الغش في الألعاب، طفل المطوّرين المدلل الذي خرج عن السيطرة

الغش في الألعاب، طفل المطوّرين المدلل الذي خرج عن السيطرة
أستمع الى المقال

في أواخر السبعينيات وبداية الثمانينيات ومع بداية ظهور الألعاب الإلكترونية وانتشارها بين المراهقين والأطفال ومع تطور الحواسيب ووحدات تحكم الألعاب المنزلية، بدأت شركات الألعاب تتنافس بقوة لتقديم تجارب مميزة في ألعابهم.   

من بين ما عملت عليه بعض الشركات لرفع مستوى التحدي والفضول لدى اللاعبين، كان إضافة ميزات مخفية في الألعاب، سواء كان ذلك ببناء أماكن سرية في اللعبة أو بإضافة مراحل غريبة لا يصل إليها إلا من يلعب لساعات طويلة ويتمرس في اللعبة كنوع من المكافأة له ليتباهى بها أمام بقية اللاعبين. جميعنا نتذكر أحاديثنا مع أصدقائنا حول ماسورة معينة في لعبة Mario تقود إلى مكان يمتلئ بالنقود الذهبية، أو بأبواب مخفية في أماكن معينة نحصل فيها على نقاط صحة إضافية.  

مدخل إلى عالم ماريو الخفي

رموز الغش:  

هي مجموعة من الرموز التي قد تبدو عشوائية، مصممة بطريقة تتيح لمستخدمها مميزات فريدة غير قابلة للاكتساب في حال اللعب بشكل طبيعي. رموز الغش وفي بدايتها لم تكن تتيح للاعب قدرات خارقة تمكنه من الطيران وركوب الدبابات، بل كانت وسيلة للمطورين لاختبار ألعابهم وتجربتها، وذلك لأنهم ببساطة لم يكونوا جيدين فيها، كانوا يبنون ألعاباً صعبة يحتاج فيها الشخص لساعات طويلة لتمرسها وليس بالضرورة أن يكون هذا الشخص هو المطور نفسه، لذا كانوا يستخدمون رموزاً مصممة لهم لتفادي المراحل، اكتساب عدد كبير من نقاط الصحة أو لامتلاك أدوات فتاكة تقضي على الأعداء بسرعة وذلك لتجربة ألعابهم بشكل أسرع وإصلاحها.  

كانت هذه الرموز طويلة ومعقدة، والمطورون كانوا حذرين حول نشرها. كانوا يستخدمون قدر الإمكان رموزاً عشوائية طويلة تكاد تكون نسبة اكتشافها عن طرق الصدفة من اللاعبين معدومة. في حين أن بعض المطورين كانوا بحاجة إلى رموز أبسط ليتذكروها ويصلوا إليها بشكل أسرع أثناء تجربة اللعبة، من الطريف أن في مقابلة من Retro Gaming Magazine مع أحد المطورين في لعبة Manic Miner صرح أن إحدى رموز الغش التي كان يستعين بها لتجربة لعبته كانت سلسلة من الأرقام المقتبسة من رخصة قيادته.  

شيفرة كونامي Konami Code:  

الألعاب سابقاً كانت أصعب من الآن، فإن وجدت نفسك عالقاً في إحدى المراحل فلن تمتلك أية وسيلة سهلة تخرجك من هذا المأزق، في المقابل لا تريد للمال الذي أنفقته عليها “60 دولاراً أو أكثر ” أن يذهب دون الحظي بتجربة لعب مسلية وممتعة. كانت الخيارات المتاحة للاعب في ظرف كهذا مقتصرة على بعض المجلات التي تقوم بتقديم اقتراحات في اللعبة أو بالاتصال بخدمة الزبائن في الشركة الناشرة للعبة للحصول على تلميح يساعد في تجاوز اللعبة. هذه العملية المعقدة كانت سبباً مناسباً لحاجة اللاعبين لأدوات متوفرة باستمرار تساعدهم على تجاوز المراحل بسهولة.  

أعلى، أعلى، أسفل، أسفل، يسار، يمين، يسار، يمين، B، A. هذه السلسة من الأزار كانت واحدة من أوائل رموز الغش في الألعاب والتي انتشرت كالنار في الهشيم بين اللاعبين في بداية ظهورها، لأنهم باتوا يمتلكون وسيلة تخفف من صعوبة اللعبة لديهم وتمكنهم من الاستمتاع بها أكثر. 

 هذا الرمز يسمى بشيفرة كونامي، والتي ظهرت في العديد من الألعاب التي طورت داخل شركة Konami، وهو رمز مكون من سلسلة من المدخلات من وحدة التحكم إذا تم إدخالها بالشكل الصحيح، سيمتلك اللاعب 30 نقاط صحة إضافية تسمح له بتجاوز المراحل. 

قام بابتكارها في منتصف الثمانينيات المطور الياباني Kazuhisa Hashimoto والذي كان يعمل في الشركة على تطوير لعبة Gradius. يتم تصنيف هذا الرمز كأول رمز غش في تاريخ الألعاب الإلكترونية والتي كانت مجرد بداية لانتشارها في ألعاب أخرى. 

شيفرة كونامي | المصدر: Gifer

 نكز اللعبة POKE:  

لم تقتصر عمليات الغش على إدخال رموز كان قد طورها المبرمجون سابقاً، بل انتشرت أكثر لدرجة أن أصبح هناك صناع يوظفون مهاراتهم لتطوير برمجيات صغيرة من شأنها إجراء تعديلات على الألعاب عن طريق التلاعب بالقيم والمتغيرات في اللعبة، مثل عدد نقاط الصحة، نسبة التقدم في المرحلة، عدد الأعداء، نسبة صعوبتهم أو الأدوات التي يملكها اللاعب. كل تغيير يطرأ على إحدى القيم من شأنه أن ينعكس على اللعبة نفسها ويساعد اللاعب على تجاوز المراحل.  

هذه البرمجيات والتي تسمى بالنكز أو بال POKE حظيت بشهرة واسعة خصوصاً بإثبات جدارتها في الألعاب القديمة “8 Bit” والتي كان التلاعب بالقيم فيها أمراً بسيطاً وسهلاً. كانت بالطبع مهمة صعبة بالنسبة للبعض، فأي خطأ بتعديل قيمة كان من الممكن أن يؤدي إلى خلل منطقي في اللعبة أو زيادة صعوبة الأعداء وأعدادهم. لذا نمت هذه الظاهرة بين أوساط اللاعبين وجعلتهم يشاركون مع بعضهم القيم ونسبها التي تكون مناسبة بشكل أكبر لتجاوز المراحل وزيادة المتعة بنفس الوقت.  

هذا التطور في عمليات الغش زاد من اهتمام اللاعبين بها، مما دفع العديد من المجلات المختصة في الألعاب بتحديد زوايا خاصة لنشر رموز الغش في الألعاب، كما وبصدور منصات الفيديو انتشرت العديد من مقاطع الفيديو التي تساعد اللاعب على الغش في ألعابه المفضلة والتغلب عليها.  

التأقلم والاستفادة:  

نظراً لأن صناعة الألعاب قائمة على أساس إرضاء اللاعبين، فإن أية طريقة تساهم لبلوغ هذه الغاية كانت بالنسبة للمطورين أداة يمكن الاستعانة بها لرفع المتعة والمبيعات في نفس الوقت. عدد كبير من المطورين تأقلموا بعد مدة على قدرة ورغبة اللاعبين على الغش داخل اللعبة، فباتوا يعملون على دمج رموز الغش داخل اللعبة نفسها وجعلها متوافقة مع اللعبة بشكل أفضل. 

بأخذ لعبة GTA مثالاً، حيث قام المطورون عن قصد بتوفير قائمة طويلة من رموز الغش التي كانت كفيلة بتقديم سيارات فارهة للاعب، أو أن يصبح منيعاً ضد هجمات الشرطة، أو يمتلك أسلحة نادرة في اللعبة. تحولت اللعبة من لعبة صعبة قد يحتاج اللاعب أن يكون شديد الحذر فيها إلى لعبة سهلة ومسلية مختلفة كلياً عن اللعبة الأصلية بتطبيق رموز الغش. 

دمج رموز الغش داخل الألعاب لم يقتصر على زيادة المتعة للاعبين فقط، بل كانت في بعض الألعاب وسيلة للالتفاف حول الرقابة التي كانت شديدة في الفترة التي لحقت بداية التسعينيات وتقود حملة شرسة ضد الألعاب بحجة تحريضها على العنف. لذا كانت رموز الغش بالنسبة لبعض المطورين أداة يمكن توظيفها لإرضاء اللاعبين وفي نفس الوقت التهرب من الرقابة الشديدة. استطاعت لعبة Mortal Kombat -والتي أزيلت منها حينها جميع المشاهد العنيفة والدم بسبب الضغط الرقابي- عن طريق بعض المطورين أن تدمج رمز غش مع اللعبة، يمكّن اللاعب بمجرد إدخاله من إظهار الدماء مجدداً والرفع من حدة العنف في اللعبة.  

الألعاب الحديثة والمرتبطة بالإنترنت:  

لم يكن الغش دائماً أداة يمكن للشركة المطورة الاستفادة منها، ففي الكثير من الألعاب كانت عمليات الغش التي يقوم بها اللاعبون مزعجة وتسيء للعبة نفسها، لتشن الشركات في المقابل حرباً ضد كل من يحاول تطوير برمجيات تحاول التلاعب باللعبة. 

صناعة الغش وبالرغم من تطورها الموازي لتطور الألعاب، إلا أنها عانت بشدة مع بداية اعتماد ألعاب الإنترنت، فالألعاب الحالية لم تعد مثل السابق تصدر وتبقى على حالها إلى الأبد. معظم الألعاب الحديثة باتت في تطوير مستمر من خلال تحديثات متكررة تحسن من حماية اللعبة وتمنع الثغرات التي تسمح للاعبين بالغش والتلاعب باللعبة. 

هذا الصراع بين الشركات المصنعة للألعاب والمجموعات التي تقوم بالتلاعب بها وتوفر إمكانية الغش في اللعبة كان له تأثير كبير على تطور الألعاب نفسها، فبعض شركات تطوير الألعاب تمكنت من فهم وتحليل سيكولوجية اللاعبين وتفسير حبهم للغش، من أحد الأسباب هو بالطبع حبهم لامتلاك قدرات مميزة تبدو خارقة بحسب منطق اللعبة نفسها والتي من شأنها أن تباغت الأعداء. هذا ما دفع بالشركات للعمل على تطوير ألعاب تسمح للاعب بامتلاك ميزات دون غيرها ودمجها مع قصة اللعبة لترضيه وتخلق بيئة متكافئة في نفس الوقت.  

القدرات الخارقة ضمن سياق اللعبة:  

في معظم ألعاب متعددة اللاعبين كانت معظم عمليات الغش تقدم للاعب إمكانية رؤية الأعداء من خلف الجدران أو الركض بشكل سريع بحيث يصعب على العدو تتبعه أو بعودته مرة أخرى إلى الحياة بمجرد قتله من قبل أحد آخر، كل هذه الميزات تثير فضول اللاعبين وتدفعهم لتجربة هكذا نوع من الغش.  

ولكن ماذا لو كانت كل هذه المميزات يمكن اكتسابها بطرق شرعية داخل اللعبة، بأخذ لعبة Apex Legends مثالاً، فإن كل بطل من أبطال اللعبة يمتلك قدرات مفقودة عند البقية مثل إمكانية كشف الأعداء خلف الجدران، الركض بسرعات عالية، القفز لعلو كبير وبناء جدران منيعة ضد الرصاص.. إلخ. هذا بالطبع لم يقض على محاولات الغش، ولكنه بالتأكيد قلل منها بشكل كبير، لدرجة أن اللعبة تعتبر من بين الألعاب التي تكون نسبة الغش فيها قليلة بالمقارنة مع البقية. 

قدرات Bloodhound في لعبة Apexlegends

اقرأ أيضاً: الموسم 11 من Apex Legends، هل يكون أفضل موسم في اللعبة؟

الغش قضية أخلاقية:  

حسناً ما المشكلة من التعديل على لعبة قد اشتريتها من مالك الخاص؟ القضية قد لا تكون بذلك السوء في الألعاب التي يكون تأثير الغش فيها مقتصراً عليك فقط. في الألعاب الحديثة والجماعية لا تكون العلاقة بين مطوري الألعاب ومطوري برامج الغش ومستخدميه بتلك الودية، فالصراع يحتدم بينهم لدرجة بات من الطبيعي أن يتعرض أحد مستخدمي برامج الغش لحظر دائم من اللعبة تمنعه من استخدامها إلى الأبد، حتى لو كان قد اشتراها، أو قد تتعقد الأمور أكثر بوصول بعض القضايا إلى المحاكم في بعض الدول مثل كوريا وأستراليا، والتي قد تنتهي بدفع اللاعب لغرامات مالية كبيرة. يبقى الصراع بين الطرفين قائماً، ويبقى هدف مطوري الألعاب الجماعية والشركات الكبيرة إقناع جميع الدول بفرض سياسات صارمة بخصوص الغش في الألعاب.   

الغش في الألعاب وإن كان مصدر قلق لمطوري الألعاب لتأثيره سلباً على مبيعاتهم، إلا أنه يبقى جزءاً من مسيرة تطور الألعاب نفسها، والتي ازدهرت في بداية الثمانينيات وما تزال مستمرة إلى الآن. الغش بالتأكيد يفسد تجربة اللعب بالنسبة للكثير من اللاعبين اللذين يتعرضون له، ولكنه كان أحد وسائل المتعة الذي ما نزال نتذكره في ألعاب مثل GTAو IGI وغيرها الكثير.  

هل أعجبك المحتوى وتريد المزيد منه يصل إلى صندوق بريدك الإلكتروني بشكلٍ دوري؟
انضم إلى قائمة من يقدّرون محتوى إكسڤار واشترك بنشرتنا البريدية.