حفاظًا على أمنها: الولايات المتحدة تستمر بحظر الشركات الصينية على أراضيها

حفاظًا على أمنها: الولايات المتحدة تستمر بحظر الشركات الصينية على أراضيها
أستمع الى المقال

صوتت هيئة تنظيم الاتصالات الأمريكية لإلغاء ترخيص شركة China Telecom؛ أكبر شركة اتصالات صينية في الولايات المتحدة، بسبب مخاوف من تهديداتٍ محتملة من الشركات الصينية تمس الأمن القومي الأمريكي. وبموجب هذا القرار، يجب على الشركة الآن إيقاف خدماتها في الولايات المتحدة في غضون 60 يومًا.

وقالت لجنة الاتصالات الفيدرالية أن شركة China Telecom تخضع للاستغلال والتأثير والسيطرة من قبل الحكومة الصينية، ومن المرجح جدًا أن تُجبر على الامتثال لطلبات الحكومة الصينية دون إجراءات قانونية كافية تخضع لرقابة قضائية مستقلة.

وأدت هذه الأخبار إلى انخفاض حاد في أسهم شركات التكنولوجيا الصينية المُدرجة في الولايات المتحدة، كما عانت أسهمها في هونغ كونغ من عمليات بيع ضخمة، مما أدى إلى انخفاض مؤشر هانغ سنغ؛ المؤشر الرئيسي لأداء السوق العام في هونغ كونغ، بأكثر من 1%. كما كان قد خسر المؤشر أكثر من 3%، مع تلقي شركات Tencent وعلي بابا و JD.com و XD للخسائر جراء قرارات الحظر.

تقويض الشركات الصينية في الولايات المتحدة

لم يكن هذا القرار مفاجئًا للكثيرين، ففي مارس/آذار الماضي، حددت لجنة الاتصالات الفيدرالية كذلك أن خمس شركات صينية أخرى، غير المذكورة أعلاه، تشكل تهديدًا للأمن القومي بموجب قانون عام 2019 الذي يهدف إلى حماية شبكات الاتصالات الأمريكية. وشملت تلك الشركات هواوي و ZTE و Hytera و Hangzhou Hikvision و Zhejiang Dahua.

وقالت رئيسة لجنة الاتصالات الفدرالية بالإنابة جيسيكا روزنوورسيل في بيانٍ حينها: “توفر هذه القائمة إرشادات ذات مغزى من شأنها ضمان أنه مع بناء شبكات الجيل التالي في جميع أنحاء البلاد، فإنها لا تكرر أخطاء الماضي أو تستخدم معدات أو خدمات من شأنها أن تشكل تهديدًا للأمن القومي للولايات المتحدة أو بأمن وسلامة الأمريكيين”.

واستخدم قانون 2019 معايير من مشروع قانون تفويض الدفاع الذي حدد سابقًا الشركات الصينية الخمس على أنها مصدر تهديد. وفي أغسطس/آب 2020، أصدرت الحكومة الأمريكية لوائح تمنع الوكالات من شراء سلع أو خدمات من أي من الشركات الصينية الخمس.

وفي يوليو/تموز المنصرم، أضافت إدارة بايدن 14 شركة صينية وكيانات أخرى إلى قائمتها الاقتصادية السوداء بشأن انتهاكات حقوق الإنسان المزعومة والمراقبة عالية التقنية في شينجيانغ.

وقالت وزارة التجارة إن الشركات “متورطة في انتهاكات وتجاوزات لحقوق الإنسان في تنفيذ حملة الصين للقمع والاحتجاز الجماعي والمراقبة عالية التقنية ضد الأويغور والكازاخستانيين وغيرهم من الأقليات المسلمة في منطقة شينجيانغ الأويغورية ذاتية الحكم. بينما نفت بكين الانتهاكات المزعومة.

أما من طرفها، حثت الصين الولايات المتحدة على التوقف عن حظر الاستثمار الأمريكي في الشركات الصينية بعد أن وسعت إدارة بايدن القائمة السوداء لتشمل عشرات الشركات لعلاقاتها المزعومة بقطاعات عسكرية أو تقنيات مراقبة محلية.

وردًا على ذلك، تعهدت الصين بحماية الحقوق المشروعة لشركاتها ودعت الولايات المتحدة إلى اتباع سيادة القانون. وقال المتحدث باسم وزارة الخارجية الصينية إن هذه الخطوة قوضت بشدة قواعد السوق العادية والنظام وأضر بمصالح المستثمرين العالميين. وأضاف أن القائمة السوداء “ذات دوافع سياسية” و “تتجاهل الحقائق والوضع الفعلي” للشركات المعنية.

الحوكمة الرقمية الصينية وتحديات أمريكية وحلول مقترحة

يخلق الترابط التقني بين الولايات المتحدة والصين مجموعة من التحديات لتدفقات البيانات عبر الحدود وخصوصية البيانات وأمن البيانات. وتمتد هذه التحديات إلى ما هو أبعد من المخاطر التقليدية للتجسس الإلكتروني وحماية الملكية الفكرية إلى مشاكل جديدة مروعة في إدارة الكميات الهائلة من البيانات التي تم إنشاؤها بواسطة التقنيات الرقمية التي تدعم الاقتصاد العالمي.

وإذا ما أرادت الولايات المتحدة الحفاظ على سيطرتها، فقد حان الوقت لاقتراح رؤيةً شاملة لحوكمة الإنترنت. فالتقاعس عن العمل يعني التنازل عن القيادة لأوروبا والصين وحكومات أخرى؛ لأن هذه القواعد في مراحل متقدمة، والاقتصاد الرقمي يعيد تشكيل العالم.

لكن المشكلة تكمن في أن الفرق بين خصوصية البيانات والأمن القومي غير واضح في المواجهة التكنولوجية بين الولايات المتحدة والصين. على سبيل المثال، واجهت آبل انتقاداتٍ بسبب تخزين مفاتيح التشفير في الصين لحسابات مستخدمي iCloud، مما قد يجعلها عرضةً لطلبات الوصول بموجب النظام القانوني الصيني.

ومنذ ما يقرب من عقدين من الزمن، أصبحت شركة ياهو مثالاً للسيناريو الأسوء عندما سلمت الشركة محتوى البريد الإلكتروني إلى السلطات الصينية؛ مما أدى إلى حكم بالسجن لمدة عشر سنوات لأحد المعارضين. هذا بالطبع إضافةً إلى الفضائح العديدة التي تكشف استخدام الحكومة الصينية البيانات من إحدى شركاتها المتوزعة حول العالم في خدمة مآربها خارج حدودها.

مجتمعة، تكشف هذه الاختراقات المختلفة عن مجموعة متشابكة من القضايا التي تؤثر على الحريات المدنية والأمن القومي للبلدان والشعوب، وهذا ما يجعل الأمر يتجاوز كونه منافسةً تكنولوجيةً بين الولايات المتحدة والصين.

ما الحلول المقترحة إذن؟ يجب أن تتدفق البيانات بحرّية في جميع أنحاء العالم للحفاظ على التجارة الرقمية عبر الحدود، فمن غير الصحي أن تظل مقيدةً على أساس الجغرافيا. كما يجب ألا يكون لدى أي شركة إمكانية الوصول إلى البيانات الحساسة والاحتفاظ بها في المقام الأول، وألا يكون مشرّعًا نقل البيانات المُحتفظ بها إلى حكومة يمكن أن تستخدمها لإلحاق الأذى أو اختراق الجهات الحكومية الأخرى.

كما يمكن الاستفادة من الحلول الأخرى التي تقدمها تقدمها قطاعات أخرى؛ كاستخدام “التسلسل الضحل” في التكنولوجيا الحيوية على سبيل المثال، حيث يتم استخدام جزء فقط من تسلسل الجينوم بدلًا من استخدام البيانات الوراثية البشرية اللازمة لتطوير علاجات للأمراض.

لكن يجب أن تسير هذه الأنواع من الحلول التقنية جنبًا إلى جنب مع حلول السياسات، لا سيما عندما يتعلق الأمر بمشاركة أنواع معينة من البيانات الحساسة مثل البيانات الصحية أو بيانات النشاط المكاني.

الدوافع والآثار المحتملة 

إن قرارات حظر شركاتٍ متفرقة، سواءً ثبت تورّطها في تسريب البيانات للحكومة الصينية أم لا، في رأي الكاتب، ليس بالطريقة المثلى لمعالجة المعضلة، إذ تحتاج الحكومات إلى معالجة مخاطر الأمن القومي المشروعة حيثما وُجدت وكجزءٍ واحد من مبادرة أوسع نطاقًا بشأن خصوصية البيانات ووضع معايير أعلى للأمن السيبراني تمتثل لها جميع الشركات.

ولا ينبغي لهذه الجهود أن تنشغل بالصين كجهةٍ فاعلةٍ سيئة والتأهب لحركتها التالية، ولكن بدلاً من ذلك، يجب أن ينصبّ التركيز على وضع معيارٍ عالٍ تمتثل له جميع الشركات ويحمّلها المسؤولية في إدارة بياناتها ويشمل حوافز لحكومات البلدان الأخرى للتوقيع.

لكن على الجانب الآخر، قد تكون هذه قرارات الحظر هذه مدفوعةً بأمرين لابد على الولايات المتحدة الامتثال لهما؛ وهما إرادة الشعب وتطبيق سياسة الضغط.

فبالنسبة للأولى؛ تقول الغالبية العظمى من الأمريكيين -الجمهوريين والديمقراطيين على حد سواء- إن الولايات المتحدة يجب أن تحاول تعزيز حقوق الإنسان في الصين، حتى لو كان ذلك يضر بالعلاقات الاقتصادية بين البلدين، وذلك وفقًا لمسحٍ أجراه مركز “بيو” للأبحاث في فبراير/شباط الماضي. وتزامنت هذه النتيجة مع أول مكالمة هاتفية للرئيس جو بايدن مع الرئيس الصيني شي جين بينغ أعرب الأول فيها عن مخاوف كبيرة بشأن حملة القمع التي تمارسها تلك الدولة في هونج كونج وانتهاكات حقوق الإنسان ضد سكانها من الأويغور.

فعلى عكس القضايا الأخرى المتعلقة بالصين، هناك القليل من الاختلاف الحزبي حول هذه المسألة، حيث أن 72% من الجمهوريين والمستقلين الذين يميلون إلى الحزب الجمهوري يؤيدون التأكيد على حقوق الإنسان، كما هو الحال بالنسبة للـ 69% من الديمقراطيين وأتباعهم.

ويُذكر أن أحد أبرز انتهاكات حقوق الإنسان التي استعانت فيها الحكومة الصينية بالتكنولوجيا كان عندما اختبرت شركة هواوي، جنبًا إلى جنب مع إحدى أكبر شركات الذكاء الاصطناعي في الصين Megvii، نظام التعرف على الوجه الذي يمكن استخدامه للكشف عن أعضاء أقلية الأويغور وإرسال تنبيهاتٍ إلى السلطات الحكومية. حيث قدمت شركة هواوي البنية التحتية من أجهزة ومعدّات، بينما قدّمت Megvii البرنامج.

أما بالنسبة للدافع الثاني وراء قرارات الحظر؛ فهو تطبيق سياسات الضغط التي تطبقها العديد من الحكومات على الحكومة الصينية لتغيير سياساتها وحلّ قبضتها الحديدية على الشركات الصينية فيما يتعلق بسياسات الخصوصية والأمان الرقمي. وإن لم تكن إجراءات الحظر هي أفضل تصرّف، إلا أنها بالتأكيد خطوةً باتجاهٍ صحيح، فبحسب صحيفة “ساوث تشاينا مورنينغ بوست”، فإن شركة هواوي قد تصل خسائرها إلى 30 مليار دولار سنويًا جراء حرمانها من بيع منتجاتها في السوق الأمريكي. بينما توقعت شركة “بايت دانس” ByteDance؛ المطورة لتطبيق تيك توك الشهير خسائر بقيمة 6 مليارات دولار نتيجة حظر التطبيق في الهند.

وبالطبع، فإن هذه الأمثلة ليست الوحيدة. لذا، فإن الحكومة الصينية لن ترَ هذا النزيف من الأموال يحدث أمام عينيها دون اتخاذ إجراءٍ لوقفه، وخاصةً في وقتٍ تحاول فيه جاهدةً غزو كل سوقٍ تدخله منتجات شركاتها. وبالتالي، فقد تقع في النهاية أمام خيارين؛ إما تحسين سياساتها والعودة إلى الأسواق التي طُردت منها، أو التعايش مع ما تصنعه.

هل أعجبك المحتوى وتريد المزيد منه يصل إلى صندوق بريدك الإلكتروني بشكلٍ دوري؟
انضم إلى قائمة من يقدّرون محتوى إكسڤار واشترك بنشرتنا البريدية.