيرة ومرنة للغاية ولا يمكن التنبؤ بها. ويفتح هذا النهج مفتاحًا أساسيًا لأجهزة الكمبيوتر التي تحاول أداء وظائف معقدة ما، مثل إجراء عملية جراحية، أو قيادة السيارة، أو مسح الأمتعة بحثًا عن الأشياء الخطِرة، وما إلى ذلك.

استخدامات التعلم الآلي اليومية

قد تندهش عندما تجد أنك تتفاعل مع أدوات التعلم الآلي كل يوم. إذ تستخدمه جوجل لتصفية البريد الإلكتروني العشوائي والبرامج الضارة ومحاولات التصيد الاحتيالي من صندوق الوارد الخاص بك. ويستخدمه مصرفك وبطاقتك الائتمانية لإصدار تحذيرات بشأن المعاملات المشبوهة على حساباتك. وعندما تتحدث إلى Siri و Alexa، فإن التعلم الآلي يقود منصات التعرف على الصوت والكلام في عملية الاستجابة. وعندما يرسلك طبيبك إلى أخصائي، فقد يساعدهم التعلم الآلي في فحص الأشعة السينية ونتائج اختبارات الدم بحثًا عن حالات شاذة مثل السرطان.

ومع استمرار نمو هذه التطبيقات، يتجه الأشخاص بشكلٍ متزايد إلى التعلم الآلي للتعامل مع أنواع البيانات الأكثر تعقيدًا. إذ يوجد هناك طلب كبير على أجهزة الكمبيوتر التي يمكنها التعامل مع البيانات غير المهيكلة، مثل الصور أو الفيديو. وهذا هو المكان الذي يدخل فيه التعلم العميق المشهد كبطلٍ رئيسي.

ما هو التعلم العميق؟

يدور التعلم الآلي حول قدرة أجهزة الكمبيوتر على أداء المهام دون أن تتم برمجتها بشكلٍ صريح، لكن أجهزة الكمبيوتر في نهاية المطاف هي آلات، ولا تزال تفكر وتتصرف مثل الآلات. إذ لا تزال قدرتها على أداء بعض المهام المعقدة؛ مثل جمع البيانات من صورة أو مقطع فيديو، أقل بكثير مما يستطيع البشر القيام به.

تقدم نماذج التعلم العميق نهجًا معقدًا للغاية للتعلم الآلي، وهو مصمم لمواجهة هذه التحديات لأنها صُممت خصيصًا على غرار بنية الدماغ البشري. إذ تم بناء “الشبكات العصبية العميقة” المعقدة والمتعددة الطبقات للسماح بتمرير البيانات بين العقد (مثل الخلايا العصبية في الدماغ) بطرق شديدة الترابط. والنتيجة هي تحويل غير خطي للبيانات التي تزداد تجرّدًا.

بينما يتطلب الأمر كميات هائلة من البيانات “لتغذية وبناء” مثل هذا النظام، إلا أنه يمكن أن يبدأ في تحقيق نتائج فورية، وهناك حاجة قليلة نسبيًا للتدخل البشري بمجرد أن يتم تنفيذ البرامج.

خوارزميات التعلم العميق

إن العدد المتزايد لخوارزميات التعلم العميق يجعل هذه الأهداف الجديدة قابلة للتحقيق. سنغطي اثنين هنا فقط لتوضيح بعض الطرق التي يتبعها علماء ومهندسو البيانات لتطبيق التعلم العميق.

  1. الشبكات العصبية التلافيفية

الشبكات العصبية التلافيفية هي خوارزميات مبنية خصيصًا للعمل مع الصور. “الالتفاف” في العنوان هو العملية التي تطبق مرشّحًا (فلتر) قائمًا على الوزن عبر كل عنصر من عناصر الصورة؛ ما يساعد الكمبيوتر على فهم العناصر الموجودة في الصورة نفسها والتفاعل معها.

وتكمن فائدة ذلك عندما تحتاج إلى مسح حجم كبير من الصور لعنصر أو ميزة معينة؛ على سبيل المثال، صور قاع المحيط بحثًا عن علامات على غرق سفينة أو صورة حشد بحثاً عن وجه شخص واحد.

يُطلق على علم تحليل وفهم الصور والفيديو الكمبيوتر اسم “رؤية الكمبيوتر” (Computer Vision)، ويمثل مجالًا سريع النمو في هذه الصناعة على مدار السنوات العشر الماضية.

2. الشبكات العصبية المتكررة

تقدم الشبكات العصبية المتكررة عنصرًا رئيسيًا في التعلم الآلي غائبًا في الخوارزميات الأبسط، وهو الذاكرة. إذ تمكّن الكمبيوتر من الاحتفاظ بنقاط البيانات والقرارات السابقة في ذاكرته، والنظر فيها عند مراجعة البيانات الحالية، ما يمنحه قوة “السياق” في التفكير.

وقد جعل ذلك الشبكات العصبية المتكررة ركيزةً أساسيةً في أعمال معالجة اللغة الطبيعية. فكما هو الحال مع الإنسان، سيتمكّن الكمبيوتر من فهم جزءٍ من النص بشكلٍ أكبر إذا كان لديه إمكانية الوصول إلى السياق والمحتوى ذو الصلة الذي جاء قبله.

الاختلافات الرئيسية بين التعلم الآلي والتعلم العميق

في حين أن هناك العديد من الاختلافات بين هاتين المجموعتين الفرعيتين للذكاء الصنعي، يمكن تلخيص أبرز خمسة منها:

التدخل البشري

يتطلب التعلم الآلي مزيدًا من التدخل البشري المستمر للحصول على نتائج. التعلم العميق أكثر تعقيدًا من حيث الإعداد ولكنه يتطلب الحد الأدنى من التدخل بعد ذلك.

الأجهزة

تميل برامج التعلم الآلي إلى أن تكون أقل تعقيدًا من خوارزميات التعلم العميق ويمكن تشغيلها غالبًا على أجهزة الكمبيوتر التقليدية، لكن أنظمة التعلم العميق تتطلب أجهزة وموارد أكثر قوة. أدى هذا الطلب على الطاقة إلى زيادة استخدام وحدات المعالجة الرسومية. وتعدّ وحدات معالجة الرسومات مفيدة بسبب ذاكرة النطاق الترددي العالي والقدرة على إخفاء زمن الوصول (التأخير) في نقل الذاكرة بسبب ما يسمى بـ “توازي الخيوط”، وتعني القدرة على إنجاز العديد من المهام بكفاءة في نفس الوقت.

الوقت

يمكن إعداد أنظمة التعلم الآلي وتشغيلها بسرعة، ولكنها قد تكون محدودة في قوة نتائجها. بينما تستغرق أنظمة التعلم العميق وقتًا أطول في الإعداد ولكن يمكن أن تؤدي إلى نتائج فورية (على الرغم من أنه من المحتمل أن تتحسن الجودة بمرور الوقت مع توفر المزيد من البيانات).

النهج

يميل التعلم الآلي إلى طلب بيانات منظمة ويستخدم خوارزميات تقليدية مثل “الانحدار الخطي”. بيمنا يستخدم التعلم العميق الشبكات العصبية وهو مصمم لاستيعاب كميات كبيرة من البيانات غير المهيكلة.

التطبيقات

كما ذكرنا أعلاه، يتم استخدام التعلم الآلي بالفعل في صندوق بريدك الإلكتروني والبنك وعيادة الطبيب. بينما تتيح تقنية التعلم العميق برامج أكثر تعقيدًا واستقلالية، مثل السيارات ذاتية القيادة أو الروبوتات التي تُجري عمليات جراحية متقدمة.

أبرز الوظائف في التعلم الآلي والتعلم العميق

سيستغرق الأمر جهودًا متواصلة من الأفراد الموهوبين لمساعدة التعلم الآلي والعميق على تحقيق أفضل النتائج. بينما سيكون لكل مجال احتياجاته الخاصة في هذا المجال، هناك بعض المسارات الوظيفية الرئيسية ذات الصلة التي تتمتع ببيئات توظيف التنافسية.

علم البيانات

يعمل علماء البيانات على تكوين النماذج والخوارزميات اللازمة لمتابعة أهداف صناعتهم. كما يُشرفون على معالجة وتحليل البيانات الناتجة عن أجهزة الكمبيوتر. تجمع هذه المهنة سريعة النمو بين الحاجة إلى خبرة في البرمجة (لغات مثل Python و Java) مع فهم قوي للأعمال التجارية والأهداف الإستراتيجية لشركة أو صناعة.

هندسة التعلم الآلي

يقوم مهندسو التعلم الآلي بتنفيذ نماذج علماء البيانات ودمجها في البيانات المعقدة والأنظمة البيئية التكنولوجية للشركة. كما أنهم المسؤولين عن تنفيذ/برمجة أدوات التحكم الآلية أو الروبوتات التي تتخذ إجراءات بناءً على البيانات الواردة. وهذا عمل بالغ الأهمية، إذ يتطلب الحجم الهائل للبيانات وقوة معالجة الكمبيوتر مستوى عالٍ من الخبرة والكفاءة لتكون العملية فعالة من حيث التكلفة والموارد.

اخصائي رؤية الكمبيوتر

يساعد أخصائيو رؤية الكمبيوتر أجهزة الكمبيوتر على فهم الصور ثنائية الأبعاد أو ثلاثية الأبعاد، كما أنهم مهمون للعديد من التطبيقات العملية للتعلم العميق، مثل مجالات الواقع المعزز والافتراضي (التي تشهد نمواً ليس له مثيل بسبب الميتافيرس).

هل أعجبك المحتوى وتريد المزيد منه يصل إلى صندوق بريدك الإلكتروني بشكلٍ دوري؟
انضم إلى قائمة من يقدّرون محتوى إكسڤار واشترك بنشرتنا البريدية.