السياسة وألعاب الفيديو، علاقة قديمة تتجدد باستمرار

السياسة وألعاب الفيديو، علاقة قديمة تتجدد باستمرار
أستمع الى المقال

تعالت أصوات الاستهجان في الفترة الأخيرة بسبب تصريحات العديد من الشركات التقنية عن مقاطعتها لروسيا بسبب غزو الأخيرة لأوكرانيا، الأمر امتد لبعض الشركات المطوّرة للألعاب، ما طرح تساؤلاً عن العلاقة التي تربط ألعاب الفيديو بالسياسة، خصوصاً أن هذه الصناعة يعتبرها الكثيرون من بين الصناعات الترفيهية الحيادية أو المستقلة.

لا شك أن صناعة الألعاب تطوّرت من الناحية التقنية والفنية وأصبحت مثلها مثل أي صناعة ترفيهية أخرى قادرة أن تُستغل لنشر رسائل سياسية مباشرة أو غير مباشرة أو أن تعمل كدعاية سياسية تستخدمها الحكومات وتؤثر على اللاعبين، خصوصاً أن عدد لاعبي ألعاب الفيديو ينمو بشكل سريع ورهيب، والقدرة على توجيه هذه الشريحة الكبيرة سياسياً صار من الواضح من الأهداف الأولى للعديد من الدول.

نستعرض خلال هذا المقال مدى تأثر ألعاب الفيديو بالسياسة خلال عدة حوادث أثارت جدلاً واسعاً.

مهمة “لا روس”

تعتبر هذه الحادثة من بين أكثر الحوادث السياسية في ألعاب الفيديو التي أثارت جدلاً واسعاً وأظهرت الجانب المتوتر من العلاقة الروسية الأمريكية.

لعبة Call of Duty: Modern Warfare 2 من تطوير الشركة الأمريكية Activision وهي أحد أشهر الألعاب الحربية، تعود الحادثة إلى عام 2009 خلال إحدى المَهمات في اللعبة تحت عنوان “لا روس”، والتي تظهر فيها فرقة عسكرية بعتاد أمريكي وتتحدث الإنكليزية، تقتحم مطار موسكو الدولي في روسيا وتقتل كل المدنيين الموجودين في المطار. مهمة اللاعب أن يتحكم بأحد أفرد هذه الفرقة ويشارك في هذه المذبحة ضد المدنيين لتجاوز المهمة. يتضح لاحقاً خلال سياق اللعبة أن هذه الكتيبة ماهي إلا مجموعة مسلحة ـ يقودها مجرم روسي خطيرـ تحاول إثارة الفتنة بين روسيا وأمريكا، لتقوم الأولى بغزوها وتصبح أمريكا ضحية هذه المؤامرة وتندلع الحرب العالمية الثالثة.

اقرأ أيضاً: تغطية إكسڤار المباشرة للحرب السيبرانية بين روسيا وأوكرانيا

هذه المهمة كانت كفيلة بإثارة زوبعة من الانتقادات عالمياً، فبالإضافة إلى العنف الكبير الذي تظهره اللعبة وتجبر اللاعب على ممارسة الإرهاب ضد المدنيين حتى يتمكن من إنهاء المهمة، كانت هناك أيضاً قضية سياسية في خلفية هذه المهمة دفعت الدول للتحرك، ففي حين تم حذف المهمة بشكل كلي في روسيا، ظهرت في نفس الوقت في ألمانيا واليابان بتعديل طفيف يجعل اللاعب يخسر إذا قتل أحد المدنيين.

بداية مهمة No Russian في لعبة Call of duty Modern warfare 2

هذه المهمة في إحدى أشهر الألعاب الحربية حينها والتي لاتزال تحظى بشهرة واسعة عالمياً، كانت كفيلة بعكس التوتر الروسي الأمريكي وساهمت بشكل كبير في لفت انتباه العديد من الدول لإمكانية استخدام ألعاب الفيديو لتوجيه اللاعبين من خلال بث أفكار ورسائل سياسية.

لعبة ” الحرب السورية ” Syrian warfare:

لا تقتصر الرسائل السياسية في الألعاب على عكس الصراعات السياسية بين الدول العظمى فحسب، بل تمتد لتعكس وجهات النظر السياسية في دول الشرق الأوسط أيضاً، وبالتحديد الدول العربية منها.

لعل خير مثال يعكس هذه الحالة هي لعبة الحرب السورية أو بالإنكليزية Syrian warfare والتي طوّرتها شركة روسية باسم Cats who play، تم نشرها في عام 2017 وحازت على عدد تحميلات كبير على متجر Steam. لا تتطلب اللعبة جهداً كبيراً تبذله لتدرك أنها بروبغندا روسية-سورية تجاه ما يحصل في سوريا. فاللعبة تركز بشكل كبير على جهود جيش النظام السوري بالتحالف مع الروسي للقضاء على ما تسميهم بالإرهابيين، لتدور معارك وسط مدن وأحياء مدنية ويتحكم اللاعب بكلا الجيشين لإتمام المهام، مخفية الحقيقة الكاملة عما حصل بالفعل في سوريا.

اللعبة رديئة من ناحية الرسوميات وتفتقد لأية قصة تجعل تجربة اللعب جيدة ومسلية، وكأنها صُنِعت لغرض وحيد وهو طرح وجهة النظر الروسية في الأزمة السورية.

لعبة “ست أيام في فلوجة” Six Days in Fallujah:

لعبة إطلاق نار حربية مطوّرة من قبل شركة الألعاب الأمريكية Victura والتي من المفترض إطلاقها في الربع الأخير من هذا العام 2022، اللعبة تجسّد ستة أيام من معركة فلوجة الأولى بين القوات الأمريكية والكتائب الإسلامية إبّان التدخل الأمريكي في العراق. الهدف من اللعبة وفق ما صرّح عنه المطوّرون هو إظهار معاناة الجنود الأمريكيين أثناء تلك الحرب في سياق حقيقي واقعي بعيد عن طرح أية وجهة نظر سياسية.

يتحكم اللاعب بجندي خلال هذه المعركة، وتظهر اللعبة الفظائع التي حدثت في تلك الأيام والتي أدّت إلى عدد كبير من القتلى. أعلنت الشركة عن تشويقية اللعبة خلال العام الماضي 2021 ومن حينها تعرضت لانتقادات شديدة أدّت إلى تأجيل إطلاقها عدة مرات.

الانتقادات كانت من عوائل الجنود الأمريكيين المشاركين في هذه المعركة الذين رفضوا تجسيد معاناة أبناءهم كلعبة فيديو تهدف إلى الترفيه، في حين تثير اللعبة قلقاً حول إمكانية تقديمها لرواية حقيقية وصادقة حول ما حصل هناك. كل هذا دفع الشركة لإطلاق تصريح مناقض لتصريح سابق بإعلانها أن اللعبة غير قابلة للفصل عن السياسة.

الصين وأعدائها:

قد يكون وضع الصين الأكثر تعقيداً في المجال التقني من بين بقية دول العالم، ففي مجال صناعة ألعاب الفيديو تمتلك الصين أكبر مستهلكين لألعاب الفيديو عالمياً بعدد يبلغ 680 مليون لاعب وفق إحصائية أجرتها مؤسسة newzoo في عام 2021.

لذلك ليس غريباً ملاحظة أن جميع الشركات تتعامل بحذر مع الصين خوفاً من حظر لعبة أو شركة مُصنِّعة في الصين الأمر الذي سيؤدي لخسارة هذا العدد الكبير من اللاعبين.

لعل أشهر الحوادث السياسية في مجال ألعاب الفيديو هي ما تسمى بفضيحة شركة Blizzard الأمريكية والتي تبنت موقفاً سياسياً مناقضاً تماماً للسياسة الأمريكية الخارجية تجاه الصين عبر حظرها للاعب من هونغ كونج قد قام بدعم الاحتجاجات المناهضة للحكومة الصينية في دولته.

تعود الحادثة إلى أواخر عام 2019 خلال بث مباشر لبطولة أجرتها الشركة للعبتها الشهيرة Hearthstone، حينها قام أحد اللاعبين المشاركين في البطولة بارتداء قناع مشابه تماماً لما ارتداه المتظاهرون المناهضون للحكومة الصينية خلال مظاهرات في هونغ كونج. انقطع البث بشكل سريع وأعلنت الشركة في اليوم التالي عن حظرها للاعب من منصتها بسبب هذا التصرف.

هذا اللاعب يكون Blitzchung وهو لاعب ألعاب فيديو محترف من هونغ كونج يقوم ببث لعبه بلعبة Hearthstone بشكل دوري.

اللاعب Blitzchung وهو يرتدي قناع متظاهري هونغ كونج في البث المباشر

من الحوادث الأخرى التي تظهر مدى تحكم الصين في الألعاب التي تنتشر لديها وحرصها على عدم إظهار أية وجهة نظر سياسية تخالف تلك التي تتبناها، هي حذف إحدى لواحق لعبة Cytus II والتي أكتشف فيها بعض اللاعبين أغنية تحمل شيفرة مورس بداخلها تظهر تأييد المطوّرين لهونغ كونج.

هذا القمع الذي يواجهه اللاعبون والمطوّرون يعكس تماماً مدى انحياز شركة Blizzard إلى الصين في خلافها مع الدول الأخرى وذلك خوفاً من خسارة موقعها في السوق الصينية للألعاب.

الصين قوة اقتصادية لا تُقهر “:

لعل أفضل ساحة مهيئة لعكس الصراعات السياسية في الألعاب هي ساحة الألعاب الاستراتيجية، والتي تظهر تماماً مجموعة حضارات ودول يتحكم بها اللاعب ويربح إن تغلب على خصومه.

من بين أشهر الألعاب الاستراتيجية التي ظهرت مؤخراً هي لعبة age of empires 4، تم تطويرها من قبل شركة relic اليابانية المملوكة لشركة Sega. حاذت على تقييمات عالية جداً معظمها إيجابية، وتمكنت من الوصول إلى أكثر من 2 مليون تحميل خلال أسابيع على متجر steam فقط.

اللعبة تمتلك 8 حضارات، من بينها الحضارة الصينية، الملفت للنظر أن جميع الحضارات تتميز بقدرات تجعلها تختلف عن الحضارات الأخرى، في حين أن الصين تمتلك قدرات مميزة تجعلها تهمين على باقي الحضارات من الناحية الاقتصادية والدفاعية.

قد يكون هذا التفوق غير مقصوداً من قبل المطوّرين، ولكن لا شك أن الشركة تتجاهل بشكل كبير الشكاوى المستمرة من مجتمع اللاعبين للقوى المبالغ بها التي تتمتع بها الحضارة الصينية دون غيرها، تشمل هذه القدرات بناء الوحدات العسكرية والاقتصادية دون الحاجة إلى دفع الضرائب مثل باقي الحضارات، بالإضافة إلى اليد العاملة التي تعمل بسرعة أكبر وتبني بشكل أسرع من مثيلاتها في باقي الحضارات.

جامع الضرائب في لعبة Age Of Empires 4 الموجود فقط في الحضارة الصينية | المصدر Age of Empires

صار من الشائع بشكل طريف بأن المنافسات الأون لاين بين اللاعبين والتي يتصارع فيها 4 ضد 4 حضارات أن يمنع اختيار أكثر من لاعبين لحضارة الصين ضمن كل فريق.

الاجتياح الروسي لأوكرانيا:

عادت قضية التدخل السياسي في الألعاب إلى الإعلام مجدداً مع دعوة نائب رئيس الوزراء الأوكراني Mykhailo Fedorov خلال الأسبوع الفائت عبر تويتر لعدد من شركات ألعاب الفيديو إلى معاقبة روسيا بسبب تدخلها العسكري في أوكرانيا. استجابت شركة EA الأمريكية لهذه الدعوة على الفور عبر حذف منتخبي روسيا وروسيا البيضاء من لعبتها الشهيرة FIFA22.

في حين أن طلب رئيس الوزراء لم يقتصر فقط على ألعاب الفيديو، بل طلب أيضاً بشكل رسمي من منصات الألعاب Nintendo وPlayStation وXbox عدم نشر أجهزتها في روسيا في المستقبل وذلك كوسيلة ضغط لوقف الغزو الروسي وفق ما صرح به.

لا يمكن فصلها عن السياسة

هذه الأمثلة والحوادث تظهر مدى تأثر هذه الصناعة بالسياسة خلال السنوات الماضية، وليس بالضرورة أن يكون هذا التأثير سلبياً في كل الأحوال، فالقضايا الاجتماعية والجندرية هي أيضاً سياسية. حيث نجد في الكثير من الألعاب التحذير من خطورة تطوير الأسلحة النووية وتفشي التلوث البيئي والتي قد تقود في النهاية إلى نهاية العالم، بالإضافة إلى دعم قضايا ضد العنصرية مثل دعم عدد كبير من شركات تطوير الألعاب لحملة “حياة السود مهمة ” black lives matter المناهضة للعنصرية ضد السود.  كل ذلك يجعل من الدعوة إلى فصل الألعاب عن السياسة أمراً صعباً وسلبياً في نفس الوقت، لذلك من الأجدر الاهتمام بالمواضيع السياسية ومتابعتها من قبل اللاعبين ليتطور الوعي السياسي لديهم ويصبحون أقل عرضة للتأثر بحملات الدعاية السياسية السلبية.

هل أعجبك المحتوى وتريد المزيد منه يصل إلى صندوق بريدك الإلكتروني بشكلٍ دوري؟
انضم إلى قائمة من يقدّرون محتوى إكسڤار واشترك بنشرتنا البريدية.