أستمع الى المقال

من غير المتوقع أن تنتهي النزاعات الجارية في سوريا ولبنان وليبيا واليمن بين عشية وضحاها في الوقت القريب. إلا أنه من المرجح أن تضيف التكنولوجيا طبقةً أخرى من التعقيد إلى هذه الصراعات وتعيد تشكيل المنطقة طوال عشرينيات القرن الحالي. فعندما بدأ “الربيع العربي” قبل عقد من الزمان، كان التحدي الأكبر هو الصراع مع قوة وسائل التواصل الاجتماعي وصعود المعارضة السياسية عبر الإنترنت من قبل النشطاء البارعين في مجال التكنولوجيا. ومع ذلك، في عشرينيات القرن الحالي، تواجه الحكومات الإقليمية الآن مجموعة جديدة من التقنيات الناشئة التي لن تعيد تشكيل السياسات المحلية فحسب، بل أيضًا الديناميكيات الجيوسياسية الإقليمية. ومن أبرز هذه التقنيات المتقدمة: الطائرات المسيّرة، والأمن السيبراني، وتقنيات الفضاء.

عصر الطائرات المسيّرة

مصدر الصورة: شاترستوك/sibsky2016

الطائرات المسيّرة بدون طيار ليست جديدة على الشرق الأوسط، حيث أن العديد من الدول الإقليمية لديها إمكانية الوصول إلى تكنولوجيا المركبات الجوية غير المأهولة منذ الثمانينيات. إذ بدأت إسرائيل، على سبيل المثال، في بناء ترسانة الطائرات بدون طيار الخاصة بها في السبعينيات بدعم من الولايات المتحدة. وعندما انتقلت مصر من الاتفاقية التي يقودها السوفييت إلى الاتفاقية التي تقودها الولايات المتحدة، زودت واشنطن القاهرة بأحدث طائرتها الشبح بدون طيار، والتي حملت اسم “سكاراب”.

ومع ذلك، لم تكن الطائرات بدون طيار محورية في نزاعات الشرق الأوسط في التسعينيات أو العقد الأول من القرن الحادي والعشرين. لكن تغير الوضع كليًا في 2010 حيث تحولت ثورات الربيع العربي في ليبيا وسوريا واليمن إلى حروب أهلية، ثم حروب بالوكالة بين خصوم دوليين وإقليميين.

تُعد تركيا مثالًا رئيسيًا على دولة استخدمت الطائرات بدون طيار منخفضة التكلفة لصالحها دون الاستخدام التقليدي للقوات التقليدية. وعلى الرغم من مشاكلها المالية المستمرة، واصلت أنقرة سياستها الخارجية التوسعية في المنطقة، مدعومةً إلى حد كبير بأسطولها المحلي من الطائرات بدون طيار منخفض التكلفة. أتقنت تركيا عمليات الحرب الجوية من خلال تشغيل طائراتها بدون طيار الرائدة، مثل بيرقدار TB2 و TAI Anka-S، في ليبيا وسوريا وأذربيجان، جنبًا إلى جنب مع أنظمة الحرب الإلكترونية طويلة المدى KORAL لتقديم الحماية من أنظمة الدفاع الجوي الروسية، مثل “بانتسير”.

وتستفيد القوى الإقليمية بشكلٍ متزايد من تكنولوجيا الطائرات المسيّرة بدون طيار. ولن تقتصر الاستراتيجيات العسكرية على اقتناء أحدث الطائرات بدون طيار أجنبية الصنع، بل بناء أساطيل طائرات مسيّرة منتجة محليًا من قبل الدول المهتمة مثل مصر إلى المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة. وفي محادثته مع معهد الشرق الأوسط في 8 فبراير/شباط 2021، حذر الجنرال كينيث ماكنزي، قائد القيادة المركزية الأمريكية، من انتشار الأنظمة الجوية غير المأهولة منخفضة التكلفة من قبل الجهات الفاعلة الحكومية وغير الحكومية في المنطقة.

الحرب السيبرانية

الحرب السيبرانية

مصدر الصورة: شاترستوك/Artem Oleshko

تشهد منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا انتشارًا هائلاً للحرب السيبرانية. قال محمد الكويتي؛ رئيس الأمن السيبراني في مجلس الوزراء لدولة الإمارات العربية المتحدة، إن منطقة الشرق الأوسط تواجه “وباء إلكتروني”. إذ أصبح الفضاء الإلكتروني ساحة المعركة المفضلة في المنطقة لأنه يوفر للجهات الفاعلة الحكومية وغير الحكومية بديلاً عن الحرب التقليدية مع تكاليف معقولة وخسائر أقل من العسكريين أو المدنيين.

وفي نهاية المطاف، نظرًا لعدم وجود قواعد قانونية دولية تحكم استخدام الحرب الإلكترونية في الوقت الحالي، يمكن أن تكون هذه الحرب طريقةً تسمح للبلدان بتجنب الانتقادات واسعة النطاق والعقوبات المحتملة.

إن الحرب السيبرانية هي أحد أعمدة الحرب الإيرانية ضد الأعداء في الخليج والشام. ففي عام 2012، بعد التعلّم من البرنامج الضار “Stuxnet” الذي طورته الولايات المتحدة وإسرائيل، طورت إيران برنامجها الخبيث المحلي الخاص بها، والذي أطلق عليه اسم “شمعون”. ثم تم استخدام هذه البرامج الضارة فيما بعد ضد أرامكو السعودية، مما جعل أكثر من 30 ألف جهاز غير قابل للاستخدام. وبالمثل ، في عام 2017، نجحت إيران في اختراق شركة التصنيع الوطنية السعودية وشركة صدارة للكيماويات، ومسح البيانات من كليهما.

تبقي الحرب الإلكترونية الإيرانية منافسيها (المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة بشكلٍ أساسي) في حالة توتر، مما يدفعهم إلى بناء قدراتهم الإلكترونية الدفاعية لمواجهتها في الفضاء الإلكتروني.

ومع الحروب الأهلية والاضطرابات السياسية التي تعصف بمنطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، أصبحت الجهات الفاعلة غير الحكومية لاعبًا كبيرًا آخر في سباق الأسلحة السيبرانية، وخاصةً حماس وحزب الله.

السيادة الإلكترونية هي المعيار الجديد

السيادة الإلكترونية، جمع البيانات

مصدر الصورة: شاترستوك/Gorodenkoff

أوضح الربيع العربي أهمية المنصات الرقمية كأداة لتنظيم الاحتجاجات. ونتيجةً لذلك، أصبحت حكومات منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا مدركةً لأهمية توطين البيانات وسيادة البيانات وبدأت في إصدار قوانين تلزم الشركات الدولية والمحلية بإيواء بياناتها محليًا ومنح السلطات المحلية إمكانية الوصول إلى بيانات المستخدمين.

وفي الآونة الأخيرة، يبدو أن حكومات الشرق الأوسط وشمال إفريقيا تتجنب نهج عدم التدخل الذي تتبعه الولايات المتحدة فيما يتعلق بخصوصية البيانات. إذ أصبحت تؤيد بشكلٍ متزايد نموذج اللوائح العامة لحماية البيانات (GDPR) المُتّبع في الاتحاد الأوروبي حيث تسن المنطقة مجموعة جديدة من اللوائح المتعلقة بمعالجة بيانات المستهلك.

على سبيل المثال، وافقت مصر على قانون حماية البيانات الشخصية رقم 151 في فبراير/شباط 2020 لحظر نقل البيانات الشخصية إلى المستلمين الموجودين خارج مصر إلا بإذن من مركز حماية البيانات المصري. أما في المملكة العربية السعودية، أصدرت الهيئة الوطنية للأمن السيبراني مسودة وثيقة لضوابط الأمن السيبراني السحابي، والتي تحدد الحدّ الأدنى من متطلبات الأمن السيبراني للحوسبة السحابية لكل من مقدمي الخدمات السحابية ومستأجري الخدمات السحابية.

بينما نفذت المناطق الحرة في مركز دبي المالي العالمي وسوق أبوظبي العالمي بالفعل قوانين حماية البيانات المشابهة للائحة العامة لحماية البيانات (GDPR). وفي نوفمبر/تشرين الثاني 2016، أصدرت قطر القانون رقم 13 لعام 2016 بشأن “حماية البيانات الشخصية”. وبشكلٍ منفصل، يوجد لدى مركز قطر للمال لائحة حماية البيانات الخاصة به، وهي لائحة مركز قطر للمال رقم 6 لعام 2005، والتي تم تصميمها على غرار توجيه الاتحاد الأوروبي السابق للائحة العامة لحماية البيانات (GDPR).

بالنظر إلى “البلقنة الحالية للإنترنت”، أي تخصيص الإنترنت وفصله بحسب المناطق الجيوسياسية، والشك الإقليمي العميق لمنصات التكنولوجيا، من المتوقع أن تحافظ الحكومات في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا على نهجها في السيادة الإلكترونية على البيانات. وعلى الأرجح، ستستمر في البحث عن طرق أكثر إبداعًا لحماية بيانات مواطنيها واستثمارها.

المدّ التكنولوجي الصيني والاستجابة الأمريكية في المنطقة

الصراع الأمريكي-الصيني

مصدر الصورة: شاترستوك/eamesBot

تدرك بكين أن الولايات المتحدة هي بلا شك القوة العسكرية الرئيسية في الشرق الأوسط، وأن الولايات المتحدة تحتفظ بشبكة من الحلفاء منذ عقود في المنطقة. ومع ذلك، تحقق الصين تقدمًا باستخدام دبلوماسيتها التكنولوجية لجلب المزيد من الدول إلى مجالها التكنولوجي المتوسع. سيؤثر هذا في النهاية على الجغرافيا السياسية الإقليمية دون الحاجة إلى ترك بصمة عسكرية تقليدية.

تركز الدبلوماسية التكنولوجية الصينية على اهتمام دول الشرق الأوسط وشمال إفريقيا بالتقنيات الجديدة، مثل شبكات الجيل الخامس 5G، ومنصات البيانات السحابية، والمركبات الكهربائية. وتأمل الصين في دعم هذه الجهود دون التكاليف الباهظة التي قد تقترن بهذه التقنيات، وهو مزيجٌ صعبٌ تُعتبره الصين رائدةً فيه وتقدمه للدول في جميع أنحاء العالم في سبيل خدمة مآربها الأخرى.

ومن المحيط إلى الخليج، ما زالت تعد شركة “هواوي” من أكبر مزوّدي الأجهزة التكنولوجية الرئيسية في المنطقة. إذ تساعد شركة الاتصالات الصينية المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة وقطر ومصر والمغرب في بناء شبكات 5G الخاصة بها. وفي عهد الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب، ضغطت الولايات المتحدة على إسرائيل لاستبعاد هواوي من شبكة 5G خاصّتها ومارست ضغوطًا مماثلة على مصر لتحذو حذوها، رغم أن القاهرة أبدت بعض المقاومة.

وعلى الرغم من التغيير في اللهجة والخطاب من سابقتها، فإن إدارة جو بايدن ستظهر قوةً أكبر للتعامل مع الصين والحد من هيمنتها. وقد تتفاوض الإدارة الجديدة مع حلفاء واشنطن الإقليميين لثني مجلس التعاون الخليجي ومصر عن السماح لهواوي بدخول شبكات الجيل الخامس في المنطقة.

السباق العربي نحو الفضاء

مسبار الأمل

مسبار الأمل.
مصدر الصورة: شاترستوك/FoxPictures

لو سألت معظم الخبراء قبل عقدٍ من الزمن، لم يكن معظمهم ليتوقع قيام سباقٍ للفضاء بين دول الشرق الأوسط وشمال إفريقيا. تاريخيًا، كان يُنظر إلى السباق نحو النجوم على أنه مسألة فخر أكثر من كونها مسألة ذات قيمة إستراتيجية حقيقية. لقد تغيرت هذه الرؤية بشكلٍ أساسي في العامين الماضيين، مع تزايد أهمية الفضاء كمجال للدول لإظهار قوتها وقدراتها وتطلعاتها في الهيمنة.

تصدرت الإمارات عناوين الصحف مع الإطلاق الناجح لمسبار الأمل الخاص ببعثتها نحو المريخ في عام 2020، ودخولها الناجح إلى مدار المريخ وهبوطها على أرضه في فبراير/شباط 2021، مما جعل الإمارات خامس دولة ترسل مركبةً فضائيةً بنجاح إلى المريخ بعد الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي والاتحاد الأوروبي والصين. ويتبع ذلك هدفها الطموح لبناء أول مدينة على سطح المريخ بحلول عام 2117، مما يضع الدولة الخليجية كقوة فضائية صاعدة على الصعيدين الإقليمي والعالمي.

كما تعيد مصر الاستثمار بشكلٍ كبير في برنامجها الفضائي. ففي عام 2019، أطلقت مصر “طيبة-1”، أول قمر صناعي للاتصالات، على أمل إطلاق قمر اتصالاتٍ آخر في عام 2022 بالشراكة مع سبيس إكس، التابعة لإيلون ماسك. كما تخطط البلاد كذلك لبناء قمرين صناعيين مع الصين وألمانيا.

إن تطلعات مصر الفضائية لها تداعيات عالمية: فقد فازت القاهرة بنجاح باستضافة وكالة الفضاء التابعة للاتحاد الأفريقي، ولديها تطلعاتٍ لإرسال أول رائد فضاء إلى محطة الفضاء الدولية في السنوات القليلة المقبلة.

وعلى الرغم من حملة “الضغط الأقصى”، تقوم إيران أيضًا ببناء برنامجها الفضائي الخاص بها بالتعاون الوثيق مع روسيا والصين. وسيركّز البرنامج بشكلٍ أساسي على قدرات استطلاع الفضاء واختبار الصواريخ العسكرية.

وفي 9 فبراير/شباط من العام الحالي، أعلن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان عن خطط أنقرة للهبوط على سطح القمر بحلول عام 2023، الذكرى المئوية لتأسيس جمهورية تركيا، وذكر أن تركيا “تهدف إلى بناء ميناء فضائي كجزءٍ من التعاون الدولي” والمنافسة في نهاية المطاف في مجال تطوير الجيل القادم من الأقمار الصناعية.

في عشرينيات القرن الحالي، سيشمل سباق الفضاء القوى الإقليمية القديمة والجديدة التي بدأت بالفعل الاستثمار في البنية التحتية الفضائية الخاصة بها. سوف تتنافس هذه الدول لممارسة قوتها في الفضاء كانعكاس لمكانتها الاستراتيجية في المنطقة على الأرض.

بينما شكّلت موارد الطاقة، مثل النفط والغاز الجغرافيا السياسية لمنطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا على مدى العقود الخمسة الماضية، سيكون للتكنولوجيا تأثير أكبر على الديناميكيات الإقليمية في السنوات المقبلة. فبالإضافة إلى الحروب بالوكالة الحالية، ستتنافس الدول في الفضائين الخارجي والإلكتروني، وتقاتل بالطائرات المسيّرة بدون طيار والأسلحة الإلكترونية، وستهدف إلى ممارسة سيادة الدولة على بيانات مواطنيها، مما سيؤدي إلى واقع جديد تمامًا للمنطقة.

هل أعجبك المحتوى وتريد المزيد منه يصل إلى صندوق بريدك الإلكتروني بشكلٍ دوري؟
انضم إلى قائمة من يقدّرون محتوى إكسڤار واشترك بنشرتنا البريدية.