الاحتيال الإلكتروني.. جريمة العصر الرقمي تستغل الضعفاء وتخلف خسائر فادحة


|
استمع إلى المقال
|
في تقرير خاص نشره موقع “CNN” في 27 ديسمبر/ كانون الأول 2023، كشفت شبكة البث الأميركية عن عملية احتيال كبرى ضحيتها آلاف الأميركيين، حيث تمكنت عصابة مجرمينَ من سرقة أكثر من مليار دولار من ضحاياها باستخدام أساليب احتيالية متعددة، بما في ذلك النصب والاحتيال الإلكتروني واستغلال الأشخاص من دول فقيرة واستخدامهم في وظائف شاقة وغير قانونية.
ولعل أكثر ما يُثير الصدمة في هذه العملية، هو قصص الضحايا الذين فقدوا مدّخراتهم أو حتى منازلهم بسببها. فمثلًا، فقد فقدت السيدة ماري، أموالها التي كانت تهدف إلى استخدامها في تعليم أطفالها، بينما فقد السيد جون، أمواله التي كان قد ادّخرها لسنوات طويلة من أجل التقاعد.
وليس ذلك فحسب، بل إن العصابة تمكّنت من سرقة أكثر من مليار دولار من ضحاياها في جميع أنحاء العالم، بما في ذلك الولايات المتحدة. وهذا رقم ضخم يوضح مدى خطورة هذه العملية الاحتيالية.
ولكن ما هو أكثر وحشية، هو أن العصابة استغلت هؤلاء الأشخاص في عمليات الاحتيال الخاصة بها. فحيثما كانت هناك حاجة إلى قوة عاملة رخيصة وسهلة الاستغلال، كانت العصابة هناك. فقد قامت العصابة باختطاف الأشخاص من دول فقيرة وعرضهم للبيع كأسرى. ثم قامت العصابة باستخدام هؤلاء الأشخاص في وظائف شاقة ومؤذية، بما في ذلك إنشاء صفحات مزيّفة على وسائل التواصل الاجتماعي أو الاتصال بالضحايا المحتملينَ.
إن عملية الاحتيال بمليار دولار، هي مثالٌ صارخ على مدى خطورة عمليات الاحتيال الإلكتروني، وكيف يمكن أن تستغل العصابات الإجرامية الأشخاص المحتاجينَ أو الضعفاء.
يكشف تقرير لجنة التجارة الفيدرالية (FTC) عن تزايد مشكلة الاحتيال بقيمة مليار دولار على وسائل التواصل الاجتماعي. يُظهر التقرير أن الاحتيال عبر هذه المنصات يمثّل تهديداً خطيراً، حيث تم التبليغُ عن خسائر تجاوزت 2.7 مليار دولار في فترة قصيرة.
وتبرز وسائل التواصل الاجتماعي كوسيلة فعّالة للمحتالينَ لإيهام الضحايا، سواء عبر إنشاء هويات وهمية أو استهدافهم بإعلانات مستهدفة. يُسلّط التقرير الضوء أيضاً على الفئات العمرية الأكثر عرضة للاحتيال، حيث يشير إلى أن الشبّان هم أكثر عرضة للخسائر. يُظهر تحليل خسائر الاحتيال أن القضايا المتعلقة بالتسوّق عبر الإنترنت والاستثمارات الوهمية تشكّل نسبة كبيرة من الخسائر المُبلغ عنها وقال تقرير لجنة التجارة الفيدرالية، إن الأميركيين غالباً ما يقعون في فخ ما يسمى بـ “الاحتيالات الرومانسية”. عبر وسائل التواصل الاجتماعي، وفي هذه الحالة يرسل شخص غريب لشخص ما طلب صداقة وسرعان ما يبدأ في طلب المال.

صورة من تقرير لجنة التجارة الفيدرالية (FTC)
تبدأ القصة مع رسالة صباحية من “جيسيكا”، التي قامت بالتقديم على نفسها كصديقة قديمة لـ”CY”. بدأت الدردشة بشكل بريء، ولكن سرعان ما تطورت إلى محادثات حول الاستثمار في العملات المشفرة، والتي وعدت بأرباح هائلة.
على مرّ الأسابيع، بنت جيسيكا علاقة وثيقة مع “CY” حيث شاركت صوراً من حياتها الفاخرة ونمط حياتها في نيويورك. بناءً على هذه الثقة، قام “CY” بالاستثمار وحقق أرباحاً هائلة في البداية. واعتقد “CY” أنه كان يجني مئات الآلاف من الدولارات. لذلك، استمر في الاستثمار حتى تم إغلاق حسابه ذات يوم. لقد اختفى أكثر من مليون دولار. واختفت “جيسيكا”.
يُعد “CY” البالغ من العمر 54 عاماً، واحداً من عشرات الآلاف من الضحايا الأميركيين لشكل جديد من الاحتيال المالي تديره عصابات الجريمة الصينية خارج ميانمار التي مزّقتها الحرب ودول أخرى في جنوب شرق آسيا.
في ديسمبر/ كانون الأول 2022، وصل راكيش إلى بانكوك، تايلاند، طمعاً في فرصة وظيفية في مجال تكنولوجيا المعلومات. لكن سرعان ما تحوّلت حياته إلى كابوس عندما تم نقله إلى بلدة ماي سوت قرب حدود ميانمار بدلاً من المكتب المتوقع. بالتنسيق مع سائق، تم اقتياده إلى مجمع مسور يحرسه جنود مسلحون، حيث تبيّن أنه البوابة 25 في ميانمار.
رغم استيائه وعجزه، وجد نفسه محتجزاً دون تفسير. تم تقديم عقد له للعمل كمحتال احترافي، مهدّداً بالعنف إذا رفض.
رفض التوقيع في البداية، لكنه وجد نفسه في زنزانة بدون طعام أو ماء. بعد ثلاثة أيام، قرّر الامتثال للأوامر للبقاء على قيد الحياة.
تم منحه شخصية مزيّفة عبر الإنترنت، وتعليمه كيفية الاحتيال. باسم “كلارا سيمونوف”، قام بالتفاعل مع الضحايا عبر وسائل التواصل الاجتماعي، بناءً علاقات وكسب ثقتهم. وظيفته كانت استدراج الضحايا للاحتيال، وكان يستهدف الأميركيين والبريطانيين والبرازيليين والمكسيكيين. بمجرد جذب الاستثمار، يتم تحويل العملية إلى قادة الفريق لتأمين الأموال.
هذه القصة تكشف عن العبودية الحديثة وكيف يتم انتهاك حقوق الأفراد من خلال عمليات احتيال محكمة تقوم بها عصابات جريمة دولية. تُعتبر حالة راكيش نموذجاً للمأساة التي يمكن أن يتعرض لها الأفراد الباحثين عن الفُرص في بيئة مجهولة.
لقد أصبحت المناطق الاقتصادية الخاصة في جنوب شرق آسيا، وخاصة في منطقة “ميكونغ”، أرضا خصبة لهذه العمليات الإجرامية. ويتفاقم الوضع بسبب المشهد الجيوسياسي في جنوب شرق آسيا، وخاصة في مناطق مثل “نهر ميكونغ”، حيث أصبحت المناطق الاقتصادية الخاصة، التي تفتقر إلى التنظيم غالبا، بؤرا للجريمة المنظمة.
وقد سهّلت الحرب الأهلية المستمرة في “ميانمار” ووباء “كوفيد” توسيع عمليات الاحتيال هذه.
هل أعجبك المحتوى وتريد المزيد منه يصل إلى صندوق بريدك الإلكتروني بشكلٍ دوري؟
انضم إلى قائمة من يقدّرون محتوى إكسڤار واشترك بنشرتنا البريدية.