أستمع الى المقال

شهدنا في السنوات الأخيرة زيادةً في اهتمام الكثير من المستثمرين في قطاع تعدين العملات الرقمية، كما شهدنا في بعض الدول الاعتماد على قطاع التعدين ضمن سياستها في التنوع الاقتصادي لدعم الخطط التنموية.

تعدين العملات المشفرة هي العملية التي يُسمح من خلالها للعملات المشفرة الجديدة أن يتم التداول بها. وهي الطريقة التي يتم فيها التحقق من صلاحية هذه العملات، وتعتبر أيضًا من المكونات الأساسية في صيانة وتطوير سلسلة كتل العملات المشفرة.

يتم تنفيذ التعدين باستخدام أجهزة متطورة تحل مشاكل حسابية معقدة للغاية. أول جهاز كمبيوتر يجد حل هذه المشاكل الحسابية يتلقى كتلة من العملات المشفرة ليقوم بمعالجتها، وتتكرر العملية من جديد.

يُعد تعدين العملات المشفرة عملية مرهقة ومكلفة. ومع ذلك، فإن التعدين يجذب العديد من المستثمرين المهتمين بالعملات المشفرة نظرًا لحقيقة أن الذين يقومون بهذه العملية يتلقون مكافآت مقابل عملهم، والتي تكون عادًة عبارة عن عملات مشفرة. وتعتبر المكافأة التي يتلقاها المعدّنون حافزًا للناس على المساعدة في الغرض الأساسي من التعدين،وهو إضفاء الشرعية على معاملات العملات المشفرة ومراقبتها وضمان صلاحيتها.

مدى دعم التعدين وأسباب تأرجحه

مع زيادة استخدام العملات المشفرة، تزداد اللوائح الخاصة بها في جميع أنحاء العالم، والتي تم وضعها لمحاولة التحكم فيها. فالعملات المشفرة بحالة تطور مستمر، كما أن مواكبة القواعد في مناطق عالمية مختلفة ليس بالأمر السهل. إذ يجب أن يتبع المعدّنون رأي الحكومات بشأن تعدين العملات المشفرة واتخاذ هذا الرأي على محمل الجد.

تختلف القرارات التي تتخذها حكومات الدول بخصوص موضوع تعدين العملات الرقمية من دولة إلى أخرى، منها قرارات مراعية وداعمة لفكرة العملات المشفرة إلى الحظر التام لتعدينها ومعاقبة كل المستثمرين فيها أيضًا.

على سبيل المثال، بدأت حكومة الصين، التي كانت في يوم من الأيام موطنًا لأكثر من نصف عمليات تعدين البيتكوين في العالم، ومنذ مايو / أيار من عام 2021 تتخذ إجراءات صارمة ضد صناعة تعدين العملات الرقمية في جميع أنحاء البلاد. وبالمقابل توجد دول صديقة للتعدين مثل كازاخستان أو بعض الولايات في الولايات المتحدة مثل تكساس، والتي ترى سياساتها أن شركات التعدين المشفرة تقوم بتقوية بنيتها الاقتصادية.

كازاخستان قامت بتقنين تعدين العملات الرقمية رسميًا في عام 2020، مما يؤكد موقفها القانوني تجاه تعديل قانون الضرائب للسماح بفرض الضرائب على تعدين العملات المشفرة على أساس مقدار استهلاك تعدين العملات المشفرة للكهرباء.

يبدو أن هذا هو الاتجاه السائد في البلدان التي تبدأ فيها أعمال تعدين العملات الرقمية في الترسّخ. حتى إذا حافظت حكومات هذه الدول على موقف ودي أو محايد على الأقل من تعدين العملات الرقمية، فإن استهلاك التعدين الكثيف للطاقة قد يجبر التدخلات الحكومية على تقنين وتخصيص كمية الكهرباء المقدمة لمشغلي معامل العملات المشفرة كما حصل في إيران، حيث تم إنشاء نظام ترخيص لأعمال تعدين العملات المشفرة ومع ذلك، فإن انقطاع التيار الكهربائي الذي حدث في صيف عام 2021 أجبر الحكومة على إصدار حظر لمدة أربعة أشهر على جميع عمليات التعدين.

لوائح العملات المشفرة حول العالم

الولايات المتحدة

في حين أنه من الصعب العثور على نهج قانوني موحّد على مستوى الولايات، تواصل الولايات المتحدة التقدم في تطوير تشريعات العملة المشفرة الفيدرالية. لا تعتبر شبكة مكافحة الجرائم المالية “FinCEN” العملات المشفرة بمثابة عملة قانونية، ولكنها تعتبر بورصات العملات المشفرة بمثابة أجهزة تجول للأموال على أساس أن العملات المشفرة هي قيمة أخرى تحل محل العملة القانونية. كما لا تعتبر دائرة الإيرادات الداخلية “IRS” العملة المشفرة عملة قانونية، ولكنها تعرفها على أنها تمثيل رقمي للقيمة، وتعمل كوسيط للتبادل أو كوحدة حساب، وقامت بإصدار ضريبة وفقًا لذلك.

المملكة المتحدة

قامت المملكة المتحدة أيضًا بتحديد نهجها تجاه لوائح العملات المشفرة. وعلى الرغم من عدم وجود قوانين خاصة بالعملات المشفرة في المملكة المتحدة، إلا أن العملات المشفرة لا تعتبر عملة قانونية ولدى البورصات المتعلقة بالعملات المشفرة متطلبات تسجيل خاص فيها. أصدرت هيئة الإيرادات والجمارك “HMRC” موجزًا عن المعاملة الضريبية للعملات المشفرة مشيرة إلى أنه لا يمكن مقارنتها بالاستثمارات أو المدفوعات التقليدية، وأن خضوعها للضرائب يعتمد على الأنشطة والأطراف المعنية. أما بالنسبة للمكاسب والخسائر الناتجة عن العملات المشفرة فهي تخضع لضريبة الأرباح الرأسمالية.

الصين

حظر بنك الشعب الصيني “PBOC” المؤسسات المالية من التعامل مع معاملات البيتكوين في عام 2013، وذهب إلى أبعد من ذلك من خلال حظر عمليات تبادل العملات المشفرة المحلية في عام 2017.

تتمتع الحكومة الصينية بسمعة عالمية قاسية بخصوص لوائحها للتعامل مع العملات المشفرة. وبموجب تعديل في عام 2020 على القانون المدني الصيني قضت الحكومة بأن العملات المشفرة مسموحة أن تكون بمثابة الأملاك في الميراث.

لوائح العملات المشفرة في الشرق الأوسط

الإمارات العربية المتحدة

يُقدر أن الإمارات العربية المتحدة هي ثالث أكبر سوق تشفير في الشرق الأوسط حيث تقدر قيم المعاملات الإجمالية للعملات الرقمية بحوالي 26 مليار دولار.

فقد أدرجت سلطة دبي للخدمات المالية جدول تنظيمي للعملات المشفرة في خطة أعمالها لعام 2021 للشركات العاملة في مركز دبي المالي العالمي. وفي أوائل عام 2022 أعلنت دولة الإمارات العربية المتحدة عن برنامج ترخيص يتم إطلاقه، مؤكدة على رغبتها في بناء نظام بيئي للتعدين في المنطقة.

كما وأصدرت هيئة الأوراق المالية والسلع الإماراتية 144 لائحة في عام 2020 والتي تسعى إلى توضيح كيفية استخدام العملات المشفرة والأصول الرقمية الأخرى كقيمة مخزنة عند شراء سلع وخدمات مختلفة.

المملكة العربية السعودية

في السنوات الأخيرة عملت المملكة العربية السعودية مع الإمارات العربية المتحدة لجذب شركات التشفير إلى المنطقة. من المؤكد أن التشفير سيلعب دورًا مهمًا في جهود الدولة طويلة المدى لتنويع اقتصادها. فقد بدأ البنك المركزي السعودي في استخدام تقنية سلاسل كتل العملات المشفرة في أنشطته في القطاع المصرفي، وذلك لمواكبة توجهات السوق.

وأقر البنك المركزي السعودي أن العملات المشفرة ليست عملة قانونية، لكن يمكن قبول البيتكوين من قبل الشركات الصغيرة والتّجار. ولكن حذّر البنك المركزي السعودي ووزير المالية من التعامل أو الاستثمار في العملات الافتراضية بما في ذلك العملات المشفرة؛ لأنها غير معترف بها من قبل الكيانات القانونية في المملكة، وهي خارج نطاق الإطار التنظيمي، ولا يتم تداولها من قبل المؤسسات المالية محليًا.

مصر

حظّرت الحكومة المصرية تداول العملات المشفرة في عام 2018، وأشار البنك المركزي المصري إلى أهمية المادة 206 من قانون البنك المركزي والنظام المصرفي الصادر بالقانون رقم 194 لسنة 2020 الذي ينص على حظر إصدار أو تداول أو ترويج للعملات المشفرة، كما أن القانون يحظّر أيّ منصات أو أي أنشطة أخرى متعلقة بالتشفير.

ولكن على الرغم من الحظر، فإن العديد من منصات تداول العملات المشفرة الدولية، أبلغت عن نمو كبير في عدد المستخدمين في البلاد في السنوات الأخيرة.

الكويت

لا تعترف حكومة الكويت بالعملة المشفرة كعملة قانونية في الدولة وقد اتخذت الحكومة موقفًا ضد تبني عملات البيتكوين وغيرها من العملات المشفرة كأموال قانونية بسبب تقلبها الشديد. ومما يزيد الموقف سوءًا هو أن العديد من المجرمين يستخدمون العملات المشفرة كوسيلة لنقل الأموال المكتسبة من الأنشطة غير المشروعة مما زاد من الشكوك لدى الدولة حول استخدام العملات الإفتراضية.

وحظّر بنك الكويت المركزي البنوك التجارية والسلطات المالية الأخرى من معالجة أي معاملات تتم بعملة البيتكوين منذ عام 2017. كما أصدر بنك الكويت المركزي بيانًا في مايو / أيار عام 2021 للتأكيد على أن العملات المشفرة لا تزال غير قانونية في البلاد. كما وأصدر -بنك الكويت المركزي- أيضًا إرشادات وتحذيرات لمواطنيه فيما يتعلق بمخاطر الاستثمار في العملة المشفرة.

العراق

منع البنك المركزي العراقي، استعمال البطاقات والمحافظ الإلكترونية لغرض المضاربة والتداول بالعملات الرقمية بجميع أنواعها، وإخضاع المتعاملين بها لأحكام قانون غسل الأموال رقم (39) لسنة 2015 والقوانين والتعليمات الصادرة بموجبه،

وكما حذّر البنك المركزي العراقي في 2021/11/11، من التعامل بالعملات الرقمية، نظرًا إلى المخاطر الكبيرة للعملات المشفرة وما ينجم عن تداولها لاسيما فيما يتعلق بالقرصنة الإلكترونية والاحتيال، وعدم خضوعها لأيّة ضوابط أو تشريعات قانونية أو رقابية في العراق. 

الأردن

أصدر البنك المركزي الأردني بياناً حذّر فيه المواطنون الأردنيون من التعامل بكافة أنواع هذه العملات، لما ينجم عنها من مخاطر بسبب عدم استقرار قيمتها، ناهيك عن الجرائم المالية والقرصنة الإلكترونية وخطر خسارة قيمتها، بالإضافة إلى المخاطر القانونية التي تكتنف التعامل بهذه العملات، حيث لم يتم تصنيف العملات المشفرة  كأموال وممتلكات خاصة طبقاً للتشريعات والقوانين والأنظمة النافذة في المملكة الأردنية، بسبب افتقارها لغطاء مادي وعدم صدورها من جهات مرخصة. ورغم تحذيرات المركزي الأردني، فقد كشف تقرير لموقع Al-Monitor الأمريكي في فبراير / شباط 2022، أن نحو 129 ألف أردني يتداولون العملات المشفرة، ومعظمهم من الذكور. وذلك عن طريق وسطاء في الخارج أو الدفع نقدا لمالك العملة.

وتجدر الإشارة إلى أن القانون الأردني لا يُجرم التعامل بالعملات الرقمية، لكن توجيهات وسياسات البنك المركزي تمنع المواطنين من التعامل بهذه العملات.

لبنان

حذر مصرف لبنان بحسب القرار الأساسي رقم 7548 تاريخ 30/3/2000 المتعلق بالعمليات المالية والمصرفية بالوسائل الإلكترونية لا سيما المادة 3 منه التي تحظر شراء أو حيازة أو استعمال العملات المشفرة من أي كان والتعامل بها بأي شكل من الأشكال، ذلك نظراً للمخاطر التي قد تنتج عن التعامل بالنقود الافتراضية خصوصا الـبيتكوين، فهي لا تخضع لأي تشريعات أو تنظيمات وفي حال تعرض المواطن لأي خسائر فلا يوجد أي إطار حماية قانوني يؤمن استرجاع الأموال التي تم بها شراء هذه النقود. واستعمالها لنشاطات إجرامية خاصة لتبييض الأموال وتمويل الإرهاب.

الجدير بالذكر أن مصرف لبنان لم يقم بتجريم التعامل وحيازة العملات الرقمية، لكنه قام بتوجيه مجموعة من تحذيرات للمواطنين وتوضيح مخاطر التعامل بهذه العملات.

سوريا

بالرغم من تسريب بعض التصريحات لمسؤولين سوريين حول اعتماد العملات المشفرة من قِبل مصرف سوريا المركزي، وأن هذه الخطوة مؤجلة وليست ملغاة، لكن حتى هذه اللحظة لا يوجد أي توضيح حول موقف المركزي السوري فيما يتعلق بتداول العملات الرقمية، وليس هناك أي تحذير أو حظر للتداول بالعملات المشفرة في سوريا. 

مستقبل التعدين في المنطقة

حكومات الشرق الأوسط ستضع لوائح التشفير عاجلاً أم آجلاً ويرجع ذلك إلى الانتشار المتزايد لهذه الأصول داخل المنطقة. فدولة الإمارات على سبيل المثال، تقود المنطقة نحو انفتاح كبير على التعدين والتداول، و يقال أنّها تخطّط لإصدار ترخيص تشفير اتحادي لمقدمي خدمات الأصول الافتراضية قريبًا، وكما أفادت Bloomberg أن هيئة الأوراق المالية والسلع الإماراتية في المراحل النهائية من وضع اللمسات الأخيرة على القوانين التي من شأنها أن تسمح لشركات الأصول الرقمية بتأسيس قاعدة لها في دولة الإمارات، ومن المرجّح أيضًا أن تحذو حذوها العديد من الدول الأخرى في الشرق الأوسط.

وعلاوة على ذلك، من المرجح أيضًا أن يؤدي الإطلاق الرسمي للعملات الرقمية المحلية إلى تعزيز الاستثمار في العملات المشفرة في هذه المنطقة. والحاجة إلى بذل المزيد من الجهود من أجل ضمان تنظيم معاملات العملة المشفرة بالكامل.

هل أعجبك المحتوى وتريد المزيد منه يصل إلى صندوق بريدك الإلكتروني بشكلٍ دوري؟
انضم إلى قائمة من يقدّرون محتوى إكسڤار واشترك بنشرتنا البريدية.