أستمع الى المقال

من المعروف أن الشبكات العصبية الاصطناعية مستوحاة من نظيراتها البيولوجية. ومع ذلك، بالمقارنة مع أدمغة البشر، فإن هذه الخوارزميات تبدو بسيطة للغاية لدرجة الهزل. لكن رغم ذلك، هل يمكنها أن تعلمنا أي شيء عن كيفية عمل الدماغ؟

بالنسبة للّجنة التي حضرت الاجتماع السنوي لجمعية علم الأعصاب الأمريكية الذي حصل الشهر المنصرم، الإجابة هي نعم. صحيحٌ أنّ التعلم العميق لم يُقصد به أن يكون محاكاةً للدماغ. في الواقع، يتكون التعلم العميق من عناصر غير ممكنة الوجود أو العمل معًا بيولوجيًا. لكن يجادل أعضاء اللجنة بأن هذا ليس بيت القصيد، فمن خلال دراسة كيفية أداء خوارزميات التعلم العميق، يمكننا استخلاص نظريات عالية المستوى لعمليات الدماغ؛ وهذا هو مصدر الإلهام الذي سيتم اختباره بشكلٍ أكبر في المختبر.

قالت المتحدثة الدكتورة سارة سولا، الخبيرة في علم الأعصاب الحسابي في كلية فينبرغ للطب بجامعة نورث وسترن الأمريكية: “ليس من الخطأ استخدام النماذج المبسطة”. إذ يعدّ اكتشاف ما يجب تضمينه -أو استبعاده- طريقةً قوية للغاية لاكتشاف ما هو مهم وما هو “خردة” تطورية لشبكاتنا العصبية.

توافق الدكتورة ألونا فيش من جامعة ألبرتا على ذلك. إذ قالت: “لقد كانت خوارزميات الذكاء الاصطناعي مفيدةً بالفعل في فهم الدماغ.. على الرغم من أنها ليست نماذج متوافقة تمامًا مع علم وظائف الأعضاء الحيوية.” وقالت إن النقطة الأساسية هي أن هذه الخوارزميات يمكن أن تقدم تمثيلات؛ أي نظرة رياضية شاملة لكيفية تجمّع الخلايا العصبية في دارات كهربائية لتحفيز الإدراك والذاكرة والسلوك.

ولكن على أية حال، ما الذي تفتقده خوارزميات التعلم العميق؟ بالنسبة لعضو اللجنة الدكتور سيان أودونيل في جامعة أولستر، فإن الإجابة هي الكثير. على الرغم من أننا نتحدث غالبًا عن الدماغ كجهاز كمبيوتر بيولوجي عملاق، إلا أنه يعمل وفقًا للمعلومات الكهربائية والكيميائية. وطرح أودونيل فكرة أن دمج البيانات الجزيئية في الشبكات العصبية الاصطناعية يمكن أن يدفع الذكاء الاصطناعي خطوةً أقرب نحو الدماغ البيولوجي. وبالمثل، فإن العديد من الاستراتيجيات الحسابية التي يستخدمها الدماغ لم يتم استخدامها بعد في التعلم العميق.

دور “الدماغ الصغير” في اللغة

على سبيل المثال، لجأت فيش إلى دراسة حديثة حول علم أعصاب اللغة.

غالبًا ما نفكر في القشرة المخية كوحدة معالجة مركزية لفك تشفير اللغة. لكن الدراسات تشير الآن إلى مركز جديد مفاجئ: المخيخ. يُعرف المخيخ، الذي يُطلق عليه اسم “الدماغ الصغير”، بدوره في الحركة والتوازن. لكن عندما يتعلق الأمر بمعالجة اللغة، فإن علماء الأعصاب يجهلون الأمر.

لفهم الأمر أكثر، استخدم الباحثون نموذج “GPT-3″؛ نموذج التعلم العميق ذو القدرات اللغوية الكبيرة. باختصار، يعمل GPT-3 من خلال توقّع الكلمة التالية في تسلسل كلمات. ومنذ صدوره، كتب نموذج الذكاء الاصطناعي هذا، وما تلاه من نماذج مبنية عليه، أشعارًا ومقالات وأغانٍ شبيهة بما يكتبه الإنسان، مما أدى إلى إنتاج أعمالٍ تبدو بشرية جدًا لدرجة أنه كان من الصعب على الخبراء التمييز بين ما كتبته الآلة وما خطّته يد الإنسان.

في هذه الدراسة، بقيادة الدكتور ألكسندر هوث من جامعة تكساس، استمع المتطوعون إلى ساعات من البث الصوتي أثناء فحص أدمغتهم باستخدام التصوير بالرنين المغناطيسي الوظيفي. استخدم الفريق بعد ذلك هذه البيانات لتدريب نماذج ذكاء اصطناعي يمكنها التنبؤ بكيفية تنشيط أدمغة المشاركين، بناءً على خمس علامات لغوية. على سبيل المثال، التقطت إحدى العلامات كيفية تحرك أفواهنا عند التحدث، ونظرت أخرى في ما إذا كانت الكلمة هي اسم أو فعل، وأخرى نظرت في سياق الكلام المحكيّ. بهذه الطريقة، استوعبت الدراسة المستويات الرئيسية لمعالجة اللغة، من الصوتيات منخفضة المستوى إلى مستوى الفهم العالي.

وبشكلٍ مثيرٍ للدهشة، كان النموذج السياقي فقط -الذي يعتمد على نموذج GPT-3- قادرًا على التنبؤ بدقة بالنشاط العصبي عند اختباره على مجموعة بيانات جديدة. ماذا استنتج الباحثون من ذلك؟ يفضّل المخيخ المعالجة عالية المستوى، خاصةً فيما يتعلق بالفئات الاجتماعية أو الأشخاص.

قالت فيش: “هذا دليل قوي جدًا على أن نموذج الشبكة العصبية كان مطلوبًا حتى نفهم ما يفعله المخيخ. وهذا لم يكن ليكون ممكنًا بدون الشبكات العصبية العميقة.”

التعلم الحيوي العميق

على الرغم من كونه مستوحى من الدماغ، فإن التعلم العميق لا يعتمد إلا بشكلٍ طفيف على الأعضاء الحيوية المتذبذبة داخل رؤوسنا. كما لا يخضع الذكاء الاصطناعي للقيود البيولوجية، مما يسمح بسرعات معالجة تتجاوز بشكلٍ كبير سرعة أدمغة الإنسان. إذن كيف يمكننا تقريب نوعي الذكاء من بعضهما؟

برأي أودونيل، نحتاج إلى الغوص مرةً أخرى في الجوانب غير الثنائية للشبكات العصبية. إذ قال: “يمتلك الدماغ عدة مستويات مختلفة من التنظيم، إذ تنتقل من الجينات والجزيئات إلى الخلايا التي تتصل في دارات كهربائية، والتي تؤدي بطريقةٍ سحرية إلى عمليات الإدراك والسلوك.”

وليس من الصعب رؤية الجوانب البيولوجية غير الموجودة في نماذج التعلم العميق الحالية. خذ على سبيل المثال “الخلايا النجمية”، وهي نوع من الخلايا الموجودة في الدماغ تُعرف بدورها في التعلم. أو الجزيئات التي تُعتبر بوابات التعلم، والتي يمكنها تجميع نفسها في فقاعات دهنية لتطفو من خلية عصبية إلى أخرى لتغيير نشاط المستقبِل. فالسؤال الرئيسي هو، أي من هذه التفاصيل البيولوجية مهمة؟ كما يوضح أودونيل، يمكن لثلاثة جوانب أن تحرك التعلم العميق نحو احتمالية تطبيق  بيولوجية أعلى: إضافة التفاصيل البيولوجية التي تكمن وراء الحساب، والتعلم، والقيود المادية.

مثالٌ على ذلك العوامل الكيميائية الحيوية داخل الخلايا العصبية، مثل تلك التي تعيد تشكيل بنية المشبك؛ وهو نتوء مادي يربط الخلايا العصبية المتجاورة، ويحسب البيانات، ويخزن الذكريات في نفس الوقت. فداخل خلية عصبية واحدة، يمكن للجزيئات الكيميائية أن تتفاعل مع مدخلات البيانات، وتطفو حول التشعّبات لإطلاق حسابات كيميائية حيوية في نطاق زمني أبطأ بكثير من الإشارات الكهربائية، وهو نوع من “التفكير السريع والبطيء” ولكن على مستوى خلية عصبية واحدة.

وبالمثل، فإن الدماغ يتعلم بطريقة مختلفة بشكلٍ كبير مقارنة بخوارزميات التعلم العميق. ففي حين أن الشبكات العصبية العميقة تكون ذات كفاءة عالية في وظيفة واحدة، فإن الدماغ مرن في أداء الوظائف المتعددة في نفس الوقت. ويعتمد التعلم العميق أيضًا بشكلٍ تقليدي على التعلم الخاضع للإشراف؛ من حيث أنه يتطلب العديد من الأمثلة مع الإجابة الصحيحة للتدريب، في حين أن الطريقة الحسابية الرئيسية التي يتعلم بها الدماغ غير خاضعة للإشراف وغالبًا ما تعتمد على المكافآت.

ويمكن أن تساهم القيود الجسدية في الدماغ أيضًا في فعاليته. إذ تمتلك الخلايا العصبية نشاطًا ضئيلًا، مما يعني أنها عادةُ ما تكون صامتة -أي في وضع السكون- ولا تعمل إلا عند الحاجة، وبالتالي تتم المحافظة على الطاقة.

وأخيرًا، يقلل الدماغ من إهدار المساحة. إذ تشبه أوعية المدخلات والمخرجات الخاصة به وعاءًا مهروسًا للغاية من السباغيتي، لكن تموضعها ثلاثي الأبعاد في الدماغ يمكن أن يؤثر على حساباتها. فيمكن أن تغرق الخلايا العصبية القريبة من بعضها البعض في سيلٍ من المُعدِّلات الكيميائية نفسها، حتى عندما لا تكون متصلة بشكلٍ مباشر، ودون أن تتداخل وظائفها. وهذا التنظيم المكاني شيءٌ مفقودٌ إلى حد كبير من نماذج التعلم العميق.

قد تبدو هذه تفاصيل دقيقة، لكنها قد تدفع الاستراتيجيات الحسابية للدماغ نحو مسارات مختلفة عن تلك التي لدى التعلم العميق. لذا، فإن الصلة بين التعلم العميق والأدمغة تستحق الاستكشاف، ولكن هناك الكثير من الآليات البيولوجية، المعروفة وغير المعروفة، التي لا يتم دمجها عادةً في الشبكات العصبية العميقة”.

تآزر العقل والآلة

بغض النظر عن بعض الاختلافات، من الواضح أن الذكاء الاصطناعي وعلم الأعصاب يتقاربان. إن جوانب علم الأعصاب التي لم يتم أخذها في الاعتبار سابقًا في التعلم العميق -مثل الدافع أو الاهتمام- أصبحت الآن أكثر شيوعًا.

بالنسبة لسولا، فإن النقطة الحاسمة هي إبقاء نماذج التعلم العميق قريبة -ولكن ليست قريبة جدًا- من العقل البشري. واتفق جميع أعضاء اللجنة الثلاثة على أن النقطة الأساسية التالية هي اكتشاف المزيد من أوجه التشابه بين مفهوم التعلم العميق والدقة العصبية الحيوية بحيث يمكن للتعلم العميق تكوين أوجه تآزر مع علم الأعصاب.

لكن يبقى هناك سؤالٌ واحدٌ غير معروف حتى الآن، وهو ما هي التفاصيل الدماغية التي يجب تضمينها في المقارنة والتقريب؟ بالنسبة لسولا، فإنه على الرغم من أنه من الممكن اختبار الأفكار بشكل منهجي من علم الأعصاب وحده، إلا أنه لن يكون هناك حل سحري يجمع بين الاثنين هنا. قالت: “سيكون الأمر معتمدًا على كل مشكلة على حدة”.

وكان لدى أودونيل منظورٌ مختلف؛ إذ اعتبر أنه باستخدام شبكات التعلم العميق التي يمكنك تدريبها على الأداء الجيد في المهام التي لم تتمكن النماذج القياسية المستوحاة من الدماغ من حلها من قبل، ومن خلال مقارنة الاثنين وتوحيدهما، يمكننا الحصول على أفضل ما في العالمين: خوارزمية تعمل بشكل جيد، وتتماشى بشكلٍ جيد مع الدقة البيولوجية.

هل أعجبك المحتوى وتريد المزيد منه يصل إلى صندوق بريدك الإلكتروني بشكلٍ دوري؟
انضم إلى قائمة من يقدّرون محتوى إكسڤار واشترك بنشرتنا البريدية.