صُنع في الصين.. ولكن بأيدي الإيغور المُصفَّدة (الجزء الثاني)

صُنع في الصين.. ولكن بأيدي الإيغور المُصفَّدة (الجزء الثاني)
أستمع الى المقال

استعرضنا في الجزء الأول من تقريرنا كيف تطورت معسكرات الاعتقال التي أقامتها الصين لطمس الهوية الإسلامية لأقلية الإيغور في إقليم شينجيانغ إلى سياسة ممنهجة لإجبار أولئك المعتقلين على العمل بالسُّخرة.

وذكرنا أن التقرير الذي نشره (المعهد الأسترالي للسياسة الإستراتيجية) مطلع شهر آذار/ مارس 2020، فضح كثيرًا من التفاصيل، مثل أن بكين لم تكتفِ بإجبار الإيغور على العمل بالسُّخرة في شينجيانغ، بل أخذت تنقُلهم إلى مصانع أخرى في جميع أنحاء الصين.

وذكر التقرير أن الحكومة الصينية سهّلت النقل الجماعي لمواطني الإيغور وغيرهم من الأقليات العرقية من منطقة أقصى غرب شينجيانغ إلى المصانع في جميع أنحاء البلاد.

ويعمل الإيغور في المصانع الموجودة في سلاسل التوريد لما لا يقل عن 82 علامة تجارية عالمية معروفة في قطاعات التقنية، والملابس، والسيارات.

وقدّر التقرير أن أكثر من 80 ألفًا من الإيغور نُقِلوا خارج شينجيانغ للعمل في المصانع في جميع أنحاء الصين بين عامي 2017 و 2019، وقد أُرسل بعضهم مباشرةً من معسكرات الاعتقال.

وفي الجزء الثاني من التقرير، سنرصد كيف أن العديد من الشركات التقنية المعروفة تتعامل مع مورّدين يجبرون الإيغور على العمل لديهم، لعل أبرزها شركة آبل، التي نعود للحديث عنها بعد قليل بالنظر إلى مكانتها وقيمتها السوقية، والمبادئ التي تزعم أنها تطبقها في عملها.

الشركات الصينية في الطليعة

أما شركات التقنية الصينية فمن غير المستغرب أن تكون من أبرز تلك الشركات وأكثرها عددًا، مثل: هواوي، وفيفو، وأوبو، وميزو، وشاومي، ولينوفو، و ZTE، بالإضافة إلى شركات أخرى غير معروفة. ولكن القائمة شملت أيضًا شركات يابانية، مثل: سوني، وباناسونيك، ونينتندو، وشركات كورية، مثل: سامسونج، وإل جي، وشركات تايوانية، مثل: أسوس، وإتش تي سي، وأيسر.

وفصّل تقرير (المعهد الأسترالي للسياسة الإستراتيجية) عدد الإيغور الذين نُقلوا إلى بعض المورّدين الذين اعتمدت عليهم شركات التقنية، وغيرها. ومن أولئك المورّدين: شركة O-Film التي تصنع الكاميرات والشاشات اللمسية، والتي نُقل إليها عام 2017 نحو 2000 من الإيغور، وهي أبرز المورّدين للشركات الصينية المذكورة آنفًا.

وهناك أيضًا شركة Hubei Yihong Precision المتخصصة في صناعة الشاشات والبطاريات، والتي نُقل إليها عام 2018 نحو 105 من الإيغور، بالإضافة إلى شركة Highbroad Advanced Material التي تنتج الأضواء الخلفية لشاشات OLED، والتي نُقل إليها بين عامي 2017، و2018 نحو 1,045 من الإيغور.

الشركات الأمريكية ضالعة

ومن بين الشركات الأمريكية التي اعتمدت على أولئك المورّدين: شركة جوجل، ومايكروسوفت، وإتش بي، وسيسكو، وأوكولوس، وأمازون، وديل، بالإضافة إلى شركة آبل.

تعد آبل الشركة الأعلى قيمة في العالم. وقد بلغت قيمتها السوقية حديثًا أكثر من 3 تريليونات. ولكن يبدو أنه علينا أن نتساءل عن مصدر هذه الأرباح.

يبدو أن جزءًا من هذه الأرباح جاء من خلال العمل مع شركات تُجبر أقلية الإيغور المسلمة على العمل بالسُّخرة في الصين، وذلك وفق تقرير نشره موقع The Information بعنوان: “سبعة من مورّدي آبل متهمون باستخدام عمالة السُخرة من شينجيانغ”. وجاء فيه: “وجد تحقيق أن مزوّدي آبل شاركوا في برامج العمل التي يُشتبه بأنها جزء من الإبادة الجماعية التي تقوم بها الصين ضد الإيغور”.

وتزعم الصين أنها أطلقت برامج العمل هذه بهدف “الحدّ من الفقر”، ولكن ما رأينا في العديد من وسائل الإعلام يكشف حقيقة برامج “إعادة التأهيل”، أو برامج “الحدّ من الفقر”، أو برامج “الدّمج” التي تقوم بها الصين.

وبحسب تقرير نشرته لجنة حقوقية تابعة للأمم المتحدة عام 2018، فقد احتجزت الصين أكثر من مليون مسلم من الإيغور في معسكرات اعتقال سرية في شينجيانغ، حيث عانوا من التعذيب، والاستغلال الجنسي، والاغتصاب، وأجبروا على التعهد بالولاء للحزب الشيوعي الصيني.

ومع أن الولايات المتحدة تقول إن الصين ترتكب إبادة جماعية ضد الإيغور، إلا أن الشركات الأمريكية لا تتوانى عن العمل مع شركات تستخدم عمال السُّخرة. وبحسب تقرير نشره موقع The Verge التقني في شهر كانون الأول/ ديسمبر 2020، بعنوان: “مزوّد آبل Lens Technology متهمة باستخدام عمالة الإيغور القسرية”، فقد جاء فيه: أن شركة Lens Technology الصينية التي تزود آبل بمكونات الكاميرات لهواتفها تستخدم الآلاف من عمالة السُخرة من الإيغور من شينجيانغ.

آبل لا تتوانى عن استغلال الإيغور

أما تقرير (المعهد الأسترالي للسياسة الإستراتيجية) فقد فصّل عن عمليات آبل في الصين، ووصف كيف أن الآلاف من العمال الإيغور أُرسلوا إلى ما لا يقل عن 4 من مزوّدي شركة آبل، الذين من بينهم شركة O-Film.

ومع أن هذه الشركة استخدمت ما يقرب من 2000 من الإيغور، إلا أن الصادم أن الرئيس التنفيذي لشركة آبل (تيم كوك) زار أحد مصانعها خلال زيارته إلى الصين عام 2017، ولكن ماذا فعل هناك؟ ما كان منه إلا أن أثنى على شركة O-Film لما وصفه بـ “المقاربة الإنسانية تجاه الموظفين”. ولكن شركة آبل حذفتْ هذا البيان الصحفي في وقت لاحق.

وبالعودة إلى الولايات المتحدة، فقد كشف تقرير نشرته صحيفة (واشنطن بوست) في شهر تشرين الثاني/ نوفمبر 2020 بعنوان: “آبل تضغط ضد مشروع قانون يهدف إلى إيقاف أعمال السُّخرة في الصين” أن الشركة تريد تخفيف الأحكام الرئيسية في مشروع القانون، الذي من شأنه أن يُحمِّل الشركات الأمريكية المسؤولية عن استخدام الإيغور للعمل القسري، وذلك وفقًا لموظفي الكونجرس.

وفي تقرير موقع The Information المذكور آنفًا، فقد جاء أن الدليل المكتشف حديثًا يناقض بيانات آبل التي زعمت فيها أنها لم تجد أي دليل على العمل بالسُّخرة. ما يعني أن الشركة تغض الطرف عن هذه الحقائق لأنها هي المستفيدة من العمل بالسُّخرة، إذ إن هذه المصانع تنتج لها ما تريد بالكمية التي تريد، كما أنها تخشى رد فعل حكومة بكين لو أنها عارضت نظام السُّخرة. خاصةً بعد أن غذّت الصين مطلع عام 2021 حملة مقاطعة ضد شركات أمريكية مثل: (نايكي) Nike، التي حُرقت أحذيتها وصُورت في مقاطع فيديو جرى تداولها على مواقع التواصل الاجتماعي.

آبل تخشى نقمة الصين

ولكن لماذا شنّت الصين تلك الحملة على (نايكي)؟ السبب هو أن الشركة تجرأت على المجاهرة برفضها لنظام السُّخرة في شينجيانغ، وهو ما خشيت آبل أن تواجهه إن هي جاهرت برفض نظام السُخرة. فبالنسبة للصين، إن كنت تريد أن تعمل في أراضينا فيجب عليك أن تلتزم بقوانينا حتى وإن لم تعجبك، وللعمل في الصين، فإنك إما أن تؤيد الحزب الشيوعي، أو أنك ستُصنف بأنك معارض له. والجميع يعلم النتائج الوخيمة جراء معارضة الحزب الشيوعي.

ومع أنه من الطبيعي أن تُجبر الشركات الصينية على الامتثال لقوانين الحزب الشيوعي، إلا أن الشركات الأجنبية تمتاز بقدرتها على الاختيار وإيثار المبادئ على مداهنة الحزب الشيوعي.

وفي الموقع الإلكتروني لشركة آبل، وفي سياستها الخاصة بـ “الأخلاق والامتثال”، تقول الشركة: “آبل تمارس أعمالها مراعية الأخلاق، والصدق، والامتثال التام للقانون. إنّنا نعتقد أن الطريقة التي نتعامل بها مع أنفسنا أمر بالغ الأهمية لنجاح آبل في صنع أفضل المنتجات في العالم. وتُعد سياسات سلوك العمل والامتثال الخاصة بنا أساسية لكيفية قيامنا بالأعمال وكيف نضع قيمنا موضع التنفيذ كل يوم”. وتحتها هناك عبارة: “إننا نفعل الشيء الصحيح، حتى حينما لا يكون ذلك سهلاً”. ولكن بالنظر إلى ما تفعله الشركة في الصين يبدو أنها “تفعل الشيء السّهل حتى حينما لا يكون صحيحًا”.

هل أعجبك المحتوى وتريد المزيد منه يصل إلى صندوق بريدك الإلكتروني بشكلٍ دوري؟
انضم إلى قائمة من يقدّرون محتوى إكسڤار واشترك بنشرتنا البريدية.