عن نتفلكس وأخواتها: كسر المحظور والخروج عن المألوف في الدراما العربية

عن نتفلكس وأخواتها: كسر المحظور والخروج عن المألوف في الدراما العربية
نتفلكس
أستمع الى المقال

تفتح مريم صفحة إنساتغرام الخاصة بليث، صديق زميلتها في المدرسة (ليان) كي تبحث ضمن صوره عن الفيلا الخاصة به. في الواقع لم تكن مريم مهتمةً بصور الفيلا نفسها بقدر ما كانت تسعى للعثور على إحداثيات الموقع الجغرافي الخاصة بها كي تقوم بنسخ الإحداثيات وإرسالها إلى أخي ليان لإعلامه بموقع الفيلا التي تنفرد بها في هذه اللحظات أخته (ليان) مع حبيبها ليث. بعد وصول الإحداثيات إلى أخي ليان يركب سيارته وينطلق مُسرعًا إلى الموقع ليضبط أخته في خلوةٍ مع حبيبها، كي ينتهي المشهد بصوت طلقة نارية تُنهي المسلسل بجريمة شرف لا تختلف عن الجرائم المشابهة الشائعة في عالمنا العربي، والتي قلّما نراها معروضةً في المسلسلات العربية رغم انتشارها على أرض الواقع.

تُمثل هذه القصة نهاية مسلسل “مدرسة الروابي للبنات” وهو ثاني مُسلسل أردني من إنتاج نتفلكس بعد مسلسل “جن” الذي مثّل باكورة الأعمال الأصلية للشركة في العالم العربي.

يتناول “مدرسة الروابي للبنات” في ست حلقات موضوع التنمّر في المدارس وهو موضوع لم يتم التطرق إليه سابقًا في الدراما العربية. وقد أثار المسلسل ضجةً كبيرةً في الأردن، تمامًا كما فعل المسلسل السابق له (جن) الذي أثار ضجّةً واعتراضًا كبيرّين بسبب احتوائه على الشتائم التي لم يعتد المُشاهد العربي سماعها على الشاشة الصغيرة إضافةً إلى بعض المشاهد التي تم وصفها بالجريئة ما أثار غضب الكثيرين. وقد ظهرت العديد من المطالبات بمنع عرض “مدرسة الروابي” ومن قبله “جن” في الأردن، لكن من يستطيع أن يمنع شيئًا اليوم؟

كلا المُسلسلين أثارا ضجةً في الأردن حيث وجد البعض أنهما يسعيان إلى إفساد عقول الشباب وعكس صورة غير واقعية عن المجتمع، لكن في حقيقة الأمر فإن كل ما فعله المسلسلان هو عرض الواقع على الشاشة، الواقع الذي يعرف الجميع بوجوده لكنهم فقط لا يريدون مشاهدته على الشاشة.

نتفلكس، كسر التابوهات والخروج عن المألوف

جرائم الشرف، النظام الأبوي، العلاقات الغرامية، وتأثير شبكات التواصل الاجتماعي على المراهقين ليست هي فقط الأشياء التي خرجت فيها شبكات بث المحتوى مثل نتفلكس وأخواتها عن المألوف في عالمنا العربي. بل إضافةً إلى الإفلات من عين الرقيب يُعد  كسر قاعدة الموسم الرمضاني ومسلسلات الثلاثين حلقة من أهم إنجازات الخدمات المذكورة. 

بما أن خدمات بث المحتوى لا تفرض أية قيود من حيث عدد الحلقات أو المواسم، صار بإمكان صانعي الأعمال تقديم القصة بشكل مُكثف يُركز على الموضوع الرئيسي ويُقدمه بأفضل شكل ممكن بعيدًا عن الإطالة المُملّة والتفرّع في قصص جانبية تُفقِد العمل تركيزه. تخيّل لو أن عملًا مثل “مدرسة الروابي” تم إنجازه في ثلاثين حلقة بدل ست حلقات وتحت أعين الرقيب، لا بد أن القصة الأصلية والمغزى منها كانت ستضيع في الحوارات والقصص الجانبية ولَفَقَدَ العمل حينها رسالته الأصلية. ناهيك عن أن معايير جودة الصورة والميزانية العالية التي تتيحها خدمات بث المحتوى لإنتاج أعمالها الأصلية تعني إبراز القصة بشكل مُلفِت من شأنه المُساعدة في جذب الجماهير لمتابعة العمل.

ما وراء الطبيعة

نتفلكس

كتأكيد على قاعدة “الخروج على المألوف” التي قدمتها نتفلكس للدراما العربية، شاهدنا العام الماضي الإنتاج المصري الأول لنتفلكس والذي تمثل بمسلسل “ما وراء الطبيعة” المأخوذ عن سلسلة الروايات التي تحمل نفس الاسم للكاتب الراحل أحمد خالد توفيق. فكرة تحويل الروايات إلى عمل درامي هي فكرة قديمة ظلّت حبيسة الأدراج لسنوات طويلة بسبب عدم توفر الإمكانيات والدعم اللازم لتقديم العمل بأفضل صورة ممكنة. فدراما الرعب هي منطقة “خطيرة” غير مضمونة النجاح بالنسبة للمُنتِج العربي الذي يُفضل القصص الاجتماعية مضمونة النجاح من وجهة نظره والتي تتألف من ثلاثين حلقة، على القصص غير المُعتادة كقصص الرعب والغموض والتي يتألف الموسم الواحد منها من عدة حلقات فقط.

هنا جاءت نتفلكس لتُقدم وفي ست حلقات فقط إنتاجًا راقيًا يليق بمستوى القصة المكتوبة مُترجمًا ومُدبلجًا إلى ست لغات حاز على مُراجعات إيجابية من النقّاد الأجانب وتابعته فئات واسعة من العرب وخاصةً من قُرّاء سلسلة الروايات كاسحة الشهرة في العالم العربي. ورغم بعض الانتقادات التي طالت استخدام بعض المؤثرات الخاصة والاختلاف في مستوى الحلقات بسبب وجود مُخرجَين اثنين تقاسما إخراج العمل إلا أننا شاهدنا في نهاية المطاف عملًا عربيًا فريدًا من نوعه تميّز بصورة فاتنة وموسيقى تصويرية رائعة، بل إن الخروج عن المألوف يظهر بدءًا من شارة البداية نفسها التي لا تتجاوز مدتها ثوانٍ معدودة لا يظهر فيها إلا شعار واسم المسلسل قبل أن تبدأ الأحداث مُباشرةً دون انتظار، على عكس ما اعتدنا عليه من المسلسلات العربية ذات الشارات الافتتاحية الطويلة والمُملّة المصحوبة غالبًا بأُغنية أكثر إملالًا لا تفهم ما علاقتها بالمسلسل.

قيد مجهول

OSN

ليست نتفلكس هي الوحيدة التي غيّرت قواعد اللعبة في الشرق الأوسط، حيث بدأت شبكة OSN اللاعب القديم/الجديد في المنطقة بإنتاج الأعمال العربية الأصلية وطرحها كعرضٍ أول على خدمة بث المحتوى عبر الإنترنت الخاصة بها، قبل عرضها ضمن خدمتها التقليدية. ورغم أن OSN التي تُقدم أكبر خدمة لمشاهدة المحتوى المدفوع في الشرق الأوسط تخصصت سابقًا بتقديم المحتوى الأجنبي بالتعاون مع شبكات مثل Disney و ABC و Paramount وغيرها، إلا أن الشركة بدأت في العام 2021 بإنتاج المحتوى الأصلي وقالت إنها ضاعفت استثماراتها في المحتوى العربي.

ويُعد المسلسل السوري “قيد مجهول” من بطولة عبد المنعم عمايري وباسل خياط وإخراج السّدير مسعود، أحد أول الإنتاجات العربية الأصلية للشركة علامةً فارقة في الدراما العربية، حيث أثار هذا المسلسل زلزالًا من المراجعات الإيجابية على شبكات التواصل الاجتماعي لدى عرضه. وقد قدّم المسلسل في ثماني حلقات قصّةً فريدةً من نوعها بالنسبة للدراما العربية، حيث يتناول مشكلة اضطراب نفسي يتمثل بانفصام في الشخصية يُعاني منها البطل يتخيّل من خلالها صديقًا وهميًا يمتلك جميع الصفات التي يفتقدها هو، من القوتين الشخصية والجسدية والذكاء والصرامة وحسن التصرّف في اللحظات الحرجة.

لكن عدا عن القصة غير المألوفة على الشاشات العربية، قدّم المسلسل إخراجًا رائعًا وصورةً ساحرةً ومُعالجةً للألوان جديرة بالأفلام الهوليودية، ناهيك عن الاهتمام بأدق تفاصيل الديكور والملابس وتنفيذ المشاهد.

المُنافسة على أشدّها

وبالحديث عن سوق خدمات بث المحتوى لا يمكننا تجاهل خدمة (شاهد VIP) التابعة لشبكة MBC. ورغم أن الأعمال التي تُقدمها الشبكة تتجنّب تناول المواضيع الاجتماعية الحسّاسة في العالم العربي بحكم تَبَعيتها للملكة العربية السعودية إلا أن العديد من الأعمال الأصلية التي أنتجتها الشبكة كسرت النظام التقليدي للتلفزيون العربي من حيث عدد الحلقات، إذ أنتجت (شاهد) العديد من المسلسلات التي يقل عدد حلقاتها عن العشرة، كما بثت عددًا من الأفلام قبل عرضها في دور السينما، تمامًا كما فعلت نيتفلكس سابقًا في خطوة أثارت مزيجًا من التأييد والاعتراض على هذه الخطوة التي يرى البعض أنها تُساهم تدريجيًا في سحب البساط من تحت دور العرض التي احتكرت العروض الأولى للأفلام  السينمائية منذ وُجِدَت السينما.

وقد أعلنت (شاهد) في فترة سابقة من هذا العام عن وصول عدد مشتركيها إلى 2 مليون مُشترك في نمو كبير مُقارنةً بالعام الماضي. ورغم أن نتفلكس لا تنشر أرقامًا تفصيلية عن عدد مشتركيها في الشرق الأوسط، إلا أن التقديرات تُشير إلى وجود حوالي 5 ملايين مُشترك في خدمتها بالمنطقة. وفي دراسة نشرها موقع BusinessWire فمن المتوقع  أن يصل عدد مشتركي خدمات بث المحتوى في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا إلى 27.16 مليون مُشترك مُقارنةً بحوالي 10 ملايين مُشترك وفقًا لأرقام نهاية العام 2019، وستحافظ نيتفلكس -وفقًا للدراسة- على الريادة بأكثر من 12 مليون مُشترك.

في المقابل، علينا أن ننتظر ما الذي ستقدمه خدمات بث المحتوى الأخرى الموجودة في المنطقة ومن أبرزها Amazon Prime Video المتوفرة حاليًا في عدد محدود من الدول العربية كالإمارات والسعودية ومصر. ورغم عدم وجود تصريحات من الشركة تُشير إلى نيّة إنتاجها للأعمال الأصلية العربية إلّا أنها وفي حال قررت ذلك فمن المتوقع أن تُشكّل دفعةً تنافسيةً جديدةً للدراما العربية.

خدمات بث المحتوى وعالم السياسة

رغم أن خدمات بث المحتوى ساهمت في كسر المحظورات وتغيير مشهد الدراما العربية، إلا أنها ما زالت خاضعة بشكلٍ أو بآخر للتسييس والرقابة. مثلا يُمكن ملاحظة كثرة الأعمال التي تعرضها شاهد وتتناول فيها قضية صراع بعض الحكومات العربية مع الإخوان المُسلمين، حيث أنتجت أو عرضت الشبكة عددًا من الوثائقيات والأفلام والمسلسلات التي تعكس التوجه السياسي للمملكة وحلفائها. 

كما قامت (شاهد) بإلغاء عمل (الأمير الأحمر) من بطولة تيم حسن وإخراج سامر البرقاوي وسحبت (التريلر) الخاص به من موقعها بعد اتفاق التطبيع ما بين الإمارات وإسرائيل وذلك كون العمل يتناول قصة حياة (علي حسن سلامة) قائد العمليات الخاصة ضد إسرائيل في منظمة التحرير الفلسطينية.

ولا تشمل عين الرقيب العربي خدمات بث المحتوى التابعة لسلطته فقط، بل يمكن أن تمتد أيضًا إلى الخدمات العالمية، وهو ما حدث عندما أجبرت المملكة العربية السعودية شبكة نتفلكس على سحب إحدى حلقات البرنامج السياسي الساخر Patriot Act والتي تناولت ولي العهد محمد بن سلمان وقضية مقتل الصحفي جمال خاشقجي، حيث حجبت نتفلكس الحلقة عن المشاهدين في المملكة استجابةً للضغوطات.

لكن رغم ذلك، هذا لا يمنع التغيير الكبير الذي قدمته شبكات بث المحتوى على الساحة العربية، فحتى ما يخضع للحجب يظل قابلًا للوصول عبر المواقع التي تنشر المحتوى المُقرصَن والتي تُشكل مصدرًا رائجًا في المنطقة لمُشاهدة إنتاجات شبكات بث المحتوى إضافةً إلى غيرها من الإنتاجات العالمية. 

السؤال هو: هل ستنجح خدمات بث المحتوى في فرض تأثيرها على المحتوى العربي الذي يقدمه التلفزيون (المجاني) التقليدي والذي يظل المصدر الأكثر شعبيةً لمتابعة الدراما العربية في المنطقة؟ أم أن هذا التأثير سيظل محصورًا بنخبة المشاهدين الذين يمتلكون الإمكانيات والرغبة للاشتراك في المحتوى المدفوع عبر الإنترنت؟

هل أعجبك المحتوى وتريد المزيد منه يصل إلى صندوق بريدك الإلكتروني بشكلٍ دوري؟
انضم إلى قائمة من يقدّرون محتوى إكسڤار واشترك بنشرتنا البريدية.