“التحول الرقمي” يدفع السوريين لقطع مئات الكيلومترات لإتمام معاملة حكومية

“التحول الرقمي” يدفع السوريين لقطع مئات الكيلومترات لإتمام معاملة حكومية
أستمع الى المقال

في السابع والعشرين من يوليو/تموز المنصرم، أطلقت “وزارة الداخلية” و”وزارة الاتصالات والتقانة” السوريتان خدمة منح جواز سفر جديد، وتجديد جواز قديم بكافة أنواعه (فوري، مستعجل وعادي) عبر بوابة “مركز خدمة المواطن الالكتروني“، وذلك فقط للمواطنين من داخل القطر، على أن تتم إتاحة الخدمة أمام السوريين المقيمين خارج القطر لاحقًا.

ونقلت الوكالة السورية للأنباء (سانا)، عن بيان للداخلية نشرته على صفحتها على فيسبوك، أن الخدمة بدأت منذ السابع من يوليو/تموز، وستكون متاحةً في البداية لمن ثبّت حجزًا مسبقًا لجواز السفر وحصل على دور بعد 21 من يوليو/تموز عبر المنصة القديمة التي كانت مخصصة لحجز الدور رقميًا فقط، لا لإجراء المعاملة؛ ما يعني أنه كان على المواطن الراغب باستخراج أو تجديد جواز سفر خوض غمار الطابور والانتظار مدة قد تصل إلى أشهر للحصول على جوازه، ولو كان مستفيدًا من خدمة المنصة.

لكن المنصة الجديدة وعدت بأنها ستنقل العملية كليًا إلى الفضاء الرقمي، إذ سيصبح على المواطن الحضور بنفسه فقط عند استلام جواز السفر، مع إمكانية إيصاله إلى عنوانه عبر البريد إن لم يستطيع.

بداية المغامرة

لتثبيت حجز مسبق لجواز السفر عبر بوابة مركز “خدمة المواطن” الإلكتروني، يجب إنشاء حساب على البوابة وإدخال بيانات البطاقة الشخصية بدقة، واعتماد الرقم الوطني أو رقم الهاتف المحمول وكلمة مرور كبيانات دخول، ثم اختيار “تثبيت حجز مسبق لجواز السفر”.

هذا يقود إلى صفحة تحوي الحقول الواجد ملؤها بالمعلومات الشخصية اللازمة لوثيقة جواز السفر، مثل الاسم باللغتين وتاريخ الميلاد وعدد المرافقين وعنوان السكن وفرع دائرة “الهجرة والجوازات” الذي يرغب المواطن بالحصول على جواز سفره منه وغيرها. 

وشدّد بيان الداخلية على ضرورة التقيد بالتعليمات التي يظهرها الموقع، كما يجب رفع الأوراق الثبوتية بصورة واضحة من خلال أخذ صورة عنها عبر “سكانر”، كون الأوراق الثبوتية المصورة بكاميرا “الموبايل” يمكن أن تُعرض المعاملة للرفض.

وعند إتمام عملية إدخال البيانات، يُنقل المستخدم إلى صفحة إتمام العملية، وحينها يُمنح مهلةً مدتها يومان في حال اختار الجواز الفوري، وخمسة في حالة المستعجَل، وعشرة في حالة الفوري، ليتمّ عملية الدفع الإلكتروني (بدل الخدمة وقيمة جواز السفر مع الرسوم والطوابع) عبر أحد البنوك المحلية المربوطة على شبكة شركة “مدفوعات” الحكومية للدفع الإلكتروني، أو عبر خدمات “سيرياتيل كاش” و “إم تي إن كاش” اللاتي تقدمهما شركتا الاتصالات المحلية في البلاد. 

وعند الانتهاء من عملية الدفع، تدخل المعاملة حيّز الإنجاز، مع إظهار تاريخ وتوقيت الاستلام وإرسال رسالة SMS تأكيدية لهاتف المتقدم. وفي حال لم يتم الدفع خلال المدة المحددة، تصبح المعاملة ملغاة.

منصات شكلية

يروي (فتحي ع.)، 25 سنة، المقيم في دمشق، لـ “إكسڤار” تجربته للحصول على جواز سفر جديد مستفيدًا من خدمات التحول الرقمي التي تشهدها البلاد. إذ بدأت رحلة فتحي في الحصول على جواز سفر جديد في شهر مايو/أيار عندما حاول مرارًا الحصول على دور عن طريق المنصة القديمة -المخصصة لحجز الدور فقط- لكن عشرات المحاولات بائت بالفشل، حيث ظهرت رسالة “الخدمة غير متاحة، حاول لاحقًا” في كل مرة، وذلك رغم محاولاته إجراء العملية بالتعاون مع أصدقاء له في الخارج بلغت سرعة الإنترنت لدى أحدهم 5 غيغابِت/الثانية.

لكن، وبحكم الصدفة، وجد منشورًا على فيسبوك من قبل صفحة تسمى “الشركة العالمية للخدمات والاستشارات” تدار من تركيا وألمانيا -بحسب أرقام الاتصال- تفيد بأنها تستطيع حجز دورٍ لأولئك الذين لا يتمكنون من حجزه بأنفسهم، لكن مقابل مبلغ 100 دولار أميركي يدفعها في السوق السوداء.

لم يكن أمام فتحي خيارٌ آخر. فأرسل المعلومات والأموال، وبالفعل، حصل على دور في بداية شهر يونيو/حزيران. ويومها صباحًا، استخرج الأوراق اللازمة لإتمام المعاملة وتوجه إلى “البنك التجاري السوري” ليسدد “رسوم الخدمة” قبل التوجه إلى دائرة الهجرة والجوازات لتسليم كافة الوثائق. لكن، وأثناء انتظاره دوره في البنك، خرج موظفًا يُخبر المنتظرين أن “الشبكة توقفت عن العمل”، وهم يعملون على إعادتها. 

استمر الانتظار حوالي الساعتين ونصف الساعة، بحسب فتحي. وعند عودة الشبكة، تابع الموظفون إتمام عمليات الدفع لطوابير المنتظرين، وعند إنهاءه عملية الدفع وحصوله على الوصل واكتمال أوراقه، توجه مسرعًا نحو مبنى الهجرة والجوازات لتسليمها، لكن عند وصوله وتسليمها للموظف المختص، أخبره أنه لا يستطيع إتمام المعاملة لانتهاء ساعات الدوام في المركز، لكن فتحي ظنه مازحًا، مخبرًا إياه بمشكلة “توقف الشبكة” في البنك، لكن الموظف عاد وأكّد ما قاله.

أخبره فتحي أنه لا مشكلة إذًا، يمكنه العودة صباح اليوم التالي لإتمام المعاملة، فكان رد الموظف “شو المنصة لعبة؟ عاطيتك دور اليوم يعني المعاملة بتمشي اليوم. أنت لما يروح عليك فيلم بالسينما بتقلن عيدولي ياه تاني يوم؟”، فردّ عليه فتحي “ببساطة اي!” وغادر المبنى حاملاً معه أية أمل في الحصول على جواز سفر في ذلك اليوم.

لكن أعادت المنصة الإلكترونية الجديدة التي استعرضناها في بداية المقال، والتي تسمح بإتمام المعاملة من الألف إلى الياء، الآمال لدى فتحي ومئات الآلاف من أمثاله من السوريين الذين هم بحاجة الحصول على، أو تجديد، جواز السفر. وبالفعل أنشأ فتحي حسابًا على المنصة وشرع في معاملته، وبعد إدخال البيانات، وعند خطوة التثبيت الأخيرة، ظهرت رسالة “الخدمة غير متاحة، أعد المحاولة خلال 24 ساعة” في كل المحاولات. وبعد السؤال، تبيّن أن فرص عمل المنصة الإلكترونية خارج أوقات الدوام الحكومي الرسمي تتضاءل لتقترب من أن تصبح معدومة.

يقول فتحي إنه أعاد التجربة في صباح اليوم التالي، وبالفعل نجح في تجاوز تلك المرحلة، ولكن العقبة الجديدة كانت هي ظهور الرسالة التالية عند محاولة إتمام الدفع الإلكتروني عن طريق “سيرياتيل كاش”.

وعند السؤال أيضًا، اتضح أن المشكلة تواجه مختلف المستخدمين الذين يحاولون إتمام عملية الدفع الإلكتروني عبر مختلف القنوات، ذلك لأن المشكلة تعود إلى شركة “مدفوعات” الحكومية، بوابة الدفع الرئيسية التي تمر عبرها بقية البوابات.

تجدد الأمل البعيد

بدا أن لا سبيل مجددًا سوى باللجوء إلى أساليب السوق السوداء، وبعد بحثٍ على فيسبوك، يخبرنا فتحي أنه وصل إلى العديد من السماسرة الذين يستطيعون، بحسب زعمهم، إتمام معاملات جواز السفر كاملةً نيابة عن المواطنين لقاء مبالغ مالية. تواصل فتحي مع شخص يدعى “باسل” للشروع في المعاملة، مع الاتفاق على تسديد المبالغ بعد إتمامها، والمقدرة بتكاليف معاملة جواز السفر الفوري (310 آلاف ليرة سورية، أي 75 دولار أميركي) تضاف إليها أجور السمسار (90 ألف ليرة سورية، أي 25 دولار أميركي). 

لكن وفي منتصف العملية، نوّه المدعو “باسل” أن مركز الاستلام سيكون حصرًا في أحد مراكز الهجرة والجوازات في محافظات حمص أو حلب أو القامشلي، رغم أن صاحب المعاملة من دمشق ويقيم فيها، وذلك بسبب الضغط الناجم عن كثرة الطلبات القادمة من دمشق.

وبالفعل، تم تثبيت المعاملة في حمص، وتم تحديد موعد الاستلام عند الساعة الواحدة ظهرًا في أحد الأيام بداية هذا الشهر، واضطر فتحي إلى السفر من دمشق إلى محافظة حمص صباح ذلك اليوم والتوجه إلى مبنى الهجرة والجوازات هناك ليباشر بعملية الاستلام، ليخبره أحد الموظفين هناك أن عليه الانتظار حتى نهاية الدوام (الساعة 3 ظهرًا) للحصول على جوازه. انتظر في شوارع المدينة، وعاد وحصل عليه في نهاية المطاف بعد دفعه ما يقارب الـ 300 دولار أميركي في كلتا المحاولتين وانتظار ثلاثة أشهر وقطع مسافة 160 كيلومترًا من دمشق إلى حمص ذهابًا وإيابًا.

ويقول فتحي إنه لم يكن الشخص الوحيد الذي خاض هذه التجربة، إذ أخبرنا أن أحد موظفي دائرة الهجرة والجوازات في حمص عبّر عن امتعاضه عندما اكتشف أنه قادمٌ من دمشق، وبحسب الموظف نفسه، استخرج الفرع في اليوم السابق لمعاملة فتحي 92 جوازًا جديدًا لمواطنين قادمين من دمشق وحلب مقابل 11 جوازًا فقط لسكان حمص.

أين المشكلة تحديدًا؟

أجرى فريق إكسڤار بعض الاختبارات التقنية على موقع “خدمة المواطن” الإلكتروني الخاص بالحكومة السورية، واتّضح أن الموقع مُستضافًا على خادم موجود في العاصمة دمشق رقمه التسلسلي “29256” وبروتوكول الاتصال (IP) الخاص به هو “82.137.201.93”.

ووجود الخادم داخل سوريا، وفي دمشق تحديدًا، التي تعاني من سوءٍ بالغ في بنية الاتصالات التحتية، يفسّر سوء خدمات الموقع وفشلها في معظم الأحيان، خصوصًا مع تعرض الموقع لطلبات كثيرة في زمنٍ قياسي، إذ ذكرت صحيفة “الوطن” السورية المحلية أن عدد الحجوزات المثبتة على منصة مركز خدمة المواطن وصلت إلى 54298 حجزًا حتى يوم الإثنين 25 يوليو/تموز.

أما عن سبب فاعلية خدمات الموقع في محافظة وعدمها في أخرى، فذلك يعود إلى وجود عدد محدد من الطلبات المخصصة لكل محافظة، فالطلبات في دمشق على سبيل المثال، يتجاوز طلبات التقديم القادمة من حمص بأضعاف.

وعليه، إن أرادت الحكومة السورية تطبيق “تحول رقمي” حقيقي عليها تقديم موقع خدمات يلبي احتياجات زواره من المواطنين. وأحد أسهل الحلول الممكنة لهذه المشكلة هو توزيع الخوادم، أي تخصيص خادم خاص بكل محافظة يلبي حاجتها من الطلبات، أو بكل بساطة، وجود عدد أكبر من الخوادم دون الحاجة لتخصيصها جغرافيًا.

وفي حال تبني الحل الأخير تبرز الحاجة لتفعيل ما يسمى بـ “موازِن التحميل” (Load Balancer)، وهو مصطلح يشير إلى التوزيع الفعال لحركة مرور الشبكة الواردة عبر مجموعة من الخوادم الخلفية التي تخدم مواقع الويب ذات عدد الزيارات المرتفع.

ويعمل موازن التحميل بمثابة “شرطي المرور” الذي يجلس أمام الخوادم الخاصة بالموقع ويوجه طلبات العملاء عبر جميع الخوادم القادرة على تلبية هذه الطلبات بطريقة تزيد من السرعة واستغلال السعة، وتضمن عدم وجود خادم واحد يعمل فوق طاقته (كما في حال خادم دمشق)، مما قد يؤدي إلى تدهور الأداء . وفي حالة تعطل خادم واحد (وهو الأمر الذي قد يتعرض له خادم دمشق نظرًا لضعف البنية التحتية وسوء حال الطاقة) يقوم موازن التحميل بإعادة توجيه حركة المرور إلى الخوادم المتبقية. وعند إضافة خادم جديد إلى مجموعة الخادم، يبدأ موازن التحميل تلقائيًا في إرسال الطلبات إليه.

قد يهمّك أيضًا: الأثر المميت للتضليل: كيف ساهمت تغريدات البعض في زيادة المأساة في سوريا

المشكلة ليست بإيجاد الحل، بل بتطبيقه

من المؤكد أن المعلومات الواردة أعلاه، والتي يمكن لأي مهندس برمجيات معرفتها لا تخفى عن مسؤولي وزارة الاتصالات وتقانة المعلومات السورية، لكن تشير بعض التقارير والتحقيقات المحلية إلى تعمّد حكومة دمشق إبطاء هذه الخوادم وإعاقة عملها لتواطئ البعض من أفرادها بشكلٍ مباشر مع سماسرة السوق السوداء. 

وهذا ما يؤكده المدعو “باسل”، سمسار السوق السوداء المذكور أعلاه، الذي نشر على “الستوري” على تطبيق واتساب عبارة “خط مباشر مع دائرة الهجرة والجوازات…” مرفقًا إياها بصورة لعشرات جوازات السفر موضوعة على طاولة في مكتب أمام شاشة كمبيوتر.

وهذا يفسر قدرة هؤلاء السماسرة على إتمام العمليات وتوفير الحجوزات للمواطنين، إذ توجد لديهم علاقات مع مدراء هذه المواقع الحكومية. وبمجرد إرسال المعلومات الخاصة من قبل المواطن للسمسار، يتم إنشاء سجل ويتم إرساله إلى لوحة إدارة الموقع لتُفتح معاملته.

وبذلك، تحقق الحكومة، وبالتعاون مع سماسرة السوق السوداء، بالفعل “تحولاً رقميًأ” في أساليب الاحتيال على مواطنين لا أمل لهم بعيش حياة كريمة سوى من خلال مغادرة بلادهم بجواز سفرٍ هو الأغلى في العالم على ضعفه.

هل أعجبك المحتوى وتريد المزيد منه يصل إلى صندوق بريدك الإلكتروني بشكلٍ دوري؟
انضم إلى قائمة من يقدّرون محتوى إكسڤار واشترك بنشرتنا البريدية.