أستمع الى المقال

تسعى جميع الدول إلى النهوض والانخراط في المشهد العالمي التكنولوجي، أسوةً بالدول العُظمى التي باتت تتحكم بالعالم، خاصةً وأنها تسيطر على الموارد والثروات مما يجعلها تسيطر على الشعوب الأخرى، الفقيرة تحديدًا.

وهنا بدأت بعض الدول خاصة من آسيا بالسعي والاجتهاد من أجل التطور، رغم قلة الموارد الطبيعية لديها، إلا أنها تمتلك الكنز الأثمن في هذا العصر، وهو الطاقة البشرية.

ومن بين هذه الدول؛ برزت دولة صغيرة اسمها “تايوان”، والتي اعتمدت على طاقة شعبها على الصعيديْن الجسدي والعقلي، فطاقة العقول لا تقل عن طاقة الجسد، وإنّ اتحادَ كليهما معًا يوفران قوة هائلة تسمح للدولة بالنهوض ومقارعة الكبار.

وهذا ما حدث بالفعل مع تايوان، خاصة بعدما أسست وأنشأت عملاق أشباه الموصلات الأكبر في العالم في عام 1987: شركة TSMC أو (Taiwan Semiconductors Manufacturing Company) ، ليكون انطلاق هذا المصنع بداية نقطة تحوّل تاريخية في اقتصاد تايوان.

وبفضل الجهود التي بذلها الشعب والحكومة التايوانية، وصلت اليوم الشركة التايوانية لأشباه الموصلات TSMC لمستوى يجعلها تستحوذ على حصّة سوقية تفوق الـ 50% من سوق أشباه الموصلات في العالم (أيْ أكثر من نصف الحصة العالمية)، وهذا رقمٌ رهيب مقارنةً بحجم المصنع وحجم الدولة نفسها التي هي بالأساس عبارة عن جزيرة صغيرة كانت يومًا ما تابعة لجمهورية الصين الشعبية، وهي بقعة عانت من الخلافات الجيوسياسية ومساحتها صغيرة جدًا لا تتجاوز 13 ألف كيلو متر مربع.

والسؤال الذي يبرز الآن :

كيف لدولة صغيرة بهذا الحجم أن تُنشئَ مصنعًا مثل مصنع TSMC ليتربع على العرش العالمي ويتحكم في سوق أشباه الموصلات؟ 

وكيف تمكّنت هذه الجزيرة الصغيرة (التي أعلنت الانفصال عن الصين في ظروف اقتصادية سيئة غير مستقرة) من اكتساح سوق أشباه الموصلات في العالم عبر مصنعها TSMC؟

وكيف أن هذه الجزيرة الصغيرة التي خرجت من تحت ركام الحرب والانشقاق عن الصين أن تقارع عمالقة التصنيع في مجال الرّقاقات الذي يكلّف مليارات الدولارات والجهود التقنية المضنية؟ سنتعرف على قصة تايوان من الصفر، منذ الحرب الأهلية في الصين، وصولًا إلى سيادتها التامة في عالم أشباه الموصلات.

إن الجزيرة التايوانية وليدة صراع شيوعي قومي، فبعد اندلاع الحرب الأهلية في الصين، وسيطرة القوات الشيوعية على الحكم –آنذاك عام 1949- وهروب زعيم الصين “شيانغ كاي شيك” مع حكومته وحواليْ مليونيْ لاجئ نحو جزيرة تايوان التي كان يقطنها 6 ملايين مواطن آنذاك، وكان بحوزته احتياطي الصين من الذهب والعملات الأجنبية وبعض الآثار، ليعلن “مدينة تايبيه” عاصمة تايوان، بينما أعلن الشيوعيون قيام جمهورية الصين الشعبية.

وبمجرد أن تمّ الإعلان عن جزيرة تايوان بصفتها إقليمًا مستقلًا، صبّت الدولة تركيزها وكل الاهتمام على الاقتصاد حينها، حيث كانت تعاني من التضخّم الكبير وبدأت في البحث عن خطة أو طريقة لإيجاد الحلول الأنسب في سبيل النهوض الاقتصادي والنمو والتطور.

وكان المورد الأساسي حينها لسكان هذه الجزيرة الصغيرة هو “الزراعة”، فبدأت الحكومة التايوانية بدعم القطاع الزراعي بالتوازي مع الدعم الأمريكي للجزيرة التايوانية، باعتبار أن تايوان أصبحت من حلفاء أمريكا.

لكن الأمر لم يتوقف على النهضة الزراعية، بل إن الواقع فرض نفسه حين ساهمت النهضة الزراعية بزيادة رأس مال الحكومة التايوانية، حيث قررت الدولة توسيع نهضتها الاقتصادية إلى الجانب الصناعي، وبدأ الاهتمام بالصحة والتعليم من أجل الاستثمار الحقيقي للمورد الأكبر والأبرز والأهم لديها وهو “الطاقة البشرية”.

وقامت حكومة تايوان باستغلال أرباحها من القطاع الزراعي لوضع حجر الأساس مع أول خطوة اقتصادية هامة رسمت معالم الوجه الجديد للجزيرة التايوانية، فأسست معهد بحوث التكنولوجيا الصناعية “ITRI“، بهدف تعزيز الابتكار والبحث العلمي، كما اهتمت بالتدريب المهني وحرصت على التأهيل والإعداد العلمي لشعبها؛ الذي هو رأسمالها الأول.

وبناءً على ذلك، بدأت العديد من المصانع والشركات التكنولوجية بالنهوض شيئًا فشيئًا لتشكّل أهم ركائز الاقتصاد للدولة، منها على سبيل المثال لا الحصر: الشركة العالمية “فوكسكون” وشركة أشباه الموصلات TSMC التي أصبحت المورد العالمي الأكبر لتصنيع الرقاقات وأشباه الموصلات، والذي هو محور هذا الحديث.

فكيف كانت انطلاقة مصنع TSMC العملاق؟ 

من الخطوات التي أجرتها الحكومة التايوانية في سبيل استغلال الموارد البشرية، أنها قامت بإطلاق حملة كبرى لإعادة استقطاب التايوانيين من ذوي العقول والخبرات وحملة الشهادات العليا من أجل العودة إلى داخل البلاد للمساهمة في بنائها، وذلك من خلال تقديم بعض الامتيازات لهم والمغريات التي تجعلهم يوافقون على العودة وتقديم ما لديهم في بناء وطنهم وليس الأوطان الغريبة.

شركة TSMC

وكان من حسن (حظ وتخطيط) الحكومة التايوانية، أن المهندس التايواني “موريس تشانغ” كان ضمن العائدين، بعدما تمت دعوته للعودة ليترأسَ معهد البحوث التكنولوجية الصناعية ITRI، للاستفادة من خبراته وبهدف المساهمة بوضع رؤية وخطط فعّالة لتنمية الاقتصاد الصناعي، والتركيز بشكل خاص منفرد على قطاع أشباه الموصلات على الرغم من أنه قطاع ناشئ وقتها في المجال الصناعي الواسع.

وخلال سنتيْن فقط من رئاسته للمعهد، عمل “تشانغ” على تأسيس شركة لصناعة أشباه الموصلات، هَدَفَ من خلالها القدرة على منافسة المصانع العالمية المستحوذة على سوق أشباه الموصلات في ذلك الحين.

ولمن لا يعرف الكثير عن أشباه الموصلات؛ فإن مرحلة إنتاجها تمرّ بقسميْن أو جزأيْن، وهما التصميم والتصنيع، ومن الطبيعي أن معظم الشركات حينها كانت تمتلك القدرة على تصميم أشباه الموصلات الخاصة بها، إلا أنها تفتقر لإمكانية تصنيعها، خاصة وأن بناء مصانع متخصصة لإنتاج أشباه الموصلات ليس بالأمر الهيّن ويكلّف أموالًا باهظة تصل إلى المليارات.

 وكان الحل المؤقت آنذاك أن تطلب هذه الشركات يد العون من الشركات الأخرى الكبيرة التي تمتلك مصانع أشباه الموصلات بالفعل، لكن تلك المصانع كانت تستغل أهميتها وتستغلّ حاجة بقية الشركات من أجل الحصول على التصميمات الخاصة بالشركات الصغيرة مقابل إنتاج أشباه الموصلات لهم.

وهنا برز دور المهندس “تشانغ” الذي وجد أن الحل الأمثل لتلك المسألة هو تأسيس مصنع يقوم على فكرة تصنيع أشباه الموصلات ولكن مع الحفاظ على حقوق ملكية تصميمات أشباه الموصلات للشركات نفسها، أيْ أن الشركات التي تطلب أشباه الموصلات لن تخسر تصميماتها للشركة المصنعة، الأمر الذي منح الثقة العظيمة لدى الشركات الصغرى في طلب الرقائق.

وبالفعل ، فقد تم إنشاء مصنع TSMC لأشباه الموصلات بالتعاون المشترك بين عدة أطراف هم: الحكومة التايوانية وشركة فيليبس الهولندية إلى جانب مستثمرين آخرين.

بداية الهيمنة والسيطرة العالمية من شركة TSMC على سوق الرقائق 

بحسب الإحصائيات الرسمية الصادرة من موقع الشركة نفسها، أن TSMC تقوم بإنتاج ما يزيد عن (عشرة آلاف) منتج لما يقرب من 500 عميل في جميع أنحاء العالم.

ومن بين هؤلاء العملاء نجد شركات وأسماء عالمية مثل “إنتل” الشركة التي تُعتبر أحد العمالقة في سوق أشباه الموصلات، حيث قامت “إنتل” بتوكيل مهمة تصنيع رقائقها القديمة إلى شركة TSMC بالكامل، في حين حافظت هي على تصميم وإنتاج الرقائق الأحدث بنفسها.

شركة TSMC

وهناك أيضًا شركة “آبل” العملاقة المصنِّعة للهواتف والأجهزة الذكية وكل ما يتعلق بعالم الاتصالات، نجد أنها من أهمّ عملاء شركة TSMC، حيث تقوم الأخيرة بتصنيع الرقائق باستمرار لشركة آبل بعد تزويدها بتصميماتها.

وبناءً على ذلك، لم يعدْ من الغريب أن نعلم كيف نمتْ الشركة التايوانية في غضون سنوات قليلة بشكلٍ متسارع إلى أن حقّقتْ معدلَ نموّ عالٍ جدًا، الأمر الذي جعل نصيبها في سوق أشباه الموصلات العالمية يفوق نسبة الـ 50% (النصف).

ومن ثم ظهرت الأزمة العالمية في أشباه الموصلات، والحق يُقال فإن كل المجالات تعاني من أزمة حقيقية عالمية منذ سنوات، لكن أزمة أشباه الموصلات الأخيرة بالتحديد كانت سببًا إضافيًا وقويًا لفرض هيمنة شركة TSMC التايوانية على الجميع، حيث صارت الشركة بمثابة القِبلة الأمثل لكل شركات العالم التي اعتمدت عليها بشكل كبير.

وازداد الضغط  والطلب أكثر من أيّ وقت مضى، حتى تفردت شركة TSMC بالساحة العالمية، وخاصةً بعدما تخلفت نظيرتها شركة إنتل التي كانت ضحية “أخطاء إدارية” أدت إلى تأخّرها في عملية إنتاج الجيل الجديد من الرقائق الإلكترونية بدقة تصنيع 7 نانومتر، بينما على الجانب الآخر تقوم شركة TSMC في هذا الوقت بصناعة الرقائق الإلكترونية بدقة 5 نانومتر.

تابع أيضًا: هواتف بلاك بيري من قمة المجد إلى غياهب النسيان 

وتمكنت TSMC من السيطرة على سوق تصنيع معالجات الهواتف الذكية بمختلف الفئات سواء الرائدة أو المتوسطة أو الاقتصادية وبجودة عالية معماريات متنوعة بناءً على مواصفات وطلبات الشركات المصنعة للهواتف ابتدأ من معمارية 14 نانومتر و 12 نانومتر و 8 نانومتر و 7 نانومتر و 5 نانومتر.

وكشف تقرير مؤخرًا صادر عن موقع “phonearena” الشهير عن خطة شركة TSMC لبدء شحن الدفعة الأولى من الرقاقات المميزة بدقة تصنيع 3 نانومتر في الربع الأول من 2023.

وأوضحت الشركة بالفعل أنها قد بدأت في العمل على تطوير الرقاقات بدقة 3 تصنيع نانومتر، التي من المرجّح أن تقدّم العديد من التحسينات على الأداء مع إستهلاك أقل للطاقة.

وضاعفت أزمة أشباه الموصلات المنافسة بين الصين وأمريكا حول تايوان التي هي منبع الرقائق بفضل شركة TSMC ، وتأججت الحرب بين عملاق آسيا وعملاق القارة الأمريكية على الجزيرة التايوانية التي تعتبرها الصين جزءًا منها بالأساس، وتحاول منذ الانفصال إعادتها إلى جمهورية الصين الشعبية.

لكن القضية الآن لم تعدْ مجرد قضية سياسية من أجل السيادة القومية، فليس هذا المطمع الوحيد لاستعادة تايوان في هذه السنوات، بل إن الصين تُعاني –كغيرها- مِن نقص شديد في إنتاج الموصلات والرقائق ولا تستطيع حتى تغطية احتياجاتها.

وفي المقابل تسعى أمريكا إلى كسب تايوان في صفها خاصة أن معظم الشركات الأمريكية تعتمد بشكل كبير على TSMC، وعلاوةً على ذلك، فإن أمريكا قامت باتفاق جديد مع شركة TSMC يقضي بإنشاء وبناء مصنع تابع لـ TSMC في ولاية أريزونا الأمريكية.

قد يهمك أيضًا: ما هي شركة Fairphone التي تقدم هواتف ذكية صديقة للبيئة

الخلاصة: 

كانت هذه محاولة منا لتلخيص قصة نجاحٍ عظيمة، تستحق أن تُدرَّس بحقّ في مجال التخطيط المدروس والكفاح من أجل البناء، قصة عملاقٍ وصل إلى القمة بدأ بمجرد فكرة جريئة عبقرية، نُفّذت باستغلال الطاقة البشرية بأفضل طريقة ممكنة، جعلت من مصنع بسيط في جزيرة صغيرة يتحول إلى أكبر المتحكّمين في السوق العالمي لأشباه الموصلات، التي تُعتبر من أهم الصناعات حاليًا، بعدما أصبحت جزءًا لا يتجزأ من معظم القطاعات الصناعية.

وإذا كان النفط هو الكنز الذي تصارعت عليه القوى العظمى، فإن أشباه الموصلات الآن هي الكنز الأثمن من النفط في هذا العصر التكنولوجي والثورة الصناعية والرقمية، والذي قد يُسبب بالفعل حروبًا قادمة للسيطرة عليه.

هل أعجبك المحتوى وتريد المزيد منه يصل إلى صندوق بريدك الإلكتروني بشكلٍ دوري؟
انضم إلى قائمة من يقدّرون محتوى إكسڤار واشترك بنشرتنا البريدية.