استمع إلى المقال

مع تزايد الأدلة على تأثيرات التغير المناخي السلبية على الحياة في الأرض، يبحث العلماء وصناع القرار عبر طرق مختلفة للتخفيف من هذه التأثيرات وزيادة قدرة النظم البيئية والاجتماعية على التكيف معها.

من بين هذه الطرق، يوجد فرع من العلوم يسمى التدخل الجيوهندسي الشمسي، والذي يهدف إلى تبريد الغلاف الجوي عن طريق انعكاس جزء من أشعة الشمس بعيدا عن سطح الأرض، ولكن ما هو التدخل الجيوهندسي الشمسي بالضبط، وما هي طرقه وآثاره المحتملة، وما هو موقف أصحاب القرار من هذا الموضوع.

في هذا التقرير، سنستعرض تقريرا جديدا أصدره “البيت الأبيض” يستكشف هذه الأسئلة وغيرها، ويقدم إطارا للبحث والحوكمة في مجال التدخل الجيوهندسي الشمسي، كما سنتطرق لذكر المخاطر والفوائد المحتملة لهذا النوع من التدخل في المناخ.

“البيت الأبيض” وتبريد الأرض

يوم الجمعة الماضي، أصدر “البيت الأبيض” تقريرا ملزما اتحاديا حول التدخل الجيوهندسي الشمسي، وهو مصطلح شامل كما ذكرنا يصف طرق انعكاس أشعة الشمس بعيدا عن الأرض لتبريد الغلاف الجوي.

مسؤول كبير في إدارة الرئيس الأميركي جو بايدن أوضح، أنه لا توجد خطط قائمة حاليا لإطلاق برنامج بحثي شامل حول تعديل الإشعاع الشمسي، ولكن التقرير يقول أيضا إن هناك خطة بحثية متماسكة حول هذا الموضوع.

بحسب التقرير، فإن هذه المجهولات، والفهم المتطور باستمرار للأنظمة الأرضية المعقدة، توفر حالة قوية للبحث لفهم كل من الفوائد والمخاطر المحتملة.

التقرير صدر من مكتب سياسة العلوم والتكنولوجيا في “البيت الأبيض” وبحسب قانون التخصيصات الموحد الذي تم اعتماده في عام 2022، طلب التقرير من “البيت الأبيض” تطوير “إطار حوكمة بحثية لتوفير إرشادات حول الشفافية والمشاركة وإدارة المخاطر للعمل الممول عاما في مجال البحث في التدخل الجيوهندسي الشمسي”.

التأثيرات والمخاطر

لعقود طويلة، كان تعديل الإشعاع الشمسي يُنظَر إليه على أنه من مجال الخيال العلمي، ولكن مع ظهور آثار التغير المناخي وخطورتها الذي أصبح أكثر وضوحا، يقول بعضهم إن التدخل في المناخ قد يكون أقل خطورة من الاحتباس الحراري الذي سيحدث دونها.

الحرارة خصم لا يستهان به، فهي تدعى في أغلب الأحيان بـ “القاتل الصامت“، لكن إدارة الإشعاع الشمسية لن تعالج آثار التغير المناخي الأخرى، مثل تحمض المحيطات أو التلوث الجوي.

تقرير “البيت الأبيض”

يركز تقرير “البيت الأبيض” على طريقتين من التدخل الجيوهندسي الشمسي. أولها حقن الهباء الجوي الطبقي، وهو إطلاق جسيمات من ثاني أكسيد الكبريت أو مادة أخرى في الغلاف الجوي العلوي لانعكاس أشعة الشمس بعيدا عن الأرض، وتحسين قابلية بعض الغيوم للانعكاس عن طريق حقن ملح البحر أو من خلال طرق أخرى.

التغير المناخي
يوضح هذا الرسم البياني الأشكال المختلفة التي يمكن أن تتخذها الهندسة الجيولوجية الشمسية – المصدر:

البحث في تعديل الإشعاع الشمسي يحدث بالفعل في وكالات العلوم الفيدرالية، والبحث في موضوعات مثل النشاط البركاني وتفاعلات الغبار-الغيوم يمكن أن يوفر معرفة أساسية مفيدة، فالانفجارات البركانية وأعمدة دخان الحرائق الضخمة توفر نظيرا طبيعيا لحقن الهباء الجوي الطبقي المصمم.

لكن البحث في إدارة الإشعاع الشمسي محدود وغير منسق، مما يترك فجوات كبيرة في المعرفة، وسيساعد وجود خطة بحثية من إعداد الولايات المتحدة لنشر تعديل الإشعاع الشمسي من قِبَل حكومة أخرى أو هيئة خاصة.

على سبيل المثال، قد يؤدي حقن الهباء الجوي الطبقي إلى تسريع استنزاف طبقة الأوزون وتقليل التنوع الحيوي، وتشمل المجهولات الأخرى التغيرات المحتملة في أنماط هطول المطر، وارتفاع مستوى سطح البحر، والنباتات البرية، والشعاب المرجانية، وإنتاج المحاصيل وغيرها من النظم البيئية والاقتصادية.

أولوية البحث

التقرير أوضح، إن أي برنامج بحثي شامل محتمل يجب أن يشمل الأبعاد الاجتماعية بالإضافة إلى الأبعاد العلمية للتدخل الجيوهندسي الشمسي، ويبرز عدة مجالات أولوية رئيسية لمزيد من البحث في التدخل الجيوهندسي الشمسي، بما في ذلك.

  • تحديد التأثيرات المناخية والبيئية لنشر تعديل الإشعاع الشمسي
  • تقييم النتائج المجتمعية والعواقب البيئية المحتملة
  • دراسة كيفية إجراء البحث بالتعاون بين الشركاء الدوليين

التقرير يقر أيضا بأن البحث في تأثيرات التدخل الجيوهندسي الشمسي حتى الآن كان عشوائيا ومتجزأ، بدلا من أن يكون نتاج استراتيجية شاملة؛ ونتيجة لذلك، توجد فجوات معرفية كبيرة وغموض في العديد من المجالات الحرجة.

خطة احتياطية

في ضوء التقرير الذي أصدره “البيت الأبيض”، يمكننا أن نستنتج أن التدخل الجيوهندسي الشمسي هو موضوع معقد ومثير للجدل، والذي يحتاج إلى مزيد من البحث والحوار قبل أن يتم النظر في نشره كحل محتمل للتغير المناخي.

رغم من أن إدارة بايدن لا تخطط حاليا لإطلاق برنامج بحثي شامل في هذا المجال، إلا أنها تعترف بأهمية فهم الفوائد والمخاطر المحتملة لهذا النوع من التدخل في المناخ، وكذلك التأثيرات الاجتماعية والبيئية والسياسية المرتبطة به، وكما تشير إلى ضرورة التعاون الدولي والشفافية والمشاركة في أي نشاط بحثي في هذا المجال.

بالتالي، فإن التقرير يوفر إطارا مفيدا للبحث والحوكمة في مجال التدخل الجيوهندسي الشمسي، ولكنه لا يغني عن الجهود المستمرة لخفض انبعاثات الغازات المسببة للاحتباس الحراري وزيادة قدرة النظم البيئية والاجتماعية على التكيف مع آثار التغير المناخي، فالتدخل في المناخ هو خيار أخير وغير مضمون، ولا يجب أن يستخدم كذريعة للتقاعس عن اتخاذ إجراءات فعالة لمواجهة التحدي الأكبر الذي يواجه كوكبنا.

هل أعجبك المحتوى وتريد المزيد منه يصل إلى صندوق بريدك الإلكتروني بشكلٍ دوري؟
انضم إلى قائمة من يقدّرون محتوى إكسڤار واشترك بنشرتنا البريدية.
0 0 أصوات
قيم المقال
Subscribe
نبّهني عن
0 تعليقات
Inline Feedbacks
مشاهدة كل التعليقات