كيف يحول مجرمو الإنترنت الشيكات الورقية المسروقة من صناديق البريد إلى عملة البيتكوين

كيف يحول مجرمو الإنترنت الشيكات الورقية المسروقة من صناديق البريد إلى عملة البيتكوين
أستمع الى المقال

ديفيد ميمون، الأستاذ المشارك في العدالة الجنائية وعلم الجريمة بجامعة ولاية جورجيا الأمريكية

بينما تحظى الجريمة الإلكترونية باهتمام كبير من سلطات إنفاذ القانون ووسائل الإعلام هذه الأيام، فقد رصدتُ في الأشهر الأخيرة، تهديدًا هو أقل تطورًا من الناحية التقنية، وهو: الزيادة في سرقة الشيكات الورقية.

لقد أصبح المجرمون يستهدفون على نحو متزايد خدمة البريد الأمريكية وصناديق البريد الشخصية لسرقة الشيكات المُعبّأة وبيعها عبر الإنترنت باستخدام منصات التواصل الاجتماعي. ثم يغير المشترون اسم مُستلِم المبلغ والمبلغ المُدرَج في الشيكات لسرقة حسابات الضحايا المصرفية التي تحتوي آلاف الدولارات. ومع أن المصارف نفسها هي من يتحمل عادةً العبء المالي وتعويض الحسابات المستهدفة، إلا أنه يمكن للمجرمين أيضًا استخدام الشيكات لسرقة هويات الضحايا، الأمر الذي قد يكون له عواقب وخيمة.

لقد أسستُ وأديرُ الآن (مجموعة أبحاث الأمن السيبراني القائمة على الأدلة) Evidence Based Cybersecurity Research Group بجامعة ولاية جورجيا، وهي تهدف إلى معرفة ما يصلح وما لا يصلح في منع الجرائم الإلكترونية. وعلى مدار العامين الماضيين، كنا نراقب 60 قناة اتصال بالسوق السوداء على الإنترنت لمعرفة المزيد عن نظام الاحتيال عبر الإنترنت وجمع البيانات عنه بطريقة منهجية لتحديد الاتجاهات.

ولكن الشيء الوحيد الذي لم نتوقع رؤيته هو الزيادة في الشيكات المسروقة.

تهديد قديم يتجدد

تُعد سرقة الشيكات المصرفية عامةً نوعًا من الاحتيال الذي ينطوي على سرقة شيك وتحويله على نحو غير مصرح به.

وهذه ليست ظاهرةً جديدةً، إذ كان المجرمون يرتكبون جرائم الاحتيال الخاصة بالشيكات منذ ظهور الشيكات الحديثة الأولى في القرن الثامن عشر في إنجلترا – وكانت السلطات حينئذ تبحث بالفعل عن طرق لمنع ذلك.

وحتى مع ندرة البيانات التاريخية الخاصة بهذا النوع من الاحتيال، فإننا نعلم أن المشكلة تفاقمت خاصةً في تسعينيات القرن الماضي حيث سهّل الإنترنت العثور على مشترين راغبين في السلع غير المشروعة على نحو غير مسبوق. وعلى سبيل المثال، قدرت المؤسسات المالية أنها خسرت نحو مليار دولار أمريكي من عمليات الاحتيال الخاصة بالشيكات خلال المدة بين شهر نيسان/ أبريل 1996 وأيلول/ سبتمبر 1997.

ولكن ما قد يبدو مفاجئًا بعض الشيء هو عودة ظهورها الآن في وقت تُجرى فيه الغالبية العظمى من المعاملات إلكترونيًا ويستمر استخدام الشيكات في التلاشي.

كيف يبدو الغش في الشيكات

بشكل عام، تبدو عمليات الاحتيال الخاصة بالشيكات التي كنا نتتبعها على النحو التالي:

يقتحم شخص ما صندوق بريد يُخزن الرسائل في انتظار إرسالها، فيأخذ بعضها على أمل أن تحتوي شيكًا مُعبأً. وغالبًا ما يكون مسرح الجريمة حيث تحدث السرقة هو صندوق البريد للضحية، ولكن يمكن أن يكون أيضًا أحد صناديق خدمة البريد الأمريكية USPS الزرقاء التي تنتشر في الشوارع.

ويمكن للمجرمين الوصول إلى تلك الصناديق التي لها مفتاح مسروق أو منسوخ، والذي رأيناه معروضًا للبيع مقابل 1,000 دولار.

ثم يودع اللصوص الشيكات أو يصرفونها بأنفسهم، أو يبيعونها للآخرين عبر سوق للأشياء غير المشروعة، مثل: بطاقات الهوية، وبطاقات الائتمان المزيفة. وعادةً ما تكون الأسعار 175 دولارًا للشيكات الشخصية، و 250 دولارًا للشيكات التجارية، وهي تدفع بعملة البيتكوين، ولكن الأسعار دائمًا قابلة للتفاوض وأرخص كلما كثرت، وذلك بناءً على ملاحظاتنا وتفاعلاتنا المباشرة مع البائعين.

ويستخدم المشترون بعد ذلك مزيل طلاء الأظافر لمحو اسم المدفوع له المقصود، والمبلغ المعروض على الشيك، وتغيير هذه التفاصيل لتمثل جهة أخرى، مثل: أحد بائعي التجزئة، كما يغيرون المبلغ الذي يكون عادةً أعلى بكثير من الشيك الأصلي. وقد يصرف المشتري أيضًا الشيك في موقع، مثل: (وول مارت) Walmart باستخدام مُعرِّف مزيف.

ونعتقد أن المجرمين يستخدمون، في بعض الحالات، الشيكات لسرقة هوية الضحية باستخدام الاسم والعنوان لتزييف رخص القيادة، وجوازات السفر، والوثائق القانونية الأخرى. وبالاستيلاء على هوية شخص ما، فإن المجرم قد يستخدمها لتقديم طلبات مزيفة للحصول على قروض وبطاقات ائتمان، والوصول إلى الحسابات المصرفية للضحية، والمشاركة في أنواع أخرى من الاحتيال عبر الإنترنت.

تتبع غرف الدردشة في السوق السوداء

ولفهم كيفية عمل مجرمي الإنترنت على نحو أفضل، بدأ فريقي من طلاب الدراسات العليا في مراقبة 60 قناة دردشة عبر الإنترنت حيث علمنا أن أشخاصًا يتاجرون بوثائق مزورة. ومن الأمثلة على هذه الأنواع من القنوات: الدردشات الجماعية على تطبيقات المراسلة، مثل: واتساب، و(آي سي كيو) ICQ، وتيليجرام، حيث ينشر المستخدمون صورًا للعناصر التي يرغبون في بيعها. وقد كان بعض القنوات التي نراقبها عامة، في حين تطلب البعض الآخر دعوة، وهو ما تمكنا من الحصول عليه.

وبعد أن لاحظنا ارتفاعًا في عدد الشيكات المسروقة للبيع، بدأنا بجمع البيانات على نحو ممنهج من هذه القنوات منذ نحو 6 أشهر من أجل تتبع اتجاهاتها. وقد نزلّنا الصور، ورمّزناها، ثم جمعنا البيانات حتى نتمكن من تحديد الاتجاهات في ما تم بيعه.

وفي ملاحظاتنا، صادفنا ما معدله 1,325 شيكًا مسروقًا يُباع كل أسبوع في شهر تشرين الأول/ أكتوبر 2021، مقارنةً بـ 634 شيكًا في الأسبوع خلال شهر أيلول/ سبتمبر، و 409 شيكات في شهر آب/ أغسطس. وحتى مع ندرة البيانات التاريخية المتعلقة بهذه الممارسة، إلا أن دراسة تجريبية لمدة أسبوع أجريناها في شهر تشرين الأول/ أكتوبر 2020 توضح مدى الزيادة، فقد رصدنا خلال تلك المدة 158 شيكًا مسروقًا فقط.

وعلاوة على ذلك، من المحتمل أن تمثل هذه الأرقام جزءًا صغيرًا فقط من عدد الشيكات المسروقة والمباعة بالفعل، إذ إننا ركزنا على 60 سوقًا فقط، في حين أن هناك بالفعل الآلاف من الأسواق النشطة حاليًا.

وبالدولار، وجدنا أن القيمة الاسمية للشيكات كانت 11.6 مليون دولار في شهر تشرين الأول/ أكتوبر بأكمله، و 10.2 ملايين دولار في أيلول/ سبتمبر. ولكن نذكر مرةً أخرى، فمن المحتمل أن تمثل هذه القيم حصة صغيرة من المبلغ الفعلي للأموال المسروقة من الضحايا لأن المجرمين غالبًا ما يعيدون كتابة الشيكات بمبالغ أعلى بكثير.

وباستخدام عناوين الضحايا، التي ظهرت في الزاوية العلوية اليسرى من الشيكات، والتركيز على البيانات التي جمعناها في شهر تشرين الأول/ أكتوبر 2021، وجدنا أن ولايات نيويورك، وفلوريدا، وتكساس، وكاليفورنيا كانت المصادر الأولى.

كيف تحمي نفسك

إن أفضل نصيحة يمكنني تقديمها للمستهلكين الذين يرغبون في تجنب الوقوع ضحيةً لهذه المخططات هي تجنب إرسال الشيكات بالبريد، إن كان ذلك ممكنًا.

وعادةً ما توفر حسابات الشيكات المصرفية للعملاء خيار إرسال الأموال إلكترونيًا مجانًا، سواء إلى صديق أو شركة. وهناك العديد من التطبيقات والخدمات الأخرى التي تتيح لك إجراء مدفوعات رقمية من حسابات مصرفية أو عبر بطاقة ائتمان. وحتى مع المخاطر التي تحف هذه الأساليب أيضًا، إلا أنها عامةً أكثر أمانًا مقارنةً بكتابة شيك، وإرساله عبر البريد.

ومع ذلك، قد تتطلب بعض أنواع الأعمال شيكًا ورقيًا للدفع، مثل: أصحاب العقارات، والمرافق، وشركات التأمين. وعلاوة على ذلك، كمسألة تفضيل شخصي، يفضل بعض الأشخاص – بمن فيهم أنا – دفع فواتيرهم باستخدام الشيكات بدلًا من طرق الدفع الأخرى.

ولتجنب المخاطر، أتأكد من تسليم جميع رسائلي التي تحتوي على شيكات داخل مكتب البريد المحلي. وبصورة عامة، فإن هذا هو أفضل رهان لإبقائها بعيدةً عن أيدي المجرمين، والتأكد من وصولها إلى وجهتها المقصودة.

كما تقدم خدمة التفتيش البريدي للولايات المتحدة، وهي الوكالة المسؤولة عن منع سرقة البريد، نصائح للحفاظ على الحماية.

أما فيما يتعلق بالإنفاذ، فإن خدمة التفتيش تعمل مع الشرطة وغيرها للقضاء على الجرائم المتعلقة بالبريد. وتؤدي هذه الجهود إلى اعتقال آلاف من لصوص البريد والطرود كل عام. ومع ذلك، فإنه مقابل كل عملية اعتقال، هناك العديد من المجرمين الذين لا يُكتشفون.

ولمّا أبلغنا المسؤولين بالنتائج التي توصلنا إليها، فوجئوا أيضًا بما اكتشفناه ولكننا نخطط لتكثيف مراقبة هذه الأنواع من قنوات الاتصال في السوق السوداء. ويقترح بحثنا أن هناك حاجةً إلى مزيد من البيانات المنهجية المتعلقة بهذا النوع من الاحتيال من أجل فهم كيفية عمله على نحو أفضل، واتخاذ إجراءات صارمة ضد النشاط ومنع حدوثه في المقام الأول.

نُشر هذا المقال أول مرة على موقع The Conversation

هل أعجبك المحتوى وتريد المزيد منه يصل إلى صندوق بريدك الإلكتروني بشكلٍ دوري؟
انضم إلى قائمة من يقدّرون محتوى إكسڤار واشترك بنشرتنا البريدية.