أستمع الى المقال

قد لا نجد أحدًا بالعالم يجهل هواتف بلاك بيري (BlackBerry) وهي صاحبة لوحة المفاتيح الشهيرة، حتى وإن لم يستخدم – من قبل – أحد هواتفها التي قدمتها شركة RIM الكندية، فلا بد من أنه سمع عنها.

ولاحظ أنها يومًا ما تربعت على العرش في سوق الهواتف المحمولة منافسةً مع العملاق الآخر “شركة نوكيا”، وقد تصدرت كلتاهما ريادة الهواتف العالمية، حتى وصل بهما الحال إلى نهاية متشابهة تقريبًا.

ولسنوات طويلة، كانت –بالفعل- هواتف بلاك بيري من أشهر الهواتف شعبيةً في العالم، لكن ذلك لم يدمْ بعدما تراجعت شعبيتها حتى تلاشت شيئًا فشيئًا إلى أنْ تبددتْ نهائيًا.

وعلى الرغم من المحاولات المتواصلة والعديدة التي قامت بها الشركة لإنعاش حالتها في سبيل العودة لسوق المنافسة، إلا أنّها جميعًا باءت بالفشل، ولم يُكتب لها النجاح والعودة لواجهة سوق الهواتف العالمية.

وكانت قبل عاميْن من الآن تقريبًا، قد أعلنت الشركة الكندية RIM عن وقف بيع هواتفها نهائيًا، ثم ها هي مطلع هذا العام الجديد 2022 وتحديدًا في الرابع من يناير قد أعلنت -وبشكل رسمي- أنّ كل أجهزتها التي تعمل ببرامج تشغيل بلاك بيري أوس OS سيتم إيقاف الدعم عنها وفصلها رسميًا ونهائيًا.

وهذا الأمر يعني أن أصحاب هذه الهواتف لن يتمكنوا من الاتصال بشبكات الواي فاي، ولا إجراء المكالمات أو إرسال الرسائل النصية القصيرة sms ولا حتى القيام بمكالمات الطوارئ.

وإلى جانب الإعلان عن انتهاء وإيقاف دعم أنظمة بلاك بيري في ختام العام الماضي ديسمبر 2021، أعلنت الشركة أنه بالنسبة لأجهزة بلاك بيري التي تعمل بنظام أندرويد سوف تستمر في العمل ولكن بدون إرسال أي تحديثات للنظام، بل حتى بدون أي تحديثات للتطبيقات الخاصة بـ بالشركة على متجر جوجل بلاي.

وكان هذا الإعلان بمثابة رصاصة الرحمة أو المسمار الأخير في نعش هذه الشركة، حيث شهد العالم على نهاية عملاقٍ كان في يوم من الأيام أحد أكثر الشركات شهرةً ومبيعًا وأرباحًا من المنتجات على الإطلاق.

وإن سلّمنا أن الجميع يعرف عن الشركة ويعلم تمامًا أنها انهارت إلى الصفر، إلا أن الكثيرين لا يعلمون السرّ وراء ذلك، ويجهلون سبب السقوط المدوّي لما كان يُسمى بــ “هاتف الأغنياء” من أعلى قمم النجاح والتفوق إلى قاع الحضيض بكل ما تحمله الكلمات من معنى.

وقبل الخوض في تفاصيل قصة الفشل والسقوط والانكسار، سنعرض حكاية النشأة والتطور والازدهار.

ميلاد أول هاتف بلاك بيري – (هواتف الكيبورد)

إن مصطلح أو كلمة BlackBerry تعني في اللغة العربية “التوت الأسود”، وكان هذا هو الاسم التجاري الخاص بالهواتف الذكية والأجهزة اللوحية والخدمات المختلفة التي تم تصميمها وتسويقها في الأصل من طرف RIM، والتي تعني اختصارًا لاسم Research In Motion ، وهي بالأساس شركة كندية معروفة سابقًا.

وقد شهد العام الأخير في القرن العشرين ولادة “التوت الأسود” BlackBerry، وكان ذلك تحديدًا بتاريخ 19 يناير 1999م، مع إطلاق الهاتف الشهير بلاك بيري 850 – BlackBerry 850 ليكون مسك الختام وتمهيدًا للقرن الحادي والعشرين في الألفية الثالثة.

صورة لجهاز BlackBerry 850 .. مصدر الصورة interestingengineering.com

وهذا ما حدث بالفعل، حيث شهدت السنوات التالية بعد ذلك ثورة حقيقية مع انفجار العلامة التجارية في سوق التكنولوجيا، بعدما قدمت شيئًا فريدًا لأول مرة لم تستطعْ الشركات المنافسة حينها توفيره، ألا وهو رسائل البريد الإلكتروني أثناء التنقل.

ثم أطلقت بعد ذلك “الشركة الكندية RIM” أولَ جهاز قادر على إجراء المكالمات الهاتفية باستخدام الشبكات الخلوية الأولى الجيل الأول والثاني (1G و 2G).

لتتطوّرَ بعدها –تحديدًا في عام 2002- نماذج الشركة وتتحسن بشكلٍ لافتٍ، مع الاحتفاظ بتصاميمها الخاصة والتي اعتمدت على لوحة المفاتيح الميكانيكية القوية التي اشتهرت بها الهواتف.

ثم حققت الشركة رقمًا خرافيًا، وذلك بعد عاميْن فقط بعدما حصلتْ على أكثر من 2 مليون مستخدم لـ “هواتف بلاك بيري” حول العالم، وكان معظم هؤلاء المستخدمين هم رواد الشركات والمسؤلون وكبار الشخصيات وطبقة الأغنياء بشكل عام.

وكان ذلك دافعًا قويًا لكيْ تفكرَ الشركةُ بالتوسع و تستهدفَ بقية الفئات من الناس (استهداف العامة)، وهو ما حصل بالفعل في الموسم التالي، حيث تضاعف الرقم بشكل مهول لتصبحَ هواتف بلاك بيري منشرةً في يد 4 ملايين مستخدم حول العالم.

أبرز ما كان يميز هواتف بلاك بيري

في ذاك الوقت، فضّل الكثيرون هذه الهواتف القوية لأسباب عديدة أولها وأهمها هو اعتماد تلك الهواتف على لوحة مفاتيح تتيح كتابة الرسائل بسرعة وسهولة، إضافةً إلى تقنية المراسلة المخصصة لهذه الأجهزة “BBM” ، والتي جعلت من المستحيل ممكنًا –في ذاك الوقت- وهو إرسال رسائل قصيرة غير محدودة “مجانًا”، في حين كانت تلك الفترة معتمدةً على رسائل SMS القصيرة التي تتطلب الدفع عن كل رسالة (أيْ بمقابل مالي).

ذروة هواتف بلاك بيري وظهور الآيفون

بعد ذلك، وتحديدًا في عام 2007م، احتلت نوكيا صدارة الأسوق العالمية للهواتف، بعدما سيطرت بالطول والعرض لدرجة أنها استحوذت على ما يزيد عن 40% من الهواتف التي تمّ شحنها خلال ذاك العام، وقد بلغ عدد الهواتف إلى ما يقارب 1,2 مليار هاتف محمول.

وكذلك، في نفس السنة شهد السوق العالمي ظهور أول هاتف من آبل (حيث تم إطلاق أول هاتف آيفون لها بشاشة تعمل باللمس)

وفي ذلك الحين، كانت سيطرة بلاك بيري قد بلغت نسبة مهمة من المبيعات كما أنها نالت شهرة واسعة في جميع الأسواق عَبر مختلف أنحاء العالم، حيث وصلت هواتف بلاك بيري إلى أعلى مستوياتها بفضل جهاز Curve الناجح الذي أضاف العديد من الوظائف مثل الوسائط المتعددة و GPS.

وبعد عاميْن، بالوصول إلى عام 2009م، كان نصيب بلاك بيري في شحن وبيع الأجهزة ما يصل إلى 20% من جميع الهواتف الذكية على مستوى العالم (أيْ ما يعادل خُمسَ السوق).

كما أن الشركة تفاخرت بنسبة 40% من حصة نظام تشغيل الهواتف الذكية في الولايات المتحدة الأمريكية.

إلّا أن تلك الأرقام والأخبار الجيدة لم تدمْ أكثر، بعد الثورة الهائلة التي حققتها آبل من هاتف آيفون الذي لاقى نجاحًا ملفتًا، بالإضافة إلى بداية انتشار نظام أندرويد مع هواتف جديدة بــ “شاشات لمس” رائعة، كل هذا كان ينذر بنهاية حقبة البلاكبيري “التوت الأسود”.

وهنا نضع أمامكم رسمًا بيانيًا يوضح الإيرادات السنوية لهواتف بلاك بيري بالمقارنة مع آيفون مع ملاحظة التفوق الضخم لهواتف بلاك بيري.

مصدر الصورة: appleinsider.com

وأمام منافسة آيفون ومن أجل التصدي لتلك الانتفاضة، لم تقفْ شركة RIM مكتوفة الأيدي، وإنما عملت بجدٍّ على إطلاق كلٍّ من هاتفيْ Bold ثم Storm مع شاشة تعمل باللمس بنفس ميزة آيفون.

وكان -آنذاك- هاتف Storm بمثابة باكورة هواتف شركة RIM التي تُطرح  مع شاشة لمس كاملة، فهو أول هواتف الشركة التي لم تعتمد لوحة المفاتيح الميكانيكية وجاء بشاشة كاملة، إلا أنه لم يخلُ من هفوة كبيرة تُعيبه.

فــ بكل أسف لم تهتمّ الشركة بنظام التشغيل الذي وفّر تطبيقات وأدوات محدودة مقارنة بغريمه المنافس آيفون، فسقط بلاك بيري ستورم أمام خصمه المباشر من أول جولة.

وعلى الجانب الآخر كذلك، كانت “جوجل” تعمل على نظام أندرويد الذي يمثّل الثورة الحقيقية في عالم الجوالات ، وقد ظهر في نهاية عام 2008 لأول مرة على هاتف ذكي من شركة HTC وتحديدًا في يوم 22 أكتوبر.

ثم تسابقت -بعد ذلك- بقية الشركات المختلفة مع هواتف أخرى لتعمل على نظام أندرويد مع التحسينات المتوفرة، لتصل النتيجة النهائية إلى فشل ذريع لهاتف بلاك بيري ستورم بعد أنْ تمّ تسجيله كـ واحد من أفشل الهواتف الذكية في تاريخ الاتصالات.

وهنا نتساءل: هل تعاون “أندرويد وآيفون” على سحق بلاك بيري والإجهاز عليه؟

لقد شهدت الأعوام التالية لتلك الفترة (وبالتحديد من بداية عام 2010) تسارعًا رهيبًا ونموًّا كبيرًا لــ نظام أندرويد -وبشكل ملحوظ- بفضل القوة الضاربة لشركات مصنّعة عالمية عملاقة اعتمدت هذا النظام وعملت على تطويره باستمرار، ويتقدّمها شركة سامسونج العملاق الكوري الجنوبي.

وعلى صعيدٍ آخر، كان رواجُ هاتف آيفون يزداد شيئًا فشيئًا خاصةً بعد نجاحه في إقناع كبار الشخصيات والمشاهير والأغنياء، حتى صار بمثابة الهاتف المفضل والمدلل لدى أصحاب الشركات والمسؤلين ورؤوس الأموال.

الأمر الذي أدى –بطبيعة الحال وعلى النقيض تمامًا- إلى تدهور حصة بلاكبيري وانخفاضها في السوق بشكل كبير، ورغم تضاعف الزيادة في الطلب على الهواتف الذكية من قِبَل المستهلكين وبشكلٍ غير مسبوق في ذلك الحين، إلا أن الشركة لم تستفدْ مطلقًا من هذا التهافت الجماهيري من كل أنحاء العالم.

شركة RIM تحاول النهوض من جديد

ولكن شركة RIM لم ترمِ المنديل، فقد حاولت سنة 2013 بكل قوتها النهوض من جديد والاستمرار في المنافسة، وقررت البدء من الصفر وفتح صفحة جديدة في سوق الهواتف الذكية، حيث قامت بإطلاق نظام تشغيل جديد وهواتف ذكية جديدة مثل Z10 و Q10 .

إلا أن تلك الخطوة كانت متأخرة بعد فوات الأوان ولم تسعفْها لتنجوَ من المقصلة -على الرغم من الأفكار الرائعة التي أتت بها الشركة- لأنها باءت بالفشل بعد أن صار معظم السوق أو كله تقريبًا تحت سيطرة نظامي أندرويد وiOS سيطرةً شبهَ تامة.

وكـمحاولة أخيرة من بلاكبيري لإنعاش الموقف، قامت بإضافة العديد من التحسينات على نظامها لتعزيز المنافسة، إلا أن ذلك لم يكن كافيًا لمواكبة نظاميْ iOS و أندرويد، حيث إن الفجوة كبيرة والفارق ضخم بين نظام بلاك بيري أمام النظاميْن.

فلم تجدْ الشركة حلًا لأزمتها سوى رفع الراية البيضاء والعمل على اللحاق بالرَّكب، عملًا بالمقولة الشهيرة: (إذا لم تقدر على المنافسة والفوز، فانضمّ للفائز!).

وهذا ما حدث تمامًا عام 2016، حيث أعلنت BlackBerry بشكل رسمي أنها أوقـفت التطوير الداخلي للهواتف الذكية وانضمت إلى اتفاقية ترخيص العلامة التجارية مع شركة TCL الصينية التي تمتلك أيضًا علامة Alcatel التجارية، وبموجب هذا الاتفاق بين الطرفيْن تمّ إطلاق طرازات جديدة من هواتف BlackBerry في زِيّها الحديث بنظام أندرويد.

بعدها بأربع سنوات

ثم وصل الطرفان إلى مفترق طرق، يُنهي مشوارهما معًا بعد 4 سنوات كاملة، حيث في عام 2020م أعلنت شركة TCL Communications أنها لن تقوم بتسويق هواتف BlackBerry الذكية، وذلك اعتبارًا من 31 أغسطس لتلك السنة إذْ إنه لم يعد لديها الحق في القيام بذلك، كما أكدت الشركة أنها ستستمر في متابعة هواتفها الذكية الموجودة في السوق حتى 31 أغسطس لهذا العام الجاري 2022م.

وعلاوةً على ذلك، بدأت –بالفعل- شركة TCL مؤخرًا في تسويق هواتف ذكية جديدة تحت علامتها التجارية الخاصة.

ختام القصة ونهاية المجد لــ نظام بلاك بيري للهواتف الذكية

بعد فترة المجد التي حقّقت فيها شركة بلاك بيري كل نجاحاتها قبل انفجار هواتف آيفون وأندرويد في السوق، سنواتٌ من المجد والازدهار، حققت خلالهما بلاك بيري نجاحات ضخمة، إلى أن انفجرت هواتف آيفون وآندرويد في السوق، معلنةً بداية عصرٍ جديد، ونهاية حقبة التوت الأسود.

واستمر تراجع الشركة الكندية بشكلٍ تدريجي ودخلت نفقًا مظلمًا ليس له أيّ مَخرَج، وفشلت في المنافسة كُليًا، إلى أن وصلتْ لآخر النفق المظلم مع نهاية نظام التشغيل BlackBerry OS رسميًا، وكان ذلك في يوم 4 يناير العام الماضي 2021 بإعلان رسمي من الشركة، يشير إلى توقُّـف دعم الهواتف الذكية –بشكل نهائي- من الشركة والتي تعمل بنظام التشغيل BlackBerry OS الخاص بها.

وإن كان هذا الأمر لا يشكّل فارقًا عند المستهلكين من الشركات الأخرى (سامسونج، آبل، شاومي وغيرها)، إلا أنه يهم جميع المستهلكين لهواتف الشركة التي تم بيعها بين عاميْ 2001 و 2013م ، بالإضافة إلى جميع أجهزة شركة بلاك بيري التي تعمل على أنظمة تشغيل BlackBerry OS 7.1 والإصدارات الأقدم من ذلك، وBlackBerry 10  و BlackBerry PlayBook 2.1.

فاليوم، أصبحت جميع تلك الأجهزة التي تعمل بأنظمة التشغيل المذكورة بلا فائدة ولا يمكن استعمالها، سواء كانت متصلة عبر Wi-Fi أو عبر اتصال بشبكة الهاتف المحمول، حيث لم يعد بالإمكان استخدامها للاتصال ولا حتى لإرسال الرسائل القصيرة، بل ولا تُستخدَم لإجراء مكالمات الطوارئ.

اقرأ أيضًا: مايكروسوفت و ويندوز فون .. مراجعة لأسباب فشلهما في سوق الهواتف الذكية ‏

ولكن هذا التوقف النهائي لا ينطبق على أحدث هواتف الشركة التي تعمل بنظام أندرويد بطبيعة الحال، فالمصيبة طالت –فقط- هواتف بلاك بيري بنظامها الخاص.

الختام:

بعد كل هذا التوضيح، يُمكن إسدال الستار رسميًا -وللأبد- على رواية التوت الأسود “بلاك بيري” التي كانت أيقونةً في عالم الهواتف باعتبارها إحدى أكبر الشركات وأكثرها تأثيرًا في العالم التقني (مثلما هو الحال مع شركة نوكيا).

وكم كان من الصعب يومًا ما أن نتخيل اندثار إحدى هاتيْن الشركتيْن وتوقّفهما عن بيع المنتجات، ولكنّ هذا ما حصده التجاهل والكسل والغرور، وانعدام الفهم لما يجري حولهما من تطور، والبُعد عن مواكبة التطور والثورة العالمية التكنولوجية خاصة في المجالات الرقمية والاتصالات.

وكل هذه أسبابٌ تعصفُ بأي شركة رائدة مهما وصلت للقمة، وقد يكون هذا درسًا قاسيًا لجميع الشركات أنها قد تنهار خلال فترة زمنية محدودة إذا لم تواكب هذا العصر التقني، مهما حاولت التشبث والإنعاش بعد فوات الأوان.

هل أعجبك المحتوى وتريد المزيد منه يصل إلى صندوق بريدك الإلكتروني بشكلٍ دوري؟
انضم إلى قائمة من يقدّرون محتوى إكسڤار واشترك بنشرتنا البريدية.