أستمع الى المقال

انطلق فجر أمس الأحد، وتحديدًا الساعة 06:58 بتوقيت مكة المكرمة، إلى الفضاء قمر صناعي جديد من (قاعدة كيب كانافيرال للقوات الجوية) بولاية فلوريدا الأمريكية.

وكان القمر الصناعي محمولًا على الصاروخ (فالكون 9) Falcon 9 الذي تنتجه شركة صناعات الفضاء الأمريكية (سبيس إكس) SpaceX التي أسسها رائد الأعمال الشهير (إيلون ماسك).

وبالنظر إلى الصاروخ نجد عليه العلم التركي، لأن هذا القمر هو القمر (تورك سات 5بي) Turksat 5B الذي صنعته تركيا بالتعاون مع شركة (إيرباص) Airbus الأمريكية، وتقول تركيا إن هذا القمر هو أقوى أقمارها الصناعية حتى الآن.

وبحسب الصفحة الرسمية الخاصة بالقمر، فإن Turksat 5B – الذي يُقدّر عمره التشغيلي في المدار بنحو 30 عامًا – سيوفر خدمات البث التلفازي ونقل البيانات، وهو يغطي منطقة واسعة تشمل الشرق الأوسط بأكمله، والخليج العربي، والبحر الأحمر، والبحر الأبيض المتوسط، وشمال إفريقيا وشرقها وجنوبها،  ونيجيريا.

وبالإضافة إلى ذلك، سيوفر القمر الصناعي أيضًا خدمات مخصصة لشركات الطيران ومشغلي السفن التجارية في جميع أنحاء العالم بالنظر إلى أنه يعمل في حزمة Ka-Band بواقع 50 غيغابت في الثانية.

ولأن هذا الإطلاق كان لأقوى أقمار تركيا الصناعية التي تطلقها إلى الفضاء، فيبدو أن هذا الحدث كان مهمًا لدرجة دعت الرئيس التركي (طيب رجب أردوغان) إلى إجراء مكالمة مرئية مع ماسك قبل أيام.

ففي يوم الخميس الماضي، أجرى أردوغان مكالمة مرئية مع الرئيس التنفيذي لشركة صناعة السيارات الكهربائية (تسلا) – ماسك – وقيل حينئذ إنه جرى خلال الاجتماع مناقشة مواضيع عديدة، أبرزها: السيارات الذاتية القيادة، والفضاء. كما قدم الرئيس التركي هديةً خاصة لماسك وهي (رموز غير قابلة للاستبدال) NFT.

ولم يكن هذا اللقاء هو الأول بين أردوغان وماسك، إذ سبق للأخير أن زار تركيا قبل نحو 4 سنوات، ومنذئذ بدأ التعاون بين تركيا وشركات ماسك.

ولكن ماذا يريد أردوغان من ماسك؟ ولماذا هو مهتم كثيرًا بخبرة الرجل؟ ولكن قبل الخوض في الحديث عن ذلك دعونا نراجع معًا تاريخ التعاون بين تركيا وماسك.

الاجتماع الأول

بدأ التعاون بين تركيا وماسك قبل أكثر من 4 سنوات، وتحديدًا في شهر تشرين الثاني/ نوفمبر من عام 2017، حينما زار ماسك تركيا والتقى الرئيس التركي في المجمع الرئاسي بالعاصمة أنقرة.

وخلال ذلك الاجتماع، بحث الرئيس التركي مع ماسك إطلاق القمرين الصناعين Turksat 5A، و Turksat 5B، وإنتاج سيارة كهربائية تركية.

وبعد ذلك الاجتماع، أبدى الرئيس التركي في أكثر من مناسبة إعجابه بماسك، وقد قال عنه في شهر حزيران/ يونيو 2018؛ حينما سألته إحدى خريجات قسم الكهرباء والإلكترونيات في جامعة (حجة تبه) بالعاصمة أنقرة عن زيارة ماسك، قال أردوغان: إن إيلون ماسك شخصية مميزة حقًا. وهو إنسان متعدد المواهب، ونشيط، وباحث عن مجالات جديدة يفحصها ويُوجِدها ويُنجزها.

وأضاف أردوغان: “الآن نرى الأقمار الصناعية تُطلق، كما أننا بصدد إطلاق المزيد من الأقمار الصناعية. سننجح في هذا أيضًا. لدينا الكثير من العمل في الوقت الحالي”. ولكن ماذا قصد أردوغان بالكثير من العمل في الوقت الحالي؟

وبالعودة إلى الاجتماع الأول، فقد أعلن الأمين العام للرئاسة التركية والمتحدث باسمها (إبراهيم قالن) لوكالة الأناضول وقتئذ عن مضمون الاجتماع بالقول: “تحدثنا عن الاستثمارات التقنية في تركيا، والخطوات التي اتُخذت في الآونة الأخيرة، كما أن شركة إيلون ماسك تعد شركة ضخمة للطاقة المستدامة، لذلك بحثنا مواضيع مثل أجيال جديدة من البطاريات، والطاقة الشمسية، وطاقة الرياح”.

وتطرق الجانبان لقضايا مختلفة، بينها التغلب على مشكلات الازدحام في المدن الكبرى، وحفر الأنفاق، وحركة المرور تحت الأرض، وتعزيز التعاون بين الشركات الأمريكية والتركية.

والآن وبعد مضي 4 سنوات على الاجتماع والخطوات التالية التي تبعته، نجد أن ما قاله قالن يُعبّر تمامًا عما يريده أردوغان من ماسك.

تركيا ومشكلات الطاقة

تستهلك تركيا – التي يبلغ عدد سكانها حاليًا أكثر من 84 مليون نسمة – أكثر من 6,000 بيتاجول من الطاقة الأولية كل عام، ويأتي 88% من هذه الطاقة من الوقود الأحفوري.

ولأن واردات الوقود الأحفوري تزيد عن 20% من تكاليف الاستيراد وثلاثة أرباع العجز في الحساب الجاري، فإن الاعتماد على الخارج في تأمين موارد الطاقة سيعيق تركيا من تحقيق هدفها الرامي إلى أن تكون بين الاقتصادات العشر الأكبر في العالم.

ومنذ سنوات، تسعى تركيا إلى الاستغناء عن الخارج فيما يتعلق بموارد الطاقة، إذ أعلنت خلال العامين الماضيين عن اكتشاف احتياطات للغاز الطبيعي، خاصةً في البحر الأسود. ولكن المقدار المُكتشف لن يغنيها عن الخارج، لذا هي تسعى أيضًا إلى تنويع مصادر الطاقة، وذلك بالاستفادة من مصادر الطاقة المتجددة.

وبفضل التنوع الجغرافي لتركيا، فإنها تسعى إلى الاستفادة من الطاقة الكهرومائية من خلال بناء المزيد من السدود على الأنهار الكثيرة على أراضيها، وتعد الطاقة الكهرومائية أكبر مصدر للكهرباء المتجددة، ففي عام 2018 كانت تشكل 9% من مصادر الطاقة الأولية، و6% من مصادر الطاقة المتجددة.

ولأن الشمس تسطع أكثر في الجنوب التركي، فإنها تسعى إلى إنتاج الطاقة من خلال بناء المزيد من محطات الطاقة الشمسية، وفي الغرب التركي هناك عدد أكبر من محطات طاقة الرياح، حيث تهب الريح على نحو أسرع.

وبالنظر إلى أن ماسك يمتلك شركة (سولار سيتي) SolarCity فإن تركيا تسعى إلى الاستفادة من خبراتها في مساعدة القطاعين العام والخاص لإنتاج المزيد من الطاقة الشمسية، وهو ما أشار إليه قالن بُعيد الاجتماع الأول بين أردوغان وماسك.

وإذا عدنا مرة أخرى إلى لقاء أردوغان مع خريجي جامعة (حجة تبه)، فقد قال شيئًا آخر يمثل جوهر ما يريده أردوغان من ماسك، وهو السيارة المحلية، بالإضافة إلى صناعة الفضاء، وهو ما سنذكر بعد قليل، إذ قال أردوغان حينئذ: “أعتقد أن هذه الخطوة التي اتخذها إيلون ماسك ضرورية لنا أيضًا. لماذا لا نصنع نحن تسلا الآن؟ هل سنصنع مثلها؟ أنتم جميعًا مرشحون لفعل ذلك. سنحاول وسنفعل. وإذا ما آمنا بذلك فعلناه”.

وبالفعل، لو افترضنا أن تركيا استغنت عن الخارج في بعض استخدامات الطاقة، ولكن ماذا عن النقل، خاصةً في مدينة، مثل: إسطنبول، التي يتجاوز عدد سكانها أكثر من 15 مليون نسمة، والتي تعد إحدى أكثر المدن ازدحامًا في العالم.

لذا تسعى تركيا من الاستفادة من خبرة ماسك في إنتاج السيارات الكهربائية من خلال شركته (تسلا)، وإلى بناء الأنفاق للتخلص من الازدحام من خلال شركته (بورينج) Boring. ومع ذلك، فإن التركيز حاليًا هو على السيارة الكهربائية.

سيارة تركيا المحلية الصنع

وبالفعل، أعلنت تركيا في مثل هذه الأيام من عام 2019 عن سيارة كهربائية، وذلك تحقيقًا لطموح عمره 60 عامًا لإنتاج سيارة محلية الصنع، وفق ما قال أردوغان في تغريدة له في شهر تموز/ يوليو 2020. ولكن قبل الإعلان عن السيارة، كانت تركيا تستعد لذلك بنحو عامين.

فبالتزامن مع زيارة ماسك الأولى إلى تركيا، تم في 2 تشرين الثاني/ نوفمبر 2017 توقيع بروتوكول تعاون لتشكيل مجموعة مشتركة لمبادرة إنتاج السيارة المحلية، وذلك بمشاركة شركات مجموعة (الأناضول)، و(بي إم سي)، و(كوك) القابضة، ومجموعة (توركسيل)، و(زورلو) القابضة، واتحاد الغرف والبورصات التركية.

وفي 31 آذار/ مارس 2018، وقعت اتفاقية التأسيس والشراكة لـ (الشركة الصناعية التجارية المساهمة لمبادرة إنتاج السيارة التركية)، والتي تختصر في TOGG، وهو الاسم الذي حملته السيارة الكهربائية.

ثم أعلن أردوغان في شهر تموز/ يوليو من عام 2020 عن انطلاق أعمال بناء مصنع إنتاج أول سيارة كهربائية محلية، بولاية بورصة شمال غرب البلاد.

ولأن البطارية أهم جزء من السيارات الكهربائية، فإن تركيا لا تزال محتاجة إلى غيرها في إنتاجها، وقد اختارت شركة (فاراسيس) Farasis الصينية شريكًا لها في تطوير البطارية.

وبالتوازي مع الشراكة مع شركة (فاراسيس)، فإن تركيا تنظر إلى تقنيات الطاقة المتجددة بوصفها مسألة تتعلق بالأمن القومي، وذلك وفق ما قال وزير الطاقة والموارد الطبيعية التركي (فاتح دونماز) أواخر شهر آذار/ مارس الماضي، وأضاف وقتئذ أن تركيا تطبق سياسة لتكامل جميع قطاعات الطاقة مع بعضها من أجل توطينها.

وذكر أيضًا أن الاقتصاد العالمي يشهد حربًا ومنافسة فيما يتعلق بالبطاريات والذكاء الاصطناعي، وأنهم يحاولون توفير بيئة أكثر تنافسية في سوق الطاقة.

وفي هذا الإطار، شارك الرئيس التركي أردوغان، أواخر شهر كانون الأول/ ديسمبر الماضي في افتتاح أول منشأة لإنتاج كربونات الليثيوم محليًا في ولاية (أسكي شهير) وسط البلاد، وذلك في مسعى للتقليل من الاعتماد على الخارج، إذ إن تركيا تستورد كامل احتياجاتها من الليثيوم من الخارج في الوقت الراهن، ولكن إذا ما بدأت المنشأة بالعمل، فإنها ستلبي نصف احتياجات تركيا من الليثيوم الذي سيستخدم في بطاريات كافة السيارات الكهربائية وعلى رأسها السيارة محلية الصنع TOGG، وبطاريات الهاتف المحمول، والأدوات الكهربائية التي تعمل بالبطارية.

وبالإضافة إلى ذلك، تستعد تركيا مطلع عام 2022 لافتتاح أول مصنع لإنتاج بطاريات (الليثيوم أيون).

وفيما يتعلق بسيارة TOGG الكهربائية، فقد قال وزير الصناعة والتقنية التركي (مصطفى ورانك) في شهر أيلول/ سبتمبر الماضي إن مشروع إنتاج السيارة المحلية يسير وفق المخطط، وإنه من المقرر بدء الإنتاج التجاري أواخر 2022.

وأشار إلى أن تركيا أطلقت مشروع السيارة الكهربائية المحلية في وقت مناسب جدًا، وذلك تزامنًا مع انتقال العلامات العالمية إلى إنتاج هذا النوع، وازدياد الاستثمارات في أوروبا في قطاع بطاريات السيارات.

طموح تركيا في الفضاء

وإذا ما عدنا إلى القمر الصناعي الذي تحدثنا عنه في البداية، فإن من بين أبرز الأهداف التي تسعى إليها تركيا حاليًا هو التحول إلى قوة مهمة في مجال اقتصاد الفضاء، وذلك وفق ما قال وزير الصناعة والتقنية (مصطفى ورانك) في شهر شباط/ فبراير الماضي، وذلك بعد إطلاق القمر Turksat 5A بالتعاون مع شركة SpaceX.

وقال الوزير وقتئذ إن تركيا أصبحت دولة يمكنها تطوير وإنتاج أقمارها الصناعية، لافتًا إلى أن القليل من دول العالم لديها هذه القدرات. وأشار ورانك، إلى أن برنامج الفضاء التركي سيكون خريطة طريق لبلاده خلال السنوات العشرة القادمة.

وكان أردوغان قد أصدر مرسومًا رئاسيًا يقضي بتأسيس (وكالة الفضاء التركية)، التابعة لوزارة الصناعة والتقنية في عام 2018. وفي شباط/ فبراير 2020، استعرض الرئيس التركي 10 أهداف لبرنامج الفضاء الوطني، من أبرزها إرسال مركبة للقمر بحلول 2023، وتأسيس ميناء فضائي (موقع لإطلاق واستقبال المركبات الفضائية)، وإنشاء منطقة لتطوير تقنيات الفضاء.

الخاتمة

والآن أصبح من الواضح أن تركيا – في سعيها لتقليل الاعتماد على الخارج في مجال الطاقة وتطوير السيارات المحلية والصعود إلى الفضاء – فإنها بحاجة إلى خبرة ماسك الطموح الذي نشر قبل أيام تغريدة يتساءل فيها عن شكل العالم بعد عشر سنوات من الآن، وذلك في عام 2032، وقد اختصرها بكلمتين: (المريخ والسيارات) Mars & Cars.

هل أعجبك المحتوى وتريد المزيد منه يصل إلى صندوق بريدك الإلكتروني بشكلٍ دوري؟
انضم إلى قائمة من يقدّرون محتوى إكسڤار واشترك بنشرتنا البريدية.