أستمع الى المقال

تشهد سوق الخليج العربي صراعاً صينياً أميركياً واضح المعالم في مجال الرّقمنة، فمظاهر التنافس الاستراتيجي بين البلدين العملاقين تكنولوجياً يظهر في جوانب عدّة، أهمّها استمرار واشنطن في الضغط على حلفائها لاستبعاد شركة هواوي الصينية عن تطوير شبكات الجيل الخامس في العالم. حيث تواجه الدول الخليجية جراء ذلك ضغوطًا هائلة تحثّها للوقوف إلى جانب الولايات المتحدة، التي تعتبر الضامن الأمني ​​لدول الخليج والحليف القديم لها. 

يعتبر الخليج العربي من أكبر الأسواق الناشئة في مجال الرقمنة والتطور التكنولوجي، وهو ما يجذب الشركات الصينية، التي تخوض في صفقات رابحة في السوق الخليجية، جعلت من الصين شريكاً تجارياً رئيسياً خاصة في المجال الرقمي، فالاقتصاد الرقمي الصيني يُعد من بين أكثر الاقتصادات حيوية في العالم، حيث احتل المرتبة الثانية عالميًا في عام 2021 بقيمة 7.1 تريليون دولار أمريكي.

سعت بعض دول الخليج إلى محاولة تحقيق توازن في علاقاتها مع كل من واشنطن وبكين، وذلك من خلال اعتماد تقنية Open RAN في شبكاتها الوطنية. بدعم من خمس شركات اتصالات هي “زين” و “موبايلي” و”شركة الاتصالات السعودية” من المملكة العربية السعودية، و”اتصالات” و”دو” من الإمارات العربية المتحدة. تركز مبادرة Gulf Open RAN على بناء شبكات من الجيل الرابع والخامس مرنة من خلال اعتماد واجهة مفتوحة وبرامج وأجهزة تسمح لشركات الاتصالات بالتنويع في سلاسل التوريد الخاصة بها، بهدف تقليل تعرضها للتوترات الجيوسياسية الناتجة عن الحرب الباردة المستمرة بين بكين وواشنطن.

الانتشار الصيني في منطقة الخليج العربي

تتمتع شركات التكنولوجيا الصينية بحضور كبير في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا. وبالأخص شركة هواوي التي تعد أكبر مورد للاتصالات في العالم، ورائدة في شبكات اتصالات الجيل الخامس (G5).

في عام 2019، وقعت هواوي اتفاقية شراكة مع مزود الاتصالات الرائد في المملكة العربية السعودية زين، لإطلاق أول شبكة محلية من شبكات الجيل الخامس في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، وفي 27 من شهر سبتمبر/ أيلول الماضي، تعاونت زين مع هواوي بنشر الدفعة الثالثة من معدات شبكات الجيل الخامس في المملكة. وتجدر الإشارة إلى أن شركة زين السعودية تخدم قاعدة عملاء متنامية لشبكات الجيل الخامس مع خطط لتصبح شريكًا رقميًا قويًا ومزودًا لتكنولوجيا الأعمال في المملكة العربية السعودية، وستمكّن زين المزيد من المستخدمين من الاستفادة من مجموعة خدماتها الواسعة بعد توسيع التغطية والسعة، وزيادة سرعة الشبكة.

في قطر أيضاً أصبحت هواوي واحدة من أولى شركات التكنولوجيا في عام 2018، حيث ساهمت في تطوير تقنية شبكات الجيل الخامس وتوفير اتصال أفضل بين الأفراد والمركبات والأجهزة. أما في الإمارات فقد وقعت أيضًا شركتا الاتصالات الإماراتية “دو” و “اتصالات” اتفاقيات مع هواوي لتقديم خدمات شبكة الجيل الخامس.

لماذا الصراع على شبكات الجيل الخامس؟

يأخذ الصراع حول معدات وتقنيات شبكات الجيل الخامس الأولوية في مجال الصراعات التكنولوجية العالمية، ويبدو مدى الزخم حوله بين الولايات المتحدة الأميركية وجمهورية الصين الشعبية. يعود ذلك بالدرجة الأساسية إلى الأهمية التي يحوزها هذا الجيل، كونه أسرع بكثير من الأجيال السابقة، إضافة إلى قدرته على ربط العديد من الأجهزة المختلفة مع بعضها، بدءاً من السيارات ذاتية القيادة، إلى الطائرات بدون طيار، وصولاً إلى الحوسبة السحابية وليس انتهاءاً بالمدن الذكية. والأهم من كل هذا أن تقنيات الجيل الخامس لا تقتصر على الأنشطة المدنية، بل أنها قادرة على تغير قواعد اللعبة عسكرياً، حيث ستعمل تقنيات الجيل الخامس على تحسين أنظمة الاستخبارات والمراقبة والاستطلاع والمعالجة، وإحداث ثورة في القيادة والسيطرة.

قلق واشنطن الأساسي يكمن في أن بكين يمكن أن تستفيد من هيمنتها على البنية التحتية للجيل الخامس، وذلك من خلال تمكين هواوي من بناء نظام تكنولوجي تابع للصين. مما سيؤدي في النهاية إلى تغيير موازين القوى بين الولايات المتحدة والصين، وتقسيم العالم بين معسكرين متنافسين جيو- تكنولوجياً.

تداعيات توجه منطقة الخليج نحو الصين

سيؤدي الاعتماد على التكنولوجيا الصينية إلى خلق تداعيات اقتصادية وسياسية على المنطقة. ففي الجانب الاقتصادي تعمل الصين على توسيع عمل شركاتها التكنولوجية، مما سيخلق المزيد من الفرص لها في السيطرة على السوق الرقمية في المنطقة. وهو ما قد يؤثر على قدرة الشركات المحلية والغربية على المنافسة.

أما على الصعيد السياسي، فقد كان الإنترنت أداة مهمة استخدمت لمحاربة الأنظمة الاستبدادية خلال احتجاجات الربيع العربي في عام 2011. ومع إدراك السياسيين في المنطقة أن الإنترنت تشكل تهديدًا محتملاً لسلطاتهم، ازداد مستوى الرقابة على الشبكة. ولعل تطوير الصين لعلاقات سياسية واقتصادية مع دول في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، سيمكن من استخدام المنظومة التكنولوجية الصينية في الرقابة على الشعوب وعرقلة الحريات السياسية.

مخاطر أدوات والمعدات الصينية

علّ أهم الجوانب التي يمكن الحديث عنها عند التطرق إلى صناعة التكنولوجيا في الصين، وتصديرها إلى الخارج، هو الجانب الأمني. في هذا السياق تحدّث خبير الأمن السيبراني دلشاد عثمان بشكل تفصيلي في تصريح خاص سابق لإكسڤار، ضمن تقرير نشِر تحت عنوان “التداعيات الأمنية لاتفاقية معدات الاتصالات الصينية السورية“، حيث أوضح أن السبب وراء المخاوف من المعدات الصينية، يعود بالدرجة الأولى إلى ضعف خدمات ما بعد البيع، حيث أن غالبية الشركات الصينية تفشل بصورة مستمرة بتقديم هذه الخدمات. إضافة إلى ضعف جودة التقنيات المقدمة مقارنةً مع مثيلاتها الكورية والتايوانية.

وأكد عثمان أن غالبية الحكومات في منطقة الشرق الأوسط، لا تُلزم الشركات الأجنبية بتخزين البيانات الشخصية للمواطنين ضمن أراضيها، ويعود ذلك إلى عدم وجود مراكز بيانات محلية قادرة على احتواء هذه البيانات. وبالتالي سيتم تخزين بيانات المستخدمين في الصين ضمن مناطق السلطات القضائية والأمنية الخاصة بالحكومة الصينية، وهو ما يتيح للصين وصولاً غير محدود لبيانات المستخدمين الخاصة.

تاريخ الشركات الصينية المشبوه

تزداد المخاوف حول العالم بشأن سيطرة الصين على شبكات الجيل الخامس في عدة مناطق، وخصوصًا منطقة مجلس التعاون لدول الخليج العربية، خاصة مع انتشار أنباء تفيد بأن معدات الشبكات الخلوية التي يتم الحصول عليها من المزوّدين الصينيين، قد تحتوي على أبواب خلفية تمكن الحكومة الصينية من المراقبة. وهو ما لا يبدو بعيداً عن الواقع في ظل انتشار ادعاءات وأخبار حول انتهاكات وسرقة بيانات وأسرار، وتجسس تمارسه شركات صينية.

ورد في تقرير سابق نشر على إكسفار بعنوان “تزويد معدّات شبكات الجيل الخامس بأسعار منخفضة: لماذا القلق؟ وما الثمن الحقيقي؟“، أن مجموعة من الاتهامات وجِّهت لشركة هواوي الصينية، ومنها سرقة الملكية الفكرية، من خلال نسخ رمز (كود) المصدر الخاص من معدات “أنظمة سيسكو” (Cisco Systems)، وأيضًا استخدام الشركة اسماً وهمياً لإخفاء الاستثمارات في إيران، منتهكةً العقوبات الأميركية، بما في ذلك إعادة بيع التقنيات ذات الأصل الأمريكي.

وردت أيضاً ادعاءات حول هجوم قراصنة برعاية الحكومة الصينية، على شركة “نورتل نيتووركس” لمعدات الاتصالات الكندية عام 2000، وتمكنهم من الوصول إلى المستندات الداخلية ومعلومات خاصة بالشركة، وهو ما ساعد بنمو شركة هواوي على حساب سقوط نورتل نيتووركس وإعلان إفلاسها في عام 2009.

هل أعجبك المحتوى وتريد المزيد منه يصل إلى صندوق بريدك الإلكتروني بشكلٍ دوري؟
انضم إلى قائمة من يقدّرون محتوى إكسڤار واشترك بنشرتنا البريدية.