أستمع الى المقال

منذ بداية انتشار جائحة كوفيد-19 ركّزت الحكومات حول العالم جهدها حول أجندات المناخ والصحة، وكل ما يرتبط بالفيروس، وعلى الرغم من أن كوفيد-19 تسبب في حدوث موجات وانتكاسات كبيرة لشركات البيع بالتجزئة التقليدية، وأدى إلى تدمير صناعة وقطاعات كثيرة، إلا أن الاقتصاد الرقمي العالمي حصد بالفعل فوائد هائلة من عمليات الإغلاق وتقليل الحركة.

في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا على سبيل المثال، كان هناك تركيز واضح على تسريع التحول الرقمي، لتلبية جداول الأعمال الرقمية الوطنية الطموحة، وتوقعات المواطنين المتزايدة، ومعالجة فجوات النضج الحكومية الرقمية المستمرة.

وفقًا لدراسة صدرت حديثًا عن شركة ريد سير للاستشارات الاستراتيجية، والتي جاءت بعنوان “الشرق الأوسط وشمال إفريقيا الاقتصاد الرقمي: على أعتاب ثورة رقمية”، ستكون  قيمة الاقتصاد الرقمي في تلك الدول نحو 400 مليار دولار بحلول عام 2030.

لتنفيذ خطة التحول الرقمي في أقل من عشر سنوات، سيحتاج اقتصاد المنطقة بأكملها إلى الخضوع لسلسلة من الإجراءات والدراسات والأبحاث، حول الفئات المستفيدة والمستهدفة، فوفقًا للدراسة المذكور أعلاه، فإن الجيل زد (z) (الذين تتراوح أعمارهم بين 15 و25 عامًا)على سبيل المثال سيغذّي قدرًا كبيرًا من نمو المنطقة، وهذا ما يتطلب توسعاً في خدمات التعليم وتطويرًا كبيرًا للمهارات، مع إضافة المدارس ومؤسسات التعليم العالي دورات جديدة تركز على التكنولوجيا في مناهجها.

أرقام توضح دور جيل Z في تطوير المنطقة

مع تحول طريقة وسبل الاستهلاك من جيل إلى جيل آخر، تبرز أهميّة تطوير استراتيجيات الحكومات والشركات في فهم طبيعة الأجيال الجديدة. فبينما لا يزال جيل الألفية (الذين تتراوح أعمارهم بين 26 و40 عامًا) موجودًا ضمن الكثير من القطاعات، فإن الجيل زد يسيطر ببطء، ولكن بشكل ثابت على السوق الاستهلاكية. هناك الكثير من الإحصائيات والأرقام التي تساعد على فهم هذا الجيل الجديد الماهر بالتكنولوجيا بشكل متقدّم عن الأجيال السابقة، وإمكانية إعادة صياغة مفهوم التسويق والاستهداف من قبل الحكومات والشركات بشكل أكثر فعالية لاستهداف هذه المجموعة القوية من المستهلكين.

 في تقرير سابق على موقع إكسفار بعنوان “جهود المؤسسات لمجاراة تفضيلات “الجيل زد” التقنية – نموذج من دولة الإمارات” وردت ضرورة استخدام الهاتف الذكي بالنسبة لجيل زد، حيث يمتكل ما يصل إلى 98% من جميع أفراد ذلك الجيل في جميع أنحاء العالم هاتفًا ذكيًا، بينما في الشرق الأوسط وإفريقيا يمتلك 99% من جيل زد هواتف ذكية.

أما فيما يتعلق بتأثير الإعلانات عبر الانترنت والقوة الشرائية لهذا الجيل، فقد أكد دراسة أجرتها شركة الإعلانات الفرنسية Criteo أن 41% من جيل زد وجيل الألفية يتخذون الإجراءات بعد مشاهدة الإعلانات التي تستهدفهم، حيث يقوم 30% بعملية شراء عبر الإنترنت، و20% يقومون بالشراء دون اتصال بالإنترنت.

يصبح موضوع القوى الشرائية والاستهلاكية للجيل زد أكثر إثارة للشركات عند ظهور إحصائيات تتحدث عن مدى تأثير هذا الجيل على عائلاته، فبحسب استطلاع أجرته شركة IBM الأميركية العريقة، إن أكثر من 70% من جيل زد الذين شملهم الاستطلاع يقولون إنهم يؤثرون على قرارات الشراء لعائلاتهم.  وهناك بالفعل التزام من آبائهم بتلبية رغباتهم، حيث يتم شراء المنتجات الموصى بها على نحو متكرر. يبدو أن جيل زد يعرف ما هو الأفضل والأكثر فائدة.

جيل زد ومبيعات شبكات التواصل الاجتماعي 

تجاوز الجيل أساليب التجارة الإلكترونية التي يفضلها جيل الألفية، وأصبح يمارس أغلب عمليات الشراء داخل منصة التواصل الاجتماعي. وهذا ما دفع المنصات لتوجيه خوارزمياتها لتعلم تفضيلات الجيل ولاقتراح التوصيات ذات الصلة، وتوفير تجربة تسوق مخصصة.

بحسب تقرير نشرته شركة فوربس الإعلامية في منتصف عام 2021، إن 97% أفراد جيل زد في أنحاء العالم يتعرفون على المنتجات الجديدة من خلال وسائل التواصل الاجتماعي. ولا تزال منصة فيسبوك إحدى أشهر وسائل التواصل الاجتماعي فيما يتعلق باكتشاف المنتجات لجميع الأجيال. وكما تٌظهر الدراسات أن 65% من جيل زد يميلون إلى مشاهدة محتوى الفيديو أكثر من الأجيال الأخرى. ويتابع 56% المشاهير، و50% من حسابات الميم، و49% لديهم نفس الاهتمامات أو الهوايات، و41% يتابعون الموسيقيين على وسائل التواصل الاجتماعي.

دول حرِمت من قدرات جيل زد

في الوقت الذي بدأت فيه الكثير من دول الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وشركاتها من التوجه باستراتيجيتها نحو سكانها من فئة الجيل زد، وتعزيز قدراتها وتطلعاتها المستقبلية وربطها بصورة قوية بهذه الفئة، حُرمت بعض الدول من مقدرات هذه الفئة وقدرتها على تطوير البنية التحتية المستقبلية لهذه الدول، وهذا يعود لعدة أسباب منها الأزمات الاقتصادية الخانقة أو الحروب الطاحنة في بعض المناطق، ومن بين هذه الدول على سبيل المثال سوريا ولبنان والعراق وفلسطين، والتي واجهت وما زالت تواجه موجات ضخمة من الهجرة، وكان جيل الألفية وجيل زد هما الفئات الأكثر الهجرة من هذه البلدان.

وفق أحدث إحصائية للمفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين “unhcr”، لغاية تاريخ 6 أكتوبر/تشرين الأول من عام 2022، كان هناك 5,596,251 لاجئاً سورياً حول العالم “تم تسجيلهم من قبل المفوضية”.

اللاجئين الذين تعنى بهم المفوضية

تأتي فئتا جيل الألفية وجيل زد بنسبة كبيرة من بين اللاجئين، إذ كانت الفئة من عمر 18 إلى 59 عامًا بنسبة تتراوح بين 25-30%، ومن عمر 12-17 أقل من 10%، ومن عمر 5-11 بنسبة 10% تقريبًا، وهذه الأرقام والنسب توضع مدى خسارة سوريا لهذه الفئات العمرية، ومدى تأثيرها بشكل سلبي على مستقبل البلاد.

الفئة العمرية والجنس

من المسؤول عن الرقمنة في بلدان العالم العربي؟

تلعب الشركات الدولية المانحة دوراً أساسياً في عمليات الرقمنة في منطقة الخليج العربي وفق يونس الكريم المدير التنفيذي لمنصة اقتصادي، الذي قال في تصريح لموقع إكسڤار إن تلك الشركات “تعتمد على جيل زد وجيل الألفية بصورة رئيسية في توجهاتها ضمن المنطقة، وتقدم وعوداً بالقضاء على البطالة، وتبشير الأجيال بأن العصر القادم هو عصر الرقمنة والمعرفة”.

وفي تعليقه على ضعف التحول الرقمي في البلدان الفقيرة، أو تلك التي تشهد صراعات سياسية وعسكرية، بيّن الكريم أن القطاعات الحكومية تعاني من ضعف في الرقمنة، بسبب ارتفاع معدلات البطالة وانخفاض المعدلات الإنتاجية، لذا تلجأ إلى استخدام أكبر قدر ممكن من العمالة، وبالتالي تبدو تلك البلدان أبعد ما تكون عن الرقمنة. لا يقتصر الأمر على القطاعات الحكومية في بلدان مثل سورية والعراق وغيرها وفق الكريم، إنما ينطبق على الشركات الخاصة التي تعاني من ضعف في البنية التحتية، وتعتمد بصورة أساسية على ما تمنحه الحكومة من خلال الصفقات والمشاريع.

وأشار المختص الاقتصادي إلى أن منطقة شمال أفريقيا ليست استثناءً عما تعانيه المناطق العربية الأخرى من ضعف في الإنفاق على التحول الرقمي، ومعاناة من عدم الاستقرار الاقتصادي، نتيجة لعدم الاستقرار السياسي، وضعف الاستثمار في تطوير البنية التحتية الرقمية، ناهيك عن عدم إيمان الحكومات بجدوى الرقمنة، والخوف من أن تكون وسيلة لخلق عدم استقرار سياسي لها.

يؤكّد الكريم أن الرقمنة بحاجة إلى نوع من الوعي لدى المجتمع ككل، وهذا الوعي يتطلب حالة ديمقراطية، هي أبعد ما تكون عن بعض بلدان العالم العربي، ما يعني أن الحكومات تحارب تجربة الرقمنة حفاظاً على سلطاتها. 

هل أعجبك المحتوى وتريد المزيد منه يصل إلى صندوق بريدك الإلكتروني بشكلٍ دوري؟
انضم إلى قائمة من يقدّرون محتوى إكسڤار واشترك بنشرتنا البريدية.