التكنولوجيا والإعلام.. شراكة استراتيجية أم صراع مصالح؟


|
استمع إلى المقال
|
في عالم يعتمد على التكنولوجيا والإعلام بشكل كبير، يتحدث الكثيرون عن الشراكة الاستراتيجية بينهما، ولكن هل هذه الشراكة حقاً استراتيجية أم صراع مصالح؟ إنها مسألة مثيرة للجدل، وتستحق أن نسلّط الضوء عليها.
في هذا السياق، قال المفكر الأميركي لانغدون وينر في كتابه “The Whale and the Reactor”، الذي صدر في عام 1986، “التقدم الحقيقي هو الذي يحدث عندما يجتمع الإنسان بالتكنولوجيا”، ومن خلال هذا القول، يتضح أن التكنولوجيا والإعلام يمكن أن يشكلا شراكة مثمرة تفيد البشرية وتخدم تطورها.
لكن في الوقت ذاته، يوجد أيضا جانب آخر يتحدث عن صراع المصالح بين الطرفين، ويؤكد أن التكنولوجيا والإعلام يمكن أن يُستخدما لتحقيق أجندات وأهداف ذات صلة بالسلطة والتحكم.
من هنا، فإن تقريرنا حول التكنولوجيا والإعلام يأتي ليبحث في هذه القضية، ويوضح مدى صحة الشراكة الاستراتيجية بينهما، وإلى أي مدى يمكن أن يتم تحقيق التطور والازدهار من خلالها.
قد يهمك: مراسل الذكاء الصنعي: عن دخول الآلة مجال الصحافة والإعلام

التكنولوجيا عصا الحكمة التي جعلت من المستحيل ممكنا وهي القوة التي تحرك العالم في القرن الحادي والعشرين، ولا يمكن لأي مجال أن يستمر في التقدم والتطور دون الاستفادة من إمكاناتها وابتكاراتها، ومن بين المجالات التي تأثرت بشكل كبير بالتكنولوجيا هو مجال الإعلام، الذي شهد تحولات جذرية في طرق إنتاج ونشر واستهلاك المعلومات والأخبار.
التكنولوجيا ساهمت في توسيع نطاق وسائل الإعلام وزيادة تنوعها وتخصيصها لمختلف الجماهير والمصالح، بفضل استخدام الإنترنت والشبكات الاجتماعية والهواتف الذكية والحوسبة السحابية والذكاء الصنعي وغيرها من التقنيات المتطورة.
فمن خلال التكنولوجيا، أصبح بإمكان الإعلاميين إنتاج محتوى إعلامي غني ومتعدد الوسائط، يستخدم الصور والفيديوهات والإنفو غراف والبودكاست وغيرها من الأشكال التفاعلية، لجذب انتباه المستخدمين وزيادة مصداقية المصادر.
كما أصبح بإمكانهم نشر محتواهم على منصات مختلفة، تصل إلى جمهور أوسع وأكثر تنوعا، سواء على المواقع الإخبارية أو التطبيقات الخاصة أو قنوات التلفاز أو الراديو أو مواقع التواصل الاجتماعي، وكما أصبح بإمكانهم تخصيص محتواهم لمختلف المجموعات والفئات والأذواق، بحسب اهتماماتهم وتفضيلاتهم وثقافاتهم، باستخدام تقنيات التحليل الضخم للبيانات والتعلُّم الآلي والترشيح وغيرها.
ليس هذا فحسب، بل إن التكنولوجيا سهَّلت على المستخدمين استهلاك المحتوى الإعلامي بطرق جديدة، تزيد من مشاركتهم وتفاعلهم، فأصبح بإمكان المستخدمين الولوج إلى المحتوى الإعلامي في أي زمان ومكان، عبر أجهزة محمولة تسمح لهم بالاتصال بشبكة الإنترنت.
كما أصبح بإمكان المستخدمين اختيار المحتوى الإعلامي الذي يناسبهم من بين مجموعة كبيرة ومتنوعة من المصادر والمنصات، والحصول على توصيات مخصصة بحسب سلوكهم وتاريخهم وملفاتهم الشخصية.
ناهيك عن دور التفاعل مع المحتوى الإعلامي، سواء بالتعليق أو المشاركة أو التصويت أو التقييم أو إرسال الملاحظات أو المساهمة في إنتاجه أو تحريره أو نشره، وهذا يعزز من دور المستخدم كفاعل، وليس مستقبلا فقط للمحتوى الإعلامي.
هناك بعض الأمثلة حول تأثيرات التكنولوجيا على وسائل الإعلام، مثلا.

على الرغم من أن التكنولوجيا قد ساهمت في توسيع نطاق وسائل الإعلام وزيادة تنوعها، إلا أنها قد تؤثر بشكل سلبي على بعض قيم ومبادئ الإعلام المهني، مثل الدقة والموضوعية والحيادية والأخلاقية. ومن بين الطرق التي يؤثر بها التكنولوجيا على هذه القيم والمبادئ.
مع وجود المزيد من الوسائل التكنولوجية للإنتاج والنشر، أصبح من السهل تحرير المعلومات ونشر المعلومات غير الدقيقة وغير الموثوقة. ويؤثر هذا سلبًا على قيمة الدقة والموضوعية في الإعلام المهني.
قد يؤدي التكنولوجيا إلى التحيز والانحياز السياسي في الإعلام، حيث يمكن للشركات والجهات الحكومية تأثير التغطية الإعلامية من خلال العمليات الآلية، وهذا يؤثر في قيمة الحيادية والموضوعية في الإعلام المهني.
بعض وسائل الإعلام تحاول استخدام التكنولوجيا لتحسين سرعة نشر الأخبار والتغطية، ولكن هذا النوع من السباق يؤدي أحيانا إلى تخفيض جودة المحتوى وعدم تحري الدقة، مما يؤثر في قيمة الأخلاقية في الإعلام المهني.
يمكن للتقنيات الحديثة أن تسمح للمتسللين بالدخول إلى المواقع الإعلامية والتلاعب بالمعلومات، مما يؤدي إلى فقدان الثقة، ويضر بالموضوعية والدقة في الإعلام المهني.
خطر استبدال الإنسان بالروبوت أو الذكاء الصنعي في الكتابة والتحرير والتقديم الإعلامي، مما يهدد فرص العمل والإبداع البشري.
تحديات تقنية وأخلاقية تواجه الصحافة في التعامل مع التكنولوجيا، مثل حماية خصوصية المصادر وأمن البيانات وحقوق الملكية الفكرية والمسؤولية القانونية.
تقليل من دور الإنسان في التفكير النقدي والتحليلي والابتكاري في إنتاج المحتوى الإعلامي، والاعتماد على التكنولوجيا بشكل مبالغ فيه.
قد يهمك: تطور الذكاء الصنعي التوليدي.. تحويل الأفكار إلى واقع ملموس
التكنولوجيا هي سيف ذو حدين في مجال الإعلام المهني، فهي تفتح آفاقا واسعة للتطور والتقدم والتميز في هذا المجال، وتمكّن الإعلاميين من إنشاء محتوى متنوع ومؤثر ومحدث، وتسهل عليهم الوصول إلى المصادر والمستخدمين والشركاء في كل مكان.
لكن في الوقت ذاته هي تشكل تحديا كبيرا للإعلام المهني، فهي تضعه أمام مسؤولية كبيرة في التحقق من صحة المعلومات والحفاظ على أمن البيانات، وتهدده بالخسارة أمام المنافسة الشديدة من قبل الروبوتات والذكاء الصنعي، وتخفض من قيمته أمام المستخدمين الذين يفضلون المحتوى السطحي أو المضحك أو المثير.
لذا، يجب على الإعلام المهني أن يجد التوازن بين استخدام التكنولوجيا كأداة للتسهيل والتطوير، والحفاظ على دوره كرسالة للتثقيف والتوعية والإصلاح، وأن يرفع من مستوى جودة محتواه بما يلائم طموحاته وقيمه.
هل أعجبك المحتوى وتريد المزيد منه يصل إلى صندوق بريدك الإلكتروني بشكلٍ دوري؟
انضم إلى قائمة من يقدّرون محتوى إكسڤار واشترك بنشرتنا البريدية.
صحيح الاعلام والتكنولوجيا الحديثة سلاح ذو حدين