سماسرة البيانات .. شركات تتاجر في الخفاء بمعلوماتك الشخصية دون إذنك

سماسرة البيانات .. شركات تتاجر في الخفاء بمعلوماتك الشخصية دون إذنك
أستمع الى المقال

في عصر الإنترنت، الذي أصبح جزءًا مهمًا من حياتنا، كأني أراك ترى شيئًا يعجبك على الويب؛ فتنقر زر الإعجاب، أو ترى شيئًا لا يعجبك فتنشر تعليقًا، أو تغريدة تعبّر فيها عن رأيك. وإن دخلت في علاقة جديدة حدَّثت حالتك الاجتماعية على مواقع التواصل الاجتماعي، وإن أردت قراءة الأخبار، فإنك تقرأها من الإنترنت.

وحين تتاجر بالأسهم، فإنك تستخدم تطبيقًا لذلك، وإن كنت مهتمًا بشراء ملابس جديدة، فإنك تتسوقها عبر الإنترنت، وحينما تتفقد سعراتك الحرارية، فإنك تستخدم تطبيقًا لذلك.

وإن كان لديك تساؤل عن أمر ما، فإنك تستخدم محرك البحث جوجل لمعرفة الإجابة. وقد يصل الحال إلى أنك قد تبحث عبر جوجل أيضًا عن الحلول الشافية لمشكلات اليومية. وفي النهاية، فإنك لا تنسى أن تأخذ هاتفك معك، إذا قررت الخروج من المنزل. ولكن قد تسألني: وما الضير في كل ذلك؟

حسنًا، قد تكون هذه من الممارسات اليومية التي نفعلها جميعًا، ولكن الأمر أعقد مما نتصور، فأنت من خلال فعل ما ذكرته آنفًا، وباستخدام المواقع، والخدمات، والتطبيقات على الويب، فإنك تكون قد قدمت اسمك، وعمرك، وطولك، ووزنك، ومكان إقامتك، ومكان عملك، وأسرتك، وأصدقاءك، وما يعجبك، وما لا يعجبك، ورقم هاتفك، وبريدك الإلكتروني، وحالتك الصحية، وعاداتك، ورصيدك الائتماني، ومعتقداتك السياسية، ومعتقداتك الدينية، وما سوى ذلك الكثير من البيانات التي قد تكون في عينك رخيصة، ولكنها سلعة نفسية في عين غيرك. والآن، هل تسألني، ومن ذا الذي يطمع في هذه المعلومات؟

دعني أخبرك أنهم كثيرون، ولكن لنبدأ، على سبيل المثال، بالمعلنين، فمع هذا القدر من البيانات، فإنه يمكن للمعلنين أن يحددوا بدقة الوجهة الفضلى لاستهدافها بإعلاناتهم، ولكن من أين لهؤلاء المعلنين أن يحصلوا على بياناتك، وهل الأمر بهذه السهولة؟

والجواب الصادم أن الأمر أسهل مما تتصور، لأنك ما إن تشارك هذه المعلومات على الإنترنت، فإن “سماسرة البيانات” يتلقفونها وكأنها نقود تهطل عليهم من السماء، ثم يبيعونها للشركات الأخرى.

سماسرة البيانات

قد تكون الآن؛ ما إن سمعت بمصطلح “سماسرة البيانات”، تتخيل عمالقة التقنية، مثل: جوجل، وفيسبوك، وغيرهما، ولكن الحديث هنا عن شركات أخرى متخصصة في هذا المجال، ويبلغ عددها أكثر من 4,000 شركة في الولايات المتحدة فحسب، وهي شركات تعمل في الخفاء، حيث تبحث في الإنترنت بهدف جمع كافة البيانات المتوفرة عنك دون علمك، ثم يعملون على التفاوض مع الشركات الأخرى الراغبة بالحصول عليها مقابل أرباح بملايين الدولارات، كل ذلك من خلف ظهرك، ودون أن تستفيد أنت أي شيء منها.

ولكن كيف تجري هذه العملية؟

الحصول على البيانات

إن أردنا التّربح من معلومات المستخدمين، فعلينا أولاً أن نبدأ بجمع تلك البيانات، قد يبدو الأمر صعبًا، أليس كذلك؟ فمن ذا الذي يفصح عن بياناته للأخرين بتلك السهولة. ولكن دعني أخبرك بأن الأمر أسهل مما تتصور؟ إذ إن الناس أصبحوا في هذه الأيام يفصحون عن بياناتهم بطوع إرادتهم دون أن يدركوا بأن هذه البيانات يمكن أن تُستخرج وتُباع.

دعنا نبدأ الحديث عن المعلومات العامة، مثل: الأشياء التي تجد الناس يشاركونها للعامة على مواقع التواصل الاجتماعي، خاصةً فيسبوك، ولا يحتاج أي أحد إلى اختراقها، فالناس يشاركون بمحض إرادتهم: صورهم، ومعلوماتهم، وأفكارهم، والصفحات التي تعجبهم، والأماكن التي سبق لهم أن زاروها، وعلاقاتهم، وهواياتهم، وقوائم الأصدقاء، وغير ذلك الكثير.

ولكن يبدو أن هذا القدر من البيانات قد لا يكون كافيًا، فسماسرة البيانات يحتاجون إلى معلومات أكثر تفصيلًا، فيتوجهون إلى الشركات التي لا ترى بأساً في بيع بيانات عملائها، خاصةً متاجر التجزئة التي وجدت أن لديها مصدرًا ثانوياً للدخل، إذ إن البيانات الخاصة بعملائها، والتي تحصل عليها من بطاقات الشراء التي تقدمها للعملاء، والتي تمتاز بأنها تمتلك القيمة ذاتها، أو ربما أعلى من المنتج الفعلي أو الخدمة التي تبيعها المتاجر للعملاء.

وبالإضافة إلى ذلك، فإن مواقع الويب، مثل: الإخبارية والترفيهية، والخدمات المجانية على الويب، ولعلها أشهر خدمات جوجل، مثل: جيميل، وخرائط جوجل، وغيرهما، تلجأ إلى تخزين معلومات عن المستخدمين ثم تبيعها، وذلك بفضل ما يُسمى (ملفات التعريف الشخصية) أو (كوكيز)، التي يمكنها تعقّب نشاطك على الويب. وقد يصل عدد الشركات التي تشتري تلك المعلومات من المواقع إلى العشرات، وربما المئات.

قد يخطر على بالك الآن سؤال: “هل ما تفعله تلك المواقع مشروع قانونيًا؟”. والجواب: إنه قانوني، لأنك أنت من وافق على أن تفعل تلك المواقع ما تريد بمعلوماتك بمجرد النقر على زر (موافق) الذي يظهر لك بعد شروط الخدمة التي لا تتكبد عناء قراءتها لأنك إن لم توافق عليها فلن تتمكن من استخدام تلك الخدمة المجانية. بالإضافة إلى زر الموافقة الذي يظهر على مواقع الويب والخاص بملفات التعريف الشخصية.

ولأن معظم الناس قد لا تدرك أهمية ما تفعل من خلال الموافقة على كل ذلك، إلا أن ذلك يسمح لسماسرة البيانات بالوصول إلى أي بيانات مَهما كانت قليلة وصغيرة، إلا أنها معًا تشكل كنزًا لهم يساعدهم في المرحلة التالية من هذه العملية.

التوصيف والتشخيص

ألا ترى أن البيانات ليست مجرد قطع عشوائية من المعلومات، فما تمثله البيانات حقًا هو “السلوك البشري”، وبالنسبة لسماسرة البيانات، فإن تلك البيانات تساعدهم على بناء منتج خاص، وذلك بعد تجميع، وفرز، وتصنيف كل تلك البيانات التي حصلوا عليها من كل أولئك الناس الذي وافقوا على مشاركة بياناتهم.

بعد ذلك، يبدأ سماسرة البيانات، باستخدام الخوارزميات، بإنشاء ملفات شخصية، فمع أنهم لا يبالون بما يحبه الناس وما يفضلونه من علامات تجارية، أو رياضيات، أو هوايات، أو متاجر، إلا أنهم يبحثون عن ما يُسمى “الأنماط”، فمع كل تلك البيانات التي جمعوها، فيمكنهم البدء بالتّعرف على أنماط عن سلوكك، وشخصيتك.

فبالنظر في إعجاباتك على فيسبوك، فإن سماسرة البيانات يحددون بدقة توجهاتك السياسية، وبالنظر في المواقع التي تتردد عليها، فإنهم يحددون مكان إقامتك، ومكان عملك، والمطاعم والمنازل التي تفضّل زيارتها. وبالنظر في بياناتك الائتمانية، فإنهم يحددون مستوى دخلك، وما إن كان عليك دين. وبالنظر في جهات الاتصال، فإنهم يعرفون أصدقاءك المقربين، وكم مرة تتصل بهم، ومدى صحة العلاقة. وبالنظر في سجل البحث على الإنترنت، فإنهم يعرفون مخاوفك الصحية، وتوجهاتك الدينية، واهتماماتك.

قد يهمّك أيضًا: الصين منزعجة من إفراط بعض التطبيقات في جمع البيانات الشخصية

إن كل هذه التوقعات عن سلوكك تسمح لهم بإنشاء ملف شخصي لكل فرد في قاعدة البيانات. ويمكن لهذا الملف الشخصي إعطاء تفاصيل أكثر عن شخصيتك، وكيف تفكر، وكيف يمكن أن تتصرف، وهذا هو المنتج الذي يطمح إليه سماسرة البيانات. فبعد أن يحصلوا على الملفات الشخصية للناس، فإن المرحلة التالية من العملية تبدأ، وهي البيع.

وكان موقع Motherboard قد نشر تقريرًا مطلع شهر أيلول/ سبتمبر عام 2019 ذكر فيه أن أقسام السيارات في ولايات أمريكية تأخذ المعلومات الشخصية للسائقين وتبيعها لآلاف الشركات، ومن ذلك: المحققون الخاصون الذين يتجسسون على الأشخاص لتحقيق الربح.

وتبيع أقسام السيارات البيانات لمجموعة من الأغراض المعتمدة، مثل التأمين أو لشركات سحب السيارات. وقد حقق العديد من الولايات الأمريكية عشرات الملايين من الدولارات من بيع البيانات سنويًا.

بيع هويتك

قد تتساءل الآن: “لمن سيبيع سماسرة الإنترنت هويتي الإلكترونية”. والجواب: لكل من يهمه ذلك، ومن أبرز المشترين في هذه الأيام هي شركات التسويق.

فإن كان لدينا قائمة بالناس الذي لديهم اهتمامات بالصحة، فإن مؤسسات تجارية، مثل: الصالات الرياضية، والمدربين الصحيين، والمطاعم التي تراعي الطعام الصحي، وكتب وصفات الطعام، وخدمات اللياقة البدنية، وغيرها الكثير ممن تتعطش إلى هذه القوائم، تسعى إلى الحصول عليها لتوفّر على نفسها بعض الإنفاق في الإعلانات من خلال استهداف الأشخاص المناسبين.

ولكن هل يتوقف ذلك عند هذا الحد؟ بالطبع لا، فتلك الملفات الشخصية التي ذكرناها آنفًا يمكنها أن تحدد أشياء أخرى عنك، مثل: مدى خطورة نمط الحياة الذي تتبعه، وهذا ما تبحث عنه شركات التأمين. وماذا عن الحكومات، التي تتعطش هي الأخرى إلى معرفة موقعك بدقة، خاصةً إن كانت في دائرة اهتماماتهم.

ولكن ماذا عن سماسرة البيانات الآخرين، نعم، إن سماسرة البيانات يبيعون منتجاتهم لغيرهم من سماسرة البيانات، فهذه الصناعة هي عبارة عن شبكة من السماسرة الذي يبحثون عن أدّق التفاصيل عن كل شخص منا لبيعها والتّربح منها.

وبعد كل هذا الكلام، قد يتبادر إلى ذهنك سؤال مهمٌّ واحد، وهو: “وهل عليّ أن أهتم بكل ذلك؟”.

إن كنت قد ولِدت في عالم من التجسس والإنترنت، فإنك لا بد تعرف أن بيانات متاحة للجميع، وقد لا تهتم بذلك، وذلك من مبدأ: “ليس عندي شيء أخفيه، إذن لا داعي للخوف”.

لذا فإن صناعة سماسرة الإنترنت تعزف على وتر معضلة شهيرة، وهي: إن كانت معلوماتك تُباع مقابل أن تستخدم مواقع الويب، والتطبيقات، والخدمات مجانًا، فالأمر غير مهم. أضف إلى ذلك، فإن هذه البيانات قد تُستخدم لأسباب أخرى خيّرة، مثل: تعقب المجرمين، والتنبؤ بالأوبئة، ومعالجة الأمراض، وإيجاد الأدوية، وقد تُستخدم لتحسين الخدمات، وجودة المنتجات التي نستخدمها.

ولكن ماذا إن وقعت تلك البيانات في الأيدي الخاطئة، فماذا لو باع سماسرة البيانات أو الشركات تلك المعلومات لشخص دون معرفة النوايا الحقيقية وراء شرائها لها، أو لحاكم متسلط يستخدم تلك المعلومات ضد مواطنيه، فهل عساك تهتم لذلك، أم أن القطار قد فات، لأن بياناتك بعد أن تصبح على الإنترنت لا تعود ملكًا لك.

ولعل أبرز حالة على ذلك، ما كشفت عنه دعوى قضائية في الولايات المتحدة، حيث قالت شركة X-Mode المتخصصة ببيع بيانات المستخدمين للشراء، إن معلومات الموقع التي باعتها لشركة NybSys قد أُسيء استخدامها.

وقالت X-Mode إن بيانات الموقع الأولية – التي تجمعها من خلال تضمينها مباشرة في تطبيقات مختلفة – هي سر تجاري ترخّصه لشركات أخرى في ظل شروط صارمة لعدم إعادة بيع البيانات في شكلها غير المُجمَع. بعبارة أخرى، يمكن للشركات التي ترخّص هذه البيانات مشاركة استنتاجات وتحليل تلك المعلومات، ولكن ليس بيانات الموقع الدقيقة.

وزعمت X-Mode أن NybSys انتهكت تلك الشروط وأعادت بيع بيانات الموقع الأولية إلى شركة أخرى تسمى LocalBlox، التي كانت قد حُظرت من منصة X-Mode في نيسان/ أبريل 2020 لفعلها الشيء نفسه.

وكان تقرير قد نُشر عام 2020 كشف أن شركة X-Mode قد باعت بيانات الموقع التي جمعتها من تطبيق MuslimPro إلى جهات عسكرية

ووجد التقرير أيضًا أن الشركة باعت بيانات الموقع إلى شركة استخبارات خاصة تتعقب الأشخاص حتى “عتبة منازلهم”، على الرغم من عدم معرفة سبب استخدام هذه البيانات أو البيانات التي بِيعت للجيش في نهاية المطاف.

الخاتمة:

بعد أن استعرضنا صناعة سماسرة الإنترنت، وكيف تعمل، دعونا نذكّر بأن معظم المواقع، والتطبيقات، والخدمات على الإنترنت تحتاج إلى بيع البيانات لكي تحافظ على استمراريتها. لذا، هل تُفضّل أن تَدفع مقابل استخدام الخدمات المجانية التي تحتاج إليها كل يوم، أم أنك لا تبالي بأن تبيع بياناتك مقابل الحافظ على المجانية.

هل أعجبك المحتوى وتريد المزيد منه يصل إلى صندوق بريدك الإلكتروني بشكلٍ دوري؟
انضم إلى قائمة من يقدّرون محتوى إكسڤار واشترك بنشرتنا البريدية.