صُنع في الصين.. ولكن بأيدي الإيغور المُصفَّدة (الجزء الأول)

صُنع في الصين.. ولكن بأيدي الإيغور المُصفَّدة (الجزء الأول)
أستمع الى المقال

من أشهر العبارات التي يمكن أن نقرأها إن نظرنا إلى معظم المنتجات تقريبًا في عصرنا الحالي هي عبارة “صُنع في الصين”، ولكن هل خطر لك يومًا أن تكون هذه العبارة مخادعة، أو ناقصة، إذ إن هناك الكثير من المنتجات التي صُنعت في الصين ولكن بعرق جبين أقلية عرقية ودينية؛ تعمل الصين منذ عشرات السنين على اضطهادها وإجبارها على التخلي عن معتقداتها والذوبان في ثقافة الحزب الشيوعي الصيني الحاكم.

نعم، هناك في الصين أقلية الإيغور المسلمة التي تنتمي إلى إقليم (شينجيانغ) الذي يقع شمال غرب الصين، ويفضل سكانها إطلاق اسم (تركستان الشرقية) عليها لأنهم من الشعوب التركية التي تنتشر في العديد من الدول، مثل: تركمانستان، وأوزبكستان، وقيرغيزستان، وكازاخستان، وطاجكستان، وأذربيجان، وروسيا، وبالطبع في تركيا.

أقلية الإيغور المسلمة

يعد الإيغور أنفسهم أقرب عرقيًا وثقافيًا لأمم آسيا الوسطى، وهم يشكلون نحو 45 في المئة من سكان شينجيانغ، في حين تبلغ نسبة الصينيين من عرقية الهان نحو 40 في المئة. ويقع إقليم شينجيانغ في أقصى الغرب الصيني.

وتكمن أهمية هذه المنطقة في أنها  نقطة عبور ما يسمى بطريق الحرير، وهي تزخر بالموارد الطبيعية، مثل: البترول، والفحم، والرصاص، والنحاس، والزنك، واليورانيوم، والغاز الطبيعي، بالإضافة إلى أنه توجد فيها عدد من الصناعات، مثل: تكرير النفط، وصناعة الصلب، والكيماويات، والأسمنت، ناهيك عن اهتمام السكان بزراعة الحبوب، والأشجار المثمرة وزراعة القطن وتربية المواشي.

وظل اقتصاد المنطقة لقرون قائمًا على الزراعة والتجارة، إذ كانت بعض المدن، مثل: كاشغار مراكز رئيسية على طريق الحرير الشهير. وفي أوائل القرن العشرين أعلن الإيغور لفترة وجيزة الاستقلال، ولكن المنطقة خضعت بالكامل لسيطرة الصين الشيوعية عام 1949.

ومنذ ذلك الحين، انتقل عدد كبير من عرقية الهان الصينية إلى الإقليم، فيما تخشى عرقية الإيغور من اندثار ثقافتهم، خاصةً بعد أن بدأت السلطات الصينية بالتضييق على تطبيق بعض شعائر الإسلام في العلن.

وتنتهج الصين العديد من السياسات تجاه الإيغور، من أجل القضاء على هويتهم، وكبح جماح مطلب الانفصال، ومنعهم ممارسة حرياتهم، ناهيك عن سياسة الاستغلال لثرواتهم، باعتبار الإقليم خط حيوي مع العديد من الدول من الناحية الغربية للصين.

وترى الصين أن الهوية الإسلامية المستقلة تشكل خطرًا كبيرًا على الثقافة الصينية، وبالتالي ترى في الإيغور تهديدًا لأمنها، وسيادتها، ونسيجها الثقافي، ومن خلال هذا المنطلق، سعت بكين بكافة الوسائل إلى محاولة طمس الشخصية الإسلامية، وإذابتها في البوتقة الصينية، من طقوس، وشعائر، ولو لم ينصاعوا لإثبات هويتهم الصينية فإنهم يتعرضون للعقوبات.

و تبني الصين شبكة من مئات معسكرات التلقين السياسي ومراكز الاحتجاز والسجون. وقد أجبر هذا سكان المنطقة ليس فقط على الطاعة ولكن أيضًا على الصمت المخيف.

ولأن الصين لا تُبالي بالتنديد الدولي ضد سياساتها اتجاه الإيغور، فقد سعت خلال السنوات الأخيرة إلى التمادي من خلال التّربح من عمالة السُخرة التي تفرضها على الإيغور. فرغم ادعاء الصين  أن نظام “إعادة التأهيل” انتهى، إلا أنها مستمرة في بناء مراكز الاعتقال الجماعية للمسلمين من أقلية الإيغور وإجبارهم على العمل القسري وفق تقرير من صحيفة (الغارديان) البريطانية.

و قال التقرير إن المعتقلين في معسكرات الاعتقال يُجبَرون على أعمال السُخرة. وغالبًا ما تشترك المعسكرات في مواقعها مع مجمعات المصانع، الأمر الذي يمكن أن يشير إلى طبيعة المنشأة ويسلّط الضوء على العلاقة المباشرة بين الاحتجاز التعسفي في شينجيانغ والسُخرة.

ونقلت وكالة الأناضول عن منظمة (مبادرات قوة المواطن من أجل الصين) الحقوقية – ومقرها واشنطن – في تقرير نُشر في شهر آب/ أغسطس 2019 أن عمالة السُخرة (بدون أجر) في شينجيانغ، منتشرة بدرجة كبيرة في مراكز الاعتقال والسجون.

صناعة القطن من عرق جبين الإيغور

وأشار تقرير المنظمة إلى أن إقليم شينجيانغ ينتج 84 في المئة من القطن المستخدم لإنتاج الأقمشة ومواد أخرى تصدرها الصين.

وقالت (لويزا غريف)، مديرة قسم العلاقات الخارجية بمنظمة (مشروع حقوق الإنسان للإيغور) إن “شركات أمريكية عديدة، منها: ديزني، وأديداس، ورالف لورين، وتومي هيلفيغر، ونايكي، تستخدم ضمن منتجاتها موادًا مصنّعة في مراكز العمل القسري الصينية”.

أما التقرير الذي كان الأشد إزعاجًا للصين، فهو التقرير الذي نشره (المعهد الأسترالي للسياسة الإستراتيجية) مطلع شهر آذار/ مارس 2020، والذي فضح كثيرًا من التفاصيل، مثل أن بكين لم تكتفِ بإجبار الإيغور على العمل بالسُخرة في شينجيانغ، بل أخذت تنقلهم إلى مصانع أخرى في جميع أنحاء الصين.

وذكر التقرير أن الحكومة الصينية سهّلت النقل الجماعي لمواطني الإيغور وغيرهم من الأقليات العرقية من منطقة أقصى غرب شينجيانغ إلى المصانع في جميع أنحاء البلاد. ويعمل الإيغور في المصانع الموجودة في سلاسل التوريد لما لا يقل عن 82 علامة تجارية عالمية معروفة في قطاعات التقنية، والملابس، والسيارات، ويشمل ذلك شركات، مثل: آبل، وبي إم دبليو، وهواوي، ونايكي، وسامسونج، وسوني، وفولكس فاجن.

وقدّر التقرير أن أكثر من 80 ألفًا من الإيغور نُقِلوا خارج شينجيانغ للعمل في المصانع في جميع أنحاء الصين بين عامي 2017 و 2019، وقد أُرسل بعضهم مباشرةً من معسكرات الاعتقال.

ورجّح التقرير أن يكون الرقم الفعلي أعلى من ذلك بكثير. وفي المصانع البعيدة عن منازلهم وأُسرهم، يعيش الإيغور عادةً في مهاجع منفصلة، ويخضعون لدروس خاصة لتعلم اللغة الصينية وتدريب أيديولوجي خارج ساعات العمل، ويخضعون لمراقبة مستمرة، ويمنعون من المشاركة في الاحتفالات الدينية. ومع ذلك، تُظهر مصادر عديدة، ومنها الوثائق الحكومية، أن العمال المنقولين يُعينون كمرافقين ولديهم حرية تنقل محدودة.

في الجزء الثاني من تقريرنا سنرصد تفاصيل أكثر عن نظام السُخرة الذي يُفرض على الإيغور خارج شينجيانغ، وكيف أن العديد من الشركات التقنية المعروفة تتعامل مع مورّدين يجبرون الإيغور على العمل لديهم.

هل أعجبك المحتوى وتريد المزيد منه يصل إلى صندوق بريدك الإلكتروني بشكلٍ دوري؟
انضم إلى قائمة من يقدّرون محتوى إكسڤار واشترك بنشرتنا البريدية.