أستمع الى المقال


في شهر شباط فبراير من العام 2021، وصلت أول دفعة من سيارات “Mustang Mach-E” من فورد إلى ولاية فرجينيا في الولايات المتحدة الأميركية، وكنت من المحظوظين بالحصول على واحدة من أوائل السيارات الكهربائية من فورد. اليوم أتمَّت سيارتي مسير ما يقارب سبعة و عشرون الف كيلو متراً، و يالها من تجربة مميزة.

خلال استخدامي للسيارة، واجهت بعض المشاكل التي جعلتني أفكر بإستخدام قانون “الليمون” للتخلص من السيارة؛ وهو قانون يعطي الحق لمن اشترى سيارة جديدة اعادتها و استرجاع سعرها بالكامل إن قضت فترة تزيد عن 30 يوم في مركز الصيانة لسبب متعلق بجودة التصنيع، ولكن متعة قيادة السيارة ونجاح تصميمها وجودتها مقارنة مع بقية السيارات الكهربائية الموجودة في السوق، جعلاني أتراجع عن الفكرة. إذ استطاعت فورد تصنيع سيارة ممتازة، ذات تصميم مميّز. فعلياً، أنا استمتع بقيادة وملكية السيارة بشكلٍ يومي، ومعظم الصعوبات التي واجهتني وجعلتني أفكر بالتخلص من السيارة لم تكن تتعلق بالسيارة بشكل مباشر، بل بتجربة خدمة العميل، وطريقة إدارة مراكز الصيانة الرسمية لملف سيارات فورد الكهربائية.

“Mach-E لا تحتاج لصيانة دورية.. يا سيد”

هذا ما أخبرني به مركز الصيانة بعد أن قطعت 10 آلاف ميل، فعند النقاش مع موظف الصيانة قال إن عدم وجود محرك في السيارات الكهربائية يعني أنها لا تحتاج الى صيانة. لكن من حسن حظي أن مختصاً بالسيارات الكهربائية كان موجوداً في المركز الذي أخذت السيارة إليه، فنفى ما قاله زميله غير المختص، قائلاً “إن السيارة تحتاج إلى صيانة كل 10 آلاف ميل”.

الحادث أعلاه يشير إلى مشكلة حقيقية تواجه شركة فورد، حيث أن مختصي الصيانة التقليديين العاملين لديها لا يمتلكون الخبرة الكافية والفهم العميق لواحد من أهم المنتجات التي تحاول الشركة المراهنة عليها في المستقبل القريب. قد يكون قصر عمر التجربة هو يبرر التقصير، ولكن فورد بحاجة ماسّة لبناء مراكز خدمات صيانة تغطي احتياجات منتجاتها الكهربائية. بالمجمل، المشكلة باقية في الأمد القريب، وقد تشكل قلقاً لمالكي سيارات فورد الكهربائية.

بداية الكابوس الحقيقي

في سبتمبر/أيلول الماضي، أرسل لي أحد زملائي في العمل مقالاً يتحدث عن قيام شركة فورد بنشر طلب استرداد لما يقارب 17 ألف سيارة Mach-E، وحصراً تلك التي تم تصنيعها بين فبراير/شباط من العام 2020 ويونيو/حزيران من العام 2021. طلب الاسترداد كان متعلقاً بإصلاح مشكلة موجودة في الزجاج الأمامي وزجاج سقف السيارة البانورامي، حيث أن المشكلة مرتبطة بتثبيت الزجاج، واستمرارها قد يؤدي إلى انفصال الزجاج عن جسد السيارة في حال وقوع حادث سير، مما يشكل تهديداً للأشخاص المتواجدين في مكان الحادث. 

بالطبع كانت سيارتي إحدى السيارات المتأثرة بسوء التصميم، وكانت خطتي عندها أن أقوم بأخذ السيارة في بداية شهر ديسمبر/كانون الأول من العام 2021، وقمت بحجز الموعد اللازم.

شرح مختص الصيانة تفاصيل عملية الإصلاح لي، وأخبرني أنهم سيقومون بإزالة الزجاج المحدد، ومن ثم إعادة تركيبه بطريقة سليمة، وأن العملية قد تحتاج إلى 3 أيام. لكن بعد مضي أسبوع وبعد استفساري عن وضع السيارة، توقف مختص الصيانة عن الإجابة على اتصالاتي ورسائلي النصية.

استخدمت تطبيق السيارة على الهاتف لتحديد موقعها بإستخدام الـ GPS. السيارة لم تكن موجودة في مركز الصيانة التابع لفورد، بل في مركز آخر خاص بإصلاح السيارات التي تتعرض لحوادث سير. كان الأمر محبطاً للغاية، واتجهت لمركز الصيانة الرسمي للسؤال عن ما حدث، وبعد إلحاح أخبرني مختص الصيانة بأنهم لا يملكون المعرفة الكافية حول سيارة Mach-E لإجراء عملية الإصلاح، لذا تم تسليمها “لشركاء موثوقين”، مشيراً إلى أن الزجاج الأمامي كُسر أثناء محاولاتهم إزالته، وبأنهم ينتظرون وصول الزجاج البديل من معامل فورد ولكن موسم الأعياد قد يؤخر العملية.

بعض مضي ثلاثين يوماً على وجود السيارة في مركز الصيانة، قررت تفعيل قانون “الليمون” ولكن وفي اليوم نفسه وصلتني مكالمة هاتفية من مركز الصيانة تعلمني بأن إصلاح السيارة قد تم، وبأنها جاهزة للاستلام. 

نعتذر عن سوء الخدمة

تتعرض ولاية فيرجينيا التي أعيش فيها لموجات برد قاسية في الشتاء، وبالتأكيد من شبه المستحيل استخدام السيارة دون نظام تدفئة. لكن نظام سيارتي تعطّل بعد أن استعدت السيارة من مركز الصيانة، وسوى ذلك فقد عثرت على قطعة بلاستيكية كبيرة في الصندوق الأمامي للسيارة. مجدداً، حجزت موعداً لدى مركز الصيانة ولحسن الحظ كان حل المشكلة سهلاً، وتبيّن أنها وقعت بسبب قيام عمال الصيانة بإغلاق قنوات الهواء الممتدة من خارج السيارة الى نظام التكييف، وذلك لحماية النظام عند تبديل الزجاج الأمامي، وتمت إعادة تركيب القطعة البلاستيكية التي كانوا قد نسوا تركيبها. وأُجريت مجمل عمليات الإصلاح في يوم واحد.

 Mach-E عندما تدخل في وضعية السبات 

تمر Mach-E بوضعٍ يعرف باسم السبات العميق، حيث تدخل السيارة في وضعية توفير الطاقة حصراً لبطارية الـ 12 فولت في حالات الطوارئ، هذا الوضع يعني أن نظم الاتصالات والتشغيل ستتوقف كلياً، ويجب أن يتم التدخل بشكل يدوي لإيقاظ السيارة. تبين لاحقاً أن هذه المشكلة ليست سوى ثغرة برمجية تم إصلاحها فيما بعد، لكن هذه الثغرة تسببت بتوقف ميزة استخدام الهاتف المحمول كمفتاح (Phone as a key)، حيث لم أستطع تشغيل السيارة في أكثر من موقف، وكنت مضطراً إثر ذلك لاستخدام وسيلة نقل أخرى، كي أعود إلى المنزل وأحضر المفتاح الأساسي. 

هل سنحصل على ميزة القيادة الذاتية BlueCruise؟ 

وفق تصريح رئيس مجلس إدارة شركة فورد، جيم فارلي، لموقع “The Verge”، فإن الشركة تواجه بعض الصعوبات بإرسال التحديثات لسيارات الـ Mach-E المخصصة لتفعيل ميزة القيادة الذاتية.

توفر ميزة القيادة الذاتية، أو شبه الذاتية على وجه الدقة، إمكانية رفع اليدين عن المقود بشكل مستمر أثناء القيادة على معظم الطرقات السريعة في الولايات المتحدة الأميركية، إلا أن هناك مشكلة تقنية في تصميم الدارات الكهربائية، وبالذات تلك المسؤولة عن ربط البطارية الأساسية للسيارة مع البطارية ذات الـ 12 فولت  (بطارية مسؤولة عن تشغيل بعض الكمبيوترات الموجودة في السيارة)، تلك المشكلة منعت بعض السيارات التي صنعت بين الأعوام 2020 و 2021 من استلام التحديث المطلوب بشكل أوتوماتيكي، لذا كان يتوجب على مالكي السيارات المتأثرة -وأنا منهم- تحديد موعد لدى مراكز الصيانة وترك السيارة لمدة يومين على الأقل ليتم تطبيق التحديثات المطلوبة. زميلي في العمل يمتلك سيارة Ford F-150 الهجينة، أخذ سيارته الى مركز صيانة رسمي لتثبيت التحديث المطلوب لتفعيل القيادة الذاتية، ولكن المركز فشل بتثبيت التحديث، وقام بتسليمه السيارة على الرغم من أن بعض أجزائها الرئيسية لا تعمل. 

قمت بإجراء التحديثات بنفسي

زميلي في العمل، Matt Fowler، وهو من تعطلت سيارته أثناء إجراء عملية التحديث في مركز الصيانة، أخبرني بأنه قام بإجراء التحديث بنفسه، حيث اشترى رخصة مؤقتة من تطبيق فورد الرسمي FDRS لصيانة وحدات الكمبيوتر الموجودة في السيارة وأجرى العملية بنفسه، أحضر Matt بعض من معداته و أجرينا بعض التجارب على الـ Mach-E للتأكد من تشابه الأنظمة بين السيارتين. انتهى بي المطاف بدفع ما يقارب 600 دولار أميركي مقابل المعدات المطلوبة، واستهلكت عطلة نهاية الأسبوع ويوماً إضافياً، إلى أن أنهيت المهمة.

كانت العملية منهكة ومحفوفة بمخاطر تقنية عالية، حيث أنها تضمنت إعادة برمجة ما يقارب 10 وحدات كمبيوتر موجودة في السيارة (Computer Modules)، وعلّ أي خطأ قد يتسبب بتوقف عملية البرمجة قبل إكمال المهمة، مما يعني في بعض الأحيان عطلاً حتمياً لجهاز قد يكون سعره بضعة آلاف من الدولارات، إضافة إلى إنتظار أشهر لوصول القطع البديلة، في وقت يعاني فيه مصنعو السيارات من قلة الشرائح الالكترونية. 

على الرغم من خبرتي في الكمبيوترات، إلا أن العملية استغرقت ثلاثة أيام كاملة وأثناء قيامي بعملية التحديث وفي إحدى الليالي، كنت مضطراً للاستيقاظ مرتين، خلال الساعتين 2 و 5 فجراً لأجل الضغط على بعض الأزرار، وإيقاف مزود الكهرباء الخارجي الذي قمت بربطه ببطارية الـ 12 فولت لكي تحافظ البطارية على الطاقة لتقوم بتزويد الكمبيوتر المستهدف بعملية التحديث. 

بدا لي أن المعيق الذي يمنع شركة فورد من تثبيت التحديثات عن بعد، هو قصور في التصميم يمنع البطارية الرئيسية من تزويد بطارية الـ 12 Volt بطاقة إضافية أثناء عملية التحديث، وهو ما قد يؤدي لإفراغها أثناء عملية تثبيت التحديثات، مما يعني عملية برمجة غير مكتملة وسيارة غير صالحة للقيادة بالتأكيد.

بعد قيامي بإجراء تحديث للسيارة بنجاح، استطعت إدراك مدى التحديات التي تواجه فورد، فكيف ستقوم هذه الشركة بتقديم خدمات ما بعد البيع لآلاف سيارات فورد الكهربائية؟ بالذات مع مراكز صيانة ضخمة لا تمتلك سوى “مختص سيارات كهربائية” واحد فقط، ومن الواضح أن المختصين التقليديين الذين لا يمتلكون خبرة بالسيارات الكهربائية، كانوا موكلين بأن يقدموا عوناً للزبائن.

إن قيامي بتثبيت التحديثات على أجهزة الكومبيوتر الخاصة بسيارتي لتفعيل ميزة القيادة الذاتية BlueCruise لم يكن لإصلاح حالة مستعجلة أو حساسة على الإطلاق، وغالبية الزبائن مستعدون لانتظار تحديث سياراتهم، ولكن الوضع يمثّل حالة حرجة بالنسبة  لشركة فورد، حيث أن إشكاليات نظام التحديثات عن بعد (Over the air updates) والمستوى الرديء لخدمات ما بعد المبيع في المراكز الرسمية، قد يسبب كوارثاً في حال اكتشاف ثغرة أو إشكالية في برمجيات السيارة، خصوصاً إذا تفاقمت أزمة محدودية وجود “مختص سيارات كهربائية” لدى تلك المراكز، وبالذات أيضاً بعد قيام فورد بنشر طلب استدعاء لتطبيق تحديث على برمجية السيارة لتدارك مشكلة قد تسبب “تسارع السيارة من تلقاء نفسها”.

سيارة مميزة لا غنى عنها.. ولكن

في النهاية، نجحت فورد بصناعة سيارة رائعة، لن أقوم بالاستغناء عنها، السيارة تم بناؤها بجودة عالية تنافس جودة جميع السيارات الكهربائية الموجودة في السوق، وبسعر مناسب. إنها سيارة حقيقة جميلة وحديثة، ومختلفة عن تجربة السيارات التي تحاكي تصميم المركبة الفضائية، وهو ما يحاول عادة مصنعو السيارات الكهربائية تبنّيه.

مع سيارتي الكهربائية وجدت أنني أفضّل السيارات التقليدية على فائقة الحداثة، لذا أتفهم أن السيارات الحديثة لم تعد كتلاً ميكانيكية، بل تحولت لجهاز يتألف من عدة أجهزة كمبيوتر تعمل بشكل متناغم مع بعض المحركات الكهربائية والكثير من الكابلات والبطاريات الكبيرة، لذا سيكون حريّاً بفورد أو أي مصنّع تقليدي آخر يحاول الانتقال لعالم السيارات الكهربائية أن يتخلّى عن فكرة أن شركته تصنّع أجهزة ميكانيكية، ويقوم بتوظيف الكثير من مهندسي البرمجيات والحواسيب، والمتخصصين التقنيين لتخديم زبائنه. فورد بحاجة لنقله حادة ونوعية لتحقيق هذا الهدف والمحافظة على  المكاسب التي حققتها الشركة عند إطلاق الـ Mach-E و Ford F-150 Lighting. إذ أنها بحاجة للكثير من “مختصي السيارات الكهربائية” في كل مركز صيانة رسمي، أو ربما الانتقال بشكل جدي إلى فكرة انقسام الشركة إلى شركتين، إحداهما مختصَّة بالسيارات الكهربائية، والأخرى للأعمال التقليدية. خطوة على ما يبدو قد تتخذها فورد بحسب بعض التسريبات.

هل أعجبك المحتوى وتريد المزيد منه يصل إلى صندوق بريدك الإلكتروني بشكلٍ دوري؟
انضم إلى قائمة من يقدّرون محتوى إكسڤار واشترك بنشرتنا البريدية.